رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

سيدة الوشم


مصطفي البلكي
12/1/2018 1:26:42 PM


بالأمس القريب، جئت إليكِ، وأنا لتوي كنت قد عرفت فصلاً سيئًا من تاريخ أسرتي  وكعهدي بك، استقبلتني بنفس ابتسامتك الودودة، أدركتِ ما كنت أعانيه، رويتُ لك قصة تلك المرأة التي قابلتني بعد أن أغلقت المحل، لم أكن مستعدًا يومها لسماع أي شيء، ظننتها زبونة من زبائن المحل، أو غريبة تقطعت بها السبل وتطلب مني المساعدة، لم أتأقلم مع ملامحها، كانت جميلة وبيضاء، تلك البشرة الناصعة البياض لم أحبها طول حياتي  فهي مختلفة لدرجة أقل صدمة صغيرة، ستظهر آثارها عليها، هذا كان ما يشغلني وهي تتحدث معي عن صداقة قديمة جمعتها بوالدتي  وحتي تقنعني ذكرت لي أسماء جارات لنا في البيوت التي تلاصق بيتنا، فعلتْ هذا لأنها أدركتْ من تعابير وجهي بوادر ريبة تلازمني، تكون دائما حاضرة مع أي أمر لا يحمل ما يبرر وجوده. وبعد دقائق من إيقاف المرأة لي  أخبرتني بما عكر مزاجي  كانت هادئة، وثابتة، والآن أقول لك، كانت واثقة من نفسها ومن وصفها لوالدتي  أنتِ نفسكِ لم تتحملي ما أخبرتك به، بمجرد أن قلتُ لك:
ـ أمي قاتلة.
 وجمتِ، واستقرت علي وجهكِ الخمري سحابة دهشة، وبمجرد أن استوعبتِ ما أخبرتكِ به، نظرتِ إليّ نظرات كلها لهفة لأكمل، كانت نظراتك مختلفة، كنتُ أسكن بداخلهما، أما عينا المرأة فكانتا القسوة أكثر حضورًا فيهما، فقد أعادت عليّ نفس الوصف، لأيام طويلة بعد هذا اللقاء وأنا أجاهد كي أنجو بنفسي من براثن الشك.
أصابني الوهن، ولم أذهب للمحل ولو لمرة واحدة، واعتذرتُ لك عن لقاء المقهي، وعقلي لم يعد يدخل في غفوة لأوجدك وأعيش معك طقوسي التي أدمنتها، وأبقيتُ علي تفاصيل لقائي بالمرأة، كنت بإصرار غريب أجدف ضد الحياة، فأشياؤنا الحزينة تحصل بالصدفة البحتة وتسرقها الحياة منا عن عمد!
ولأني لا أتحمل عبء حكاية لا تعيد التوازن لي  تقاسمتُ معك تفاصيل هذا اللقاء، ومن دون أي رغبة في التفكير في عوامل الربح والخسارة، تماما كما فعلت المرأة وقت أن أمسكت بيدي  ومشيت معها إلي أقرب مقهي، جلسنا كحبيبين علي طاولة واحدة، كنت أتحكم في داخلي إلي أقصي درجة، وبينما المرأة تجلس قبالي كانت هناك ابتسامة هادئة تستقر علي وجهها، وإمعانا منها في طحني (فكل إنسان منا، يطحن بقدر) قالت لي إنها زوجة الرجل الذي أحبته والدتي  وعاش معها وهو في بيتها، غلت الدماء في رأسي  وشعرت بقرب انفجاري  أو علي أكثر تقدير، الدخول في إغماءة، كان يمكنني أن أستنكر ما قالته، أو أثور في وجهها، مشكلاً جبهة مقاومة ابن يري فكًا مفترسًا يقترب من أمه، كنت وقتها قد خضعت للفضول، تماما كما كان وما زال يحدث معي حينما يدخل عجوز المحل، لا يعنيني كثيرًا الجهاز الذي حضر من أجل إصلاحه،بل أكون شغوفًا بأن ينقل لي جزءًا من حكاياته التي عاشها.
أتذكر الآن جيدًا كلماتها، بعد أن طلبت لي ولها ما نشربه، قالت لي بهدوء:
ـ والدتك أعادت الخيال لبيتي  كنت أراها في كل شيء، ألا تدرك بأن المرأة تملك قدرة النفاذ في عينيّ رجل تحبه، وأنا وجدت والدتك تقيم في عينيْ زوجي  وفي اليوم الذي قررت فيه قتلها، قتلتني  فقد وجدتها حاضرة في فراشي  كانت آخر نقطة أتوقع أن أجدها فيها.
 كان كلامها مثل أنشوطة علقتها في رقبتي  أخذتني لسقف رأيت فيه رجلاً خلاف والدي يتحرك في بيتنا، عدت قبل أن أتوه مع التفاصيل، وكان يكفي أن أنظر في عينيّ المرأة لأصرخ فيها، وأذكر لها عدد السنوات الكثيرة التي قضتها أمي مع والدي  وكذلك أسرد عليها ما كان بينها وبينه من ود ومحبة، وكأنها لمحت بدء هجومي  فعجلت بصدي:
ـ أصعب لحظة تكون فيها حينما تجد الآخر الذي بجوارك يسافر بعيدًا عنك، وحينما يصاب بغفوة، يردد اسمًا غير اسمك، تلك هي بداية النهاية.
 كان يمكنني عند هذا الحد أن أغادرها، وكنت سأعيش بعدها في حالة من الندم، لأني لم أتحر صدق حكايتها، لذلك رضختُ لها وهي تطلب مني الذهاب معها لبيتها.
ولما تحركتُ معها، لم تكن بداخلي أية فكرة عن الصبر، ولا عن نقل الهامش للمتن، أو إزاحة المتن للهامش، لذلك تركتها وكنت مع والدتي القاتلة كما وصفتها المرأة، رأيتها بصورة مختلفة، رأيتها تتحول من قائمة الهدوء إلي الصخب، صوتها الخفيض ووالدي يتهكم علي طعامها، وجدتي ترمم ما يفسده،أما عن محاولاته الدائمة لمقارنتها بأخريات يظهرن في الحي  فأمي لم تكن في البداية قادرة علي الرد، كانت تنزوي في غرفتها، ومن هناك كان يصلني صوت نحيبها، لكن مع الأيام تعلمت سياسة التجاهل، فقتلت أمي إحساسها.
 وعندما تابعنا السير لم أرغب في ممارسة متعة متابعة المارة والمباني العتيقة لما دخلنا الجزء القديم من المدينة، ففي لحظات الترقب عادة ما يكون للصمت وطأته، ولارستراق النظر لما هو قادم متعته، رغم حال الترقب التي تحيط بي  كنت أعيش الحالين!
ولما اعترضت سيارة طريقنا الذي كان يجب أن نسلكه،  نظرتُ إلي المرأة وقلت لها:
ـ أحن لرؤية وجه والدتي في عينيّ زوجك.
 للحظات ظننت أن المرأة ستتهور وتقتلني  وربما تدمي وجهي بنعلها،وهذا كان أقل ما تخيلته، إلا أن ردها خالف كل هذا، فقد ربتت علي كتفي وقالت لي:
ـ أنت ابن أمك.
ابتسمتْ، وتابعنا السير، لاحظتُ أنها تتعالي علي الأشياء التي نراها، فلا تنظر كثيرًا إلي النساء، ولا إلي واجهات المحلات، ولا إلي مفردات الرفاهية المتمثلة في السيارات الفاخرة أو المطاعم التي تقدم أفخم المأكولات، كانت تصر علي أن تتيح لي جانبًا سهلاً من شخصيتها، ذلك الجانب الذي لم يقتنع به زوجها، مفضلة الاحتفاظ بالجزء الصعب حتي نصل لشقتها.
أتذكر الآن، وأنا أصعد خلفها درج البناية التي تسكن فيها، وقبل أن تدفع الباب تمنيت أن أقول لها :
ـ في رحم أمي كنت حلم أبي.
ولأنها عبرت عتبة شقتها قبلي  ماتت الكلمات، ومثل حصاة في قعر بحر تبعتها، وأنا لا أشعر إلا بدوي ضربات قلبي في أذني!
لما دخلتُ معها الشقة، قتلني الوجه الهادئ والجسد القابض علي قوته، وخشيتُ من نظرات الرجل، وتذكرتُ والدتي  فالرجل كأنه قرأ ما يدور بداخلي  وفي نفس الوقت كشف من أكون، وأنا كنت أكثر صبرًا، طلبت من الغيمة التي صحبتني أن تبتعد، وتتركني لأري إلي أين أنا ذاهب.
 اقترب الرجل مني بجلال حضوره غير عابئ بالمرأة التي أحضرتني وسألني:
ـ كيف هي؟.
لما علم بأنها غير موجودة، بكي، كم هو صعب رؤية دموع الرجل، وكم هي صادقة لو نزلت، فالأمر ما كان له أن يستمر تحت وطأة نظرات زوجة ترغب في تسجيل انتصار ما، وما كان باستطاعتي أن أتجاوز حدود الموقف، لأفكر وأتأمل، فنظرتُ إلي الرجل، وقلت له وأنا أشير إلي زوجته:
 أخبرتني أن أمي كانت تحبك.
 دار حول نفسه، وبعد عدة لفات، قال لي:
ـ هي عميقة كعمق بئر جف الماء فيه، حق لمن ورده لو ردمه بالحجارة فلا لوم عليه.
ثم نظر إليّ وقال:
ـ أنت صورة من والدتك..عرفتها بعد موت زوجها الأول، ذات يوم كنا أنا وهي في الحديقة العامة، وشكوت لها من الملل الذي يضرب حياتي  وجدتها تبتسم ابتسامة غريبة، وقبل أن أستفسر، قالت لي:"جرب فكرة انتظار حافلة النسيان"، كنت لأول مرة أسمع هذا التعبير، وأظن أنك لم تسمعه، وزيادة في الثقة أظن أنها لم تكرره في وجود والدك، بالمناسبة، هل تغير نفسها في الأكل، ها ها ها ها، أنا هكذا، المهم، حافلة النسيان تلك، رسمتها لي  وما زلت أحتفظ بما كتبته، يومها نظرت إليها وأنا مبهور بخطها، أنت تعرفه، أليس كذلك، لا يغادر السطر، ولا يتقن الانحراف، حاولت معها كثيرًا، لكنها عصتني  وأصبحت أطاردها في دهاليز أفكارها، وهي مشغولة بتعليمي كل شيء عن صناعة حافلة النسيان.
 سكت الرجل ثم نظر إلي زوجته، قال لها:
 ألم تطلبيها مني ذات يوم، كنت تودين سرقة الفكرة، وأنا أخفيت الأوراق، وقلت لك، أكلتها الفئران، ألم يحدث؟.
 هزت المرأة رأسها، وقالت:
ـ حينما شاخت مشاعري قررت أن أكف عن البحث، لأنه ما من شيء يستحق حينما يبدأ ماء البئر في الجفاف، ويقتلك الجفاف، ويصبح مزاجك أقل استيعابًا لكل شيء.
 هز رأسه، وقال لها:
 لولا ما فعلته ما وصل اليأس إليك.
ونظر إليّ وتابع:
ـ والآن سأخبرك بحافلة النسيان، ركن صغير داخلك، تعده ليستقبل كل معاركك التي هزمت فيها، وكل هواجسك المخيفة، وأيضا الوحش الذي تريد قتله، وأنا فعلت كل هذا، إلا أنني نسيت في لحظة تهور أن أغلق الباب، فكان تدميري أمر خاص، وتلك هي الحكاية التي أتمني أن أنساها.
 بكلامه، أشعل الحزن علي وجه زوجته، وراحت تستدفئ به، والحقيقة أنها كانت تقصد، وربما كان هو ينتظر، لكن الأهم الذي فرض وجوده كان سؤالي لنفسي:
 ــ لماذا أنا في تلك الشقة؟
 الرجل أدرك ما يدور بداخلي  فدنا مني  وهمس في أذني:
 ــ أنت ماكر يا ضياء.
 هكذا يموت شيء، يا أفروديت ويولد شيء آخر في نفس اللحظة، فالرجل عرف اسمي  وجعلني أدخل حلقة مفرغة، ليس من جراء الإفراط في دهشتي  لكن من جراء اقتصاد المرأة في إظهار استغرابها، ولا أعرف كيف تخيلتها من بلد يعيش تحت طقس بارد، دائم ومستمر، لكن كنت أدرك أنها تعودت علي التفكير قبل أن يظهر رد فعلها.
ولأن الحلقة راحت تضيق حولي  تحركت خطوة في اتجاه الرجل وسألته:
ـ من أخبرك باسمي؟.
ضحك، ولمس كتفي وقال:
ـ أنا من اخترت لك اسمك.
 كلما أفكر في الحكاية، تتوه كل مفرداتها، ولا يبقي إلا دهشتي  وأنا أسمع منه ما قاله، والآن أخبرك لا أشعر باسمي  لأنه في هذا اليوم خلق بداخلي عدوًا يقف بالمرصاد لأمي  فهذا اليوم كان اليوم الذي كنت سأذهب فيه لبيتك تلبية لدعوتك لأعزف لضيوفك في ذكري يوم وفاة عيسي!
حافظت علي ثباتي  وحيوية تفكيري  وتعمدتُ ألا أصل للإحباط، أو التصرف بطريقة تضر بي  وجعل كل رد فعل في حيزه السليم، وكان هذا الأمر صعبًا، فهل بعد أن يكتشف المرء زيف أيام عاشها، يكون قادرًا علي ضبط ما سوف يأتي؟ وهو علي نفس درجة إيمانه بأن الذكريات نعمة، وبأن كل إنسان خالق لفعله، والجملة الأخيرة كانت أكثر حضورًا، وأنا أقول له:
ـ أنا ابنك إذا.
ابتسم وقال:
ـ أنت ابن حلمي.
 ابتسمتُ، ونظرت إلي المرأة، وجدتُ ابتسامتي لم ترق لها، ولكنها مسحت كل الهدوء السادر علي وجهها، وأظهرتْ عداوة كانت غائبة.
تخيلت نفسي عاريًا والناس لا تهتم لأمري  كل هذا لأني شعرتُ بكراهية المرأة التي جاءت بي إلي شقتها، كنت واضحًا وأنا أظهر الكثير من الدهشة والحزن والاضطراب، كل هذا لم يكن شيئًا بجوار تذكري أمي  في نفس الوقت الذي اعتبرتُ فيه تلك الشقة كل العالم، رأيتها، تجلس علي كرسي تحت لوحة لامرأة تنام علي ظهرها، وينام علي بطنها العاري رضيع يمسك نهدها بكلتا يديه بينما قمته تغيب بين شفتيه، تشبعت بما رأيت، وبدأت بنقل عينيّ في أرجاء الردهة الفسيحة، وفي اللحظة التي تركت الصورة وعدت لدائرة وجود الرجل وزوجته، لمحت ابتسامة حانية، خصني بها طيف أمي  ثم غادرتْ مكانها، فشعرت حينئذ بأني تُركتُ وحيدًا مع لعبي  بينما هي تغلق علي نفسها باب غرفتها كما كانت تفعل، وقفت واجمًا، فأحيانا يصاب الإنسان للحظة، باختلال في الرؤية، يختلط داخله كل شيء، ويحدث ما كان يخشاه، وكدت أدخل هذا النفق، حينما قلت:
ـ مسكينة أمي!.
خفتُ، فعاد لي الوعي  وشاهدت أثر كلمتي علي وجهيهما، وخشيت مرة أخري أن أكون قد دست علي طريق يخالف ما خططت له المرأة، وما لم أتوقعه حدث:
ـ مسكينة أمك، أوافقك الرأي.
 قالت المرأة ثم أشارتْ إلي زوجها وأكملتْ:
ـ هو من قتلها.