رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

زهايمر


عبد الإله عبد القادر
9/8/2018 2:11:29 PM

فجأة وجد نفسه بلا عمل، وأن الروتين الذي تعوّد عليه طيلة أربعة عقود قد توقف، ما عاد له مكتب ولا مسؤوليات ولا مشاغل، فجأة أصبحت حياته فارغة من كل محفزات الحياة، حاول أن يقضي وقت فراغه الطويل في مقهي المتقاعدين، وجد أن الأمر في غاية التراجع عن الحياة، وأن كل واحد منهم ما إن يجلس علي كرسيه حتي يستذكر شريط حياته السابقة، حتي مل سماع هذه الحكايات والأشرطة الصوتية المستهلكة.
فتش عن عمل حتي لو كان ليس بوقت كامل، فشل أيضاً، تجول في المراكز التجارية العامة حتي حفظها عن ظهر قلب، وما عادت تجذبه بكل ما فيها من مطاعم ووسائل ترفيه وأسواق مختلفة، وبشر مثل الدود يتحدثون بلا انتظام ودون السير في اتجاه واحد، دوائر وخطوط مستقيمة ومنكسرة، شاقولية ومتوازية و .... و..... .
حينما يستيقظ صباحاً يسارع إلي المقهي فيقرأ فيه كل صحف الصباح السيارة، حتي عرف أخبار العالم والتحليلات حول الأحداث التي أصبحت يومية في حياته وحياة الناس، انفجارات وحروب، وفيضانات، ومآسٍ لا تعد ولا تحصي والإنسان هو الضحية في كل مكان وأي خراب أو مشكلات تحدث في هذا العالم الذي أحس به صغيراً وضعيفاً.
حمل حقيبته وسافر.. مدينة تلو الأخري، وبلد بعد الآخر، إلا أن إرادته وراتبه التقاعدي لا يساعدانه علي الاستمرار في حمل حقيبة السفر.
تذكر أيامه وأبرز ما فيها، طفولته وشقاوة صباه والنساء اللواتي عرفهن وأحببنه، خروج البنات من المدارس عصراً أو ظهراً وانتظاره أمام بوابات تلك المدارس بحثاً عن حبيبته التي تتلون وتتغير مع تغير تلك البوابات، ثم تذكر ضغوطات والديه وزواجه ممن لا يعرفها، كان زواجاً تقليدياً بكل ما فيه، وأولاد ستة جاءوا تباعاً وإشكالات مدارسهم والضغوطات المادية التي عاشها مع زوجته التي ابتلعها الموت سريعاً وتركته وحيداً بعد أن تزوج كل أبنائه وانفصلوا عنه واضطر إلي التقاعد، بل أُجبر علي ترك العمل وكان بوده لو استمر ولو لعامين أو لعام أو حتي لنصف عام.
بدأت ذاكرته بالتراجع..
حاول أن ينشطها.. راجع أطباء مختصين.. دون جدوي وبالتدريج فقد الذاكرة، وما عاد يعرف حتي أبنائه.
إلا أن الولد الأكبر أنقذه بالإقامة الجبرية في المنزل مما زاد تدهور ذاكرته وضعف جسده.
مر بأزمات صحية، كان يخرج من كل واحدة بإعجوبة، حتي الأطباء كانوا يستغربون من إمكانية عودة صحته علي الرغم من تراجعها بشكل عام.
ذات يوم جاء أولاده يزورونه للاطمئنان عليه، وجدوا باب المنزل مفتوحاً علي مصراعيه، فتشوا الغرف نادوه دون فائدة.. كان قد خرج دون رقابة بعد أن نامت الممرضة التي استأجروها لمراقبته، انتشر أولاده كل واحد في شارع واتجاه للبحث عن الأب الضائع.. عادوا جميعهم إلي منزل والدهم تباعاً.. ويئسوا من عودته، ذهبوا إلي المستشفيات، ودوائر الشرطة وسألوا المارة في كل شوارع المدينة وأزقتها.. وأدركوا أن أباهم لن يعود بعد أن خرج من حلقة مراقبتهم له.