رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

الثلج الأسود


فتحي راشد
9/8/2018 2:10:01 PM

كأن ليس له أمس وليس له غد تعلو شفتيه ابتسامة فيها شيء من أمل وكثير من حزن.
»يا أبي لقد سمعت أترابي يرددون أن الثلج سيتساقط وسيشملنا وسيغطي الأشجار والأرض بلونة الأبيض الناصع!»‬
أجاب الأب محزونا أن نعم، قال ذلك بصوت متكسر يكاد الكلام يخرج من حلقه خروجا.
وأقبل الليل، سبقه المساء حيث سمعت همسات وغمغمات كلها تنذر بقدوم هذا الضيف وأذيع أن الدروس ستتعطل حيث أشيع أن العاصفة الثلجية قد تكون عنيفة الزائر مخوف ومخيف فهو ضيف ثقيل وهو أشد وطئا علي من تقول فيه الحرب قديما »‬كثير رماد القدر» لكرمه أو لغناه أو لكرمه وغناه معا.
ولكن كيف الحال مع هذا الصبي وأسرته؟!
الأم دعيت إلي رضوان ربها وتركت الزوج في أسوا حال من الحاجة والضيق والبؤس.. البنت الكبيرة تزوجت ولم يبق في البيت سوي هذا الفتي وأخت له صغيرة يختلف الصبي إلي المدرسة في حين تقوم البنت بما أمكن لها بشئون الأسرة في بيت حقير يندي حتي يتقاطر.
قل إن شئت إن الوالد رجل مجدود، فالزوجة تركت له الطفلين قد شبا عن  الطوق، لم يجد من ناحيتهما  عظيم بلاء ولا نكد.
ولكن يذهب به التساؤل مذاهب شتي: هل أغراب في وطني! هل  في وطني أغراب؟  هل أغراب وطني من وطني؟!
الفتي في مدرسته يري ويسمع ولكنه لا يجد من حوله إلا بؤسا بئيسا وحرمانا مقيتا،  فالأحلام والأماني لا تصنعان الأمجاد فبينها حُجب صفاق وأستار كثاف!
بسط الليل ظلمته  الداجية علي المكان.. حفيف الأوراق وهفيف سقوط الثلج موسيقي ليلية تصاحبه زمنا قد يقصر أو يطول في ليله الشتوي البارد.
 هدأت العاصفة وخرج الناس وسُمع لغط كثير وانتشرت بينهم المُلَح والطرائف والنوادر والمضحكات.
استيقـظ من غده وأَمَّ مدرسته كما  أمها  قبل مع  لفيف من صبية لايختلفون في شيء سوي في طول القامة أو قصرها.
الطريق كله مخاوف فصعود وهبوط ومنعطفات وهو في ظنهم طويل صباحا قصير مساء.
بقلمه الرصاص رسم  ثم لون.
وضع أصدقاؤه مابرعوا في رسمه وتلوينه علي مكتب سيدهم ليسند  لكل رسم عددا كما تعودوا أن يفعلوا وكذلك فعل الصبي.
ولكن ما لفت انتباه أستاذه السواد الذي يكاد يغطي جل ما رسم فبادره قائلا:
ما يغطي شجيراتك يا شادي؟
الثلج سيدي!!
هنا وجم الأستاذ وشعر بمرارة لم يبدها وبدت له علي وجوه متعلميه حكايات وحكايات...
وقف الفتي وأردف قائلا باستحياء مشوب بثقة وفي عينيه دموع تترقرق ولا تكاد تنهل:
سيدي، لقد نسيت أن أرسم الشمس!