رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

أحمد الجنايني


مصطفي نصر
9/15/2018 11:14:10 AM

يسير أحمد الجنايني من بيته في حارة »سردينة»‬ القريبة جدا من مسجد أبي العباس المرسي،  يرتدي قميصا وبنطلونا، يرفع يده ناحية المحلات التي تقابله طوال الطريق، يرحب أصحابها به: تفضل يا اسطي أحمد.
سأله البعض من أين جاءه اسم الجنايني،  يقول إن جده الكبير كان بستانيا في قصر رأس التين.
يتمتم بكلمات طوال الطريق، يعرف الناس هناك إنه “يشعر”، كثيرا ما أمسك الميكرفون في الحفلات التي تقام في المنطقة ويقول أشعارا جميلة، يضحك الجميع لها من خفة دمها وظرفها.
يواصل جر رجليه في طريقه للدكان المواجه لبقالة سيد حلال عليه - أشهر راقص في الإسكندرية - ينظر إلي الدكان فيجد ابنه الشاب يقف أمام كمية كبيرة من الجبن الأبيض، وشرائح الجبن التركي والحلاوة، وباقي البقالة. يعرف أحمد الجنايني إن السيد حلال عليه لا يأتي في وقت مبكر كهذا.
أهلا يا عمي.
يقف الجنايني أمام دكانه للحظات، يخرج مفاتيحه الكثيرة، ينحني قليلا ليفتح الأقفال الثقيلة والكثيرة، يشد الباب الخشبي القديم بصعوبة، يعرف أن الزبائن لا يأتون – عادة – في وقت مبكر كهذا. لكنه اعتاد علي الاستيقاظ المبكر، كما إنه يمل البقاء في حجرته الوحيدة فوق سطح البيت.
ينظر إلي المرآة الكبيرة، يتابع وجهه الممتلئ، السنوات تمر وهو في دكان الحلاقة هذا. لا شيء جديد فيه، نفس المقعد الخشبي الذي »‬يزيق» لو جلس فوقه زبون ممتلئ مثله. الحلاقون – زملاؤه -  اشتروا المقاعد الجلدية الثمينة، قال أحدهم له، ثمنه يعادل مهر عروسة.
يمسك جريدة من الجرائد الكثيرة والمجلات الموضوعة فوق المائدة القصيرة، يقرأ قصيدته الزجلية الأخيرة المنشورة في جريدة “السفير”، نشرها له صديقه الزجال محمد البشبيشي،  الذي يعطيه رئيس التحرير صفحة كاملة كل ثلاثاء.
يبتسم الجنايني،  فأشعارة خفيفة الروح، يضحك لها كل سامعيها أو قراءها.
نشر كثيرا في جرائد المطرقة والسيف والمسامير واللطائف المصورة وألف صنف.
قرأ قصائد أخري لزملائه: كامل حسني والكمشوشي ورشدي عبد الرحمن وعبد الهادي فكري. وأخرج كراسة صغيرة وقلمه الكوبيا وشرع في الكتابة، وإذ برجل طويل ونحيف يدخل دكانه، نظر إلي رأسه – كعادة الحلاقين – كانت صلعته قد زحفت علي مساحة كبيرة من الرأس، والشيب غطي الباقي.
ابتسم الرجل ولم ينطق، فأشار إلي المقعد: تفضل.
صاح الرجل:
أحمد الجنايني،  أنسيتني؟!
معذرة، غير متذكر.
اقترب الرجل منه أكثر لكي يراه بوضوح، ثم شده إلي صدره وقبله:
أنا عزت مرسي درويش.
أفاق أحمد الجنايني،  عزت درويش، ياه، سنوات طويلة جدا مرت؟
أشرق وجهه وشده إليه في قوة.
سنوات طويلة لم نتقابل، أين كنت يا رجل؟
في السودان، عشرة أعوام، وثلاثة شهور وخمسة أيام.
تابعه الجنايني في اهتمام كانت ملابسه أنيقة:
اجلس ارتاح يا عزت، وحشتني.
جلس أمامه، قال الجنايني:
منذ أن صدرت الأحكام في قضية مقتل السردار الإنجليزي،  لم نرك، إشاعات كثيرة انتشرت وانطلقت.
ضحك بصوت مرتفع:
ماذا قالوا عني؟!
قالوا إنك شهدت عمن قتلوا السردار، وكنت سببا في قتل وسجن بعضهم.
تغير عزت، لم يعد يضحك، أسود وجهه، وعادت إليه جديته التي يعرفها الجنايني عنه:
كاذبون، إنني لم أكذب، بل قلت الحقيقة وما حدث أمامي.
وقالوا إنك قبضت المكافأة التي حددها الإنجليز لمن يرشد عن القتلة.
ارتبك، وضرب علي ساق الجنايني في عنف:
لا تصدقهم، شهادتي كانت لوجه الله.
دعنا من هذا الحادث المشئوم واحك عما فعلته في السودان.
تاجرت في المواشي والأغنام.
طول عمرك شاطر، وستعود للسودان ثانية؟
لا، سأعيش في بلدي مصر، وقد جئت إليك لأمر مهم.
ماذا، تريدني أن أحلق لك؟
ضحك عزت بصوت مرتفع:
ظريف يا جنايني،  طول عمرك ظريف، وهذا سبب حضوري إليك.
ماذا تريد؟
سأصدر مجلة فكاهية، فيها نكت وقفشات وزجل وكاريكاتير، وأنت أفضل من يكتب في هذا.
لم يجب الجنايني بشيء، فأخرج عزت جنيهات قليلة ومدها إليه:
 اعتبره العربون.
دفع الجنايني يده:
إنني أخدمك دون مقابل.
وضعهم عزت في جيب قميصه كما كان يدفع له أجرة الحلاقة.
قال الجنايني وقد أحس بأن عزت قد دفع دون أن يحصل علي ما يريد:
والمطلوب؟
اجمع لي في الأول حكاياتك الظريفة التي كتبتها عن حواري بحري.
لكن، بعضها منشور بجريدة السفير.
لا تهتم، فالسفير جريدة شديدة المحلية وغير منتشرة، مجلتي سأسميها        »‬ الكوميديا »‬، فيها كل ما يتصل بالضحك.
ومتي ستأتي لأخذها مني؟
اليوم الثلاثاء، كل ثلاثاء سأحضر إليك لأخذ المادة، وسأدفع لك نفس المبلغ.
قام الجنايني ليطلب شايا من القهوة المقابلة لدكانه، لكن عزت وقف وأصر علي  أن يمشي.
شد علي يده قائلا:
اسطي أحمد الجنايني،  ما بيننا سر، أرجو ألا تخبر أحدا بزيارتي لك.
أخرج الجنايني النقود وعدها، وقبلها، أربعة جنيهات كاملة، مبلغ لا يحصل عليه في شهر بأكمله من الحلاقة.
عمر لا يريدني أن أخبر أحدا بزيارته لي،  لو قلت لزملائي الشعراء، سيغضبون مني. كيف يا رجل تتعامل مع خائن مثل هذا، أخذ الآلاف من الإنجليز وسافر للسودان بعيدا عن ملاحقة التعنيف والعتاب له من معارفه، وتاجر في المواشي والأغنام وحتما ثروته زادت ونمت.
أمسك الجرائد والمجلات وأخذ يبحث عن أشعاره الساخرة والمضحكة التي نشرها في السفير وفي غيرها من جرائد الإسكندرية فقيرة التوزيع، جمعها وفتح كراسته القديمة التي تشبه دفتر الشكك لدي البقالين، ونقل ما يصلح منها.
سيأتيه عزت الثلاثاء القادم، والجنايني جمع المادة المطلوبة في جلسة واحدة، ليته يأتي في الغد لينتهي من هذا.
كان أحمد الجنايني مهموما بما حدث، هل موافقته للعمل مع عزت درويش؛ تعتبر خيانة، ولماذا اختاره هو بالذات لهذه المهمة، فعلا الكثير يشهد له بخفة الدم في أشعاره، لكن هناك غيره يكتبون مثله، بل هناك من يفوقه في ذلك. هل قصدني لعلمه إن حالتي المالية سيئة للغاية؟! تجاوز الجنايني الخمسين ولم يتزوج، فمن أين سينفق علي الزوجة، وتأتي بطفل أو اثنين، فمن أين سينفق عليهم.
هل لقاؤه بعزت درويش فاتحة خير له؟!
سيكتب له الكثير من الأزجال الظريفة الخفيفة والأغاني والمنولوجات، وقد تستعين به مجلات أخري تدفع أكثر مما يدفع عزت.
يوم الثلاثاء الثاني،  سار الجنايني حتي دكانه وهو يفكر في مواقف ضاحكة يكتبها، دخل القهوة الواجهة لدكانه، طلب من عامل النصبة أن يعد له كوب شاي مضبوط.
ضحك عامل النصبة قائلا: حتما الوحي جاء، وستكتب الآن.
ابتسم الجنايني وداعب كل من يقابله في القهوة وخارجها، طلب من عامل صغير في القهوة أن يفتح له الدكان، ووقف يتابعه وهو يشد الباب الخشبي الثقيل.
جاء زبون، وهذا نادر حدوثه في ذلك الوقت، لكن من سوء حظ الجنايني حدث، فهو يريد أن يسجل ما خطر بباله طوال سيره من بيته للدكان.
قال الزبون: مالك يا اسطي، كما لوكنت قد تضايقت من وجودي؟
صاح مبتسما: عيب يا رجل، حد يرفض النعمة؟!
قبل أن ينتهي من الحلاقة جاء عزت درويش، دفع الجنايني رأس الزبون في ضيق، متمنيا أن يقوم ويكتفي بما فعله معه، لكن عزت قال:
علي مهلك يا جنايني،  لست مستعجلا.
خرج الزبون وهو مندهش من حالة الجانيني التي يراها فيه لأول مرة. ففي المرات السابقة كان يحكي له عما يحدث في الحي كله، بطريقة ساخرة وجميلة، ثم يداعبه.
قدم الجنايني الأوراق لعزت، فصاح:
الله يفتح عليك يا أسطي، أيام قليلة وستصدر مجلة »الكوميديا»، ستعجبك جدا.
ودس في جيب قميصه الصغير الأربعة جنيهات قائلا:
أنا أدفع مقدما، يعني حضر مثلهم الثلاثاء القادم.
صدرت مجلة “الكوميديا”. فأسرع الجنايني بشرائها، تصفحها بشغف، زملاؤه شعراء الإسكندرية سيصدمون عندما يجدون اسمه مذكورا بخط كبير، ومنتشر في كل صفحات المجلة.
وجد الجنايني كل ما قدمه لعزت منشورا، في كل صفحة من المجلة موضوع أو أكثر له، لكن دون ذكر اسمه، واسم عزت درويش مذكورا في الأول كرئيس تحرير وصاحب المجلة.
صُدم الجنايني،  لقد خدعه عزت. ماذا سيفعل معه. سيخنقه ويسبه عندما يضع قدميه فوق عتبة الدكان. لكن هذا معناه أنه سيفقد أربعة جنيهات تأتيه في كل أسبوع، يعني ستة عشر جنيها في الشهر، والله ولا مدير كبير في الحكومة.
انتشرت مجلة “الكوميديا”، اشتراها الكثير من أدباء مصر، خاصة الزجالين، وفوجئ زجالو الإسكندرية بأزجال أحمد الجنايني – التي يعرفونها جيدا – منشورة دون ذكر اسمه.
قالوا له: سرقك عزت درويش. لا تسكت له، ارفع عليه قضية.
لكن الثراء الذي ظهر فجأة علي أحمد الجنايني وضح كل شيء.
    في الثلاثاء التالي جاء عزت، كان يعلم أن الجنايني سيغضب لعدم وجود اسمه مع أشعاره وكتاباته، لكنه لم يعبأ بهذا كثيرا، فالجنايني محتاج، ولن يفرط في هذا المبلغ الذي يأتيه، وقد أغناه وغيَّره. يعني بسببه يمكن أن يتزوج الآن.
قال الجنايني معاتبا:
لماذا لم تضع اسمي علي الأشعار؟
ارتبك عزت لبعض الوقت، ثم قال أشياء وذرائع عديدة غير مقنعة، أخرج خمسة جنيهات، قدمها للجنايني:
هذه الزيادة، لأنك لم تنشر اسمي في المجلة؟
لا، وإنما لأنني أريد كمية أكبر.
أخذ الخمسة جنيهات هذه المرة بنفسه، تابعها باهتمام، سنوات لم يحصل علي مبلغ مثل هذا مرة واحدة.
>>>
أغلق الجنايني في هذا اليوم دكانه قبل موعده، وسار حزينا حتي البيت. واجهته زوجة مرسي (أخوه) والتي تسكن في الدورالثالث – قبل سطح البيت مباشرة، نظرت إليه في استخفاف، حياها، فردت في تثاقل، مرسي شقيقه لأمه، ورثا عنها هذا البيت مع أخوات أخريات، فاشتري مرسي نصيبهن، ولم يتبق سوي نصيب أحمد الجنايني،  فكان يلح عليه ليبيعه له، فيصبح البيت كله ملكه، ومما قاله له: البيع لن يغير شيئا، ستعيش كما أنت في حجرتك، ولن تدفع إيجارا، وأنت لم تتزوج وليست لك ذرية. ووافق أحمد في وقت كان في أشد الحاجة فيه للمال – من وقتها ومرسي وزوجته يسيئان معاملته، ويطالبانه بترك البيت.
قال لأخيه مرسي: خدعتني،  أخذت نصيبي بمبلغ زهيد والآن تلح لكي أترك البيت، فأين سأذهب؟!
الحل هو أن يدفع إيجار، مثله مثل أي ساكن غريب، ومجلة “ الكوميديا »‬ أغنته، أخرج جنيها وقدمه لزوجة أخيه: هذا من الإيجار.
فدفعتهما عنها في ضيق قائلة:
لا تشركني في مشاكلك مع أخيك.
أغلق باب حجرته، وأمسك القلم الكوبيا، وصور زوجة أخيه، نحافتها وصفار وجهها، ولسانها السليط. واطلق عليها اسم “زعرورة »‬ كتب في كراسته القديمة المتآكلة، سيملأ المجلة بأشعاره وحكاياته المضحكة.
وصل الأمر بأن كل حرف منشور في مجلة الكوميديا هو من تأليفه. وعزت درويش لم يدفع مليما أكثر من الخمسة جنيهات. اغتني عزت بشكل ملحوظ، كل الزجالين في مصر قالوا هذا. خاصة إنه استغل أزمة الحرب العالمية الثانية، وباع الورق الذي تصرفه له وزارة التموين – كصاحب للمجلة – في السوق السوداء. كان هذا يزيد الجنايني أسي وحزنا، ولا يجد له حلا.
>>>
    بينما الجنايني جالس في القهوة المقابلة لدكانه، جاءه البوسطجي حاملا رسالة مسجلة، ذهب البوسطجي للدكان، فدلوه علي جلسته في القهوة.
ظن الجنايني أن عمر درويش أحس بأنه ظلمه، وأحس بحاجته إليه، فأرسل إليه مبلغا عبر البريد.
لكن المفاجأة كانت أبعد من هذا بكثير، فشقيق أحمد الجنايني من أبيه، مات في ليبيا، وترك له مبلغا كبيرا، فقد عمل في كار المعمار، وله مشروعات في دول عربية كثيرة. المبلغ تعدي الثلاثة ملايين جنيه. فاشتري أحمد بيتا في حي رشدي بحديقة كبيرة، واشتري سيارة، وسائق يقودها له، وتزوج فتاة جميلة في بداية العشرين.
إنه أول مرة يتزوج رغم تجاوزه للخمسين بقليل، ولم يسبق له التعامل مع نساء من قبل، فاكتشف إنه ضعيف جنسيا، اشتري للزوجة الشابة الجميلة هدايا كثيرة لكي تتغاضي عن هذا. ودون أن يستشير أحد، ذهب لطبيب أمراض تناسلية، فأعطاه أدوية كثيرة، ونصحه بالابتعاد عن زوجته طوال فترة العلاج. لكن زوجته كأي زوجة في بداية زواجها، تريد المزيد، وهو لم يستطع أن يحكي لها حكايته مع الطبيب. فازدادت الحالة سوءا.
عندما جاءه عمر درويش مطالبا بأزجال وحكايات جديدة للمجلة، قال الجنايني:
كفي، لن أعطيك حرفا بعد ذلك.
استعان درويش بكتاب كثيرين ليكتبوا، وأعطاهم أضعاف ما كان يدفعه للجنايني،  لكن لم يستطيعوا ملأ فراغه. وأحس القراء بأن مستوي المجلة في النازل، حتي انتهت تماما.
مساء كل خميس يتجمع الزجالون أمام دكان أبو رواش في الأزاريطة، يتبادلون الأزجال والأشعار والحكايات والسجائر والمشروبات، ويأتي الجنايني بسيارته الكبيرة، مع سيارات قليلة أخري أقل حجما لزجالين آخرين. يشاركهم الجنايني الضحك والحديث. وفي آخر الجلسة يخرجون جميعا إلي مطعم مشهور لتناول العشاء علي حسابه.
أحس أحمد الجنايني بالتعاسة، فالنقود جاءته في الوقت الضائع، وقد اخطأ عندما تزوج فتاة صغيرة وجميلة هكذا، هذه الأمور زادت من حالته النفسية، فأصيب بالاكتئاب. وذهب لزيارة طبيب نفسية وعصبية يعرفه، فهو شاعر فصحي معروف في الإسكندرية، كتب له أدوية دون طائل، فالحالة تسوء من وقت لآخر، خاصة أن زوجته لا تفهم في هذه الأمور، لدرجة أنها قالت له:
ما دمت هكذا، فلماذا تزوجت؟!
وقتها تمني لو عاد فقيرا، يعيش علي قروش زبائنه في دكان الحلاقة، وجنيهات عزت درويش، وسوء معاملة أخيه مرسي وزوجته، المهم أن يتعامل مع زوجته كأي رجل طبيعي.
    في جلسته أمام دكان أبو رواش، عرض عليه أحد الأصدقاء، السفر في رحلة سياحية لأوربا، أو دول البحر المتوسط، سينسي فيها كل همومه ولن يحتاج لعلاج نفسي،  لكنه قال:
لا أستطيع فراقكم، جلستي هذه معكم هي الراحة الوحيدة لي في الحياة.