رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

الجبليون في مدن السهول


علي الشدوي
2/9/2019 12:08:19 PM

1
  أُخترعت كلمة نوستالوجيا (حنين) في يوم 22 حزيران عام 1688. اخترعها طالب طب إلزاسي يُدعي يوهانس هوفر. جمع كلمة nostos (عودة) وكلمة algos (معاناة) ليصف مرضا عاني منه آنذاك الجنود السويسريون بعد أن ابتعدوا عن جبالهم. النوستالوجيا nostalgia هي إذن المعاناة الناتجة عن الرغبة غير المشبعة بالعودة، والحزن الناتج عن استحالة العودة.
علي غرار هؤلاء الجنود السويسريين يمرض الجبليون بعد أن يبتعدوا عن جبالهم. هناك من لا يصدق أن من يبتعد عن جبل ما يعاني من هذا المرض، لكن الحياة مملوءة بأمور لا تُفسر، ولم أكن لأورد هذه الحقيقة العلمية لو لم يعان منه الآن أهالي جبال السراة.
أريد أن أتأمل هؤلاء الجبليين. ما مدي ما أعرفه؟ أعرف القليل. لا يتجاوز سهرة واحدة في مقهي في إحدي مدن السهول. قبل أن يأتي هؤلاء إلي هذه المدينة، وعبر أجيال عديدة وُلِد وعاش ومات في جبال السراة العديدُ من الشعراء، والمتديّنين، والظرفاء، والنبلاء، والجبابرة، والحكماء. ولكونهم في جبال السراة التي تذكرها كتب الأدب الجغرافي، وتنساها اكتب التاريخ، فإنهم تحركوا علي حافة التاريخ، تحركوا في اتجاه أي شيء من أجل أن يعيشوا. لم يسجل أحد سيرَهم التاريخية، لأن التاريخ هو لا تاريخ الإنسان، وغالبا ما ينسي التاريخ صراع الإنسان من أجل أن يعيش.
لم تكن القسوة التي عاشوها، والتعب الذي عانوه، كافيين لإقناع الحكومة بجدوي حصولهم علي الخدمات، فاقترحت ترحليهم من الجبال. رفضوا فتُركوا، غير أنهم عانوا أكثر فهجروا الجبال إلي قري السهول ومدنها. كل ما يفعلونه الآن هو أن يتذكروا، والعالم الذي يتذكرونه هو الجبال؛ غير أن ما يزعجهم هو أن ما تبقي في ذاكرتهم لم يختاروا بقاءه. هؤلاء الجبليون كانوا دائما هكذا؛ صموتين، لكن تملؤهم المفاجآت. جبارون وعنيفون، وسيؤو المزاج. أعينهم رهيبة، وسحناتهم مدبوغة، ويمكن أن تشعل من راحات أيديهم الخشنة عود ثقاب.
 -عافيتنا في صدورنا. قال لي أحدهم. أما أنتم هذا الجيل فكالنساء عافيتكم في بطونكم.
أعظم من قوة هؤلاء الظاهرة هي القوة الكامنة في أرواحهم التي لا تظهر ما لم تُستثر. القوة التي تبدو غير منفصلة عن تكوينهم الجسدي. قوة البشر البدائيين. الكائنات الأولي التي استوطنت الجبال. السباع التي نسمع عنها في الحكايات، سكان ما قبل التاريخ. القوة الحية والجبارة التي تنتفض حينما تشعر بالخطر. الأسود المجروحة، والعضلات المفتولة التي تتمتع بها الغوريلا.
يشكل هذا الذي وصفته أجسادهم المنحوتة، الأقرب إلي أن تكون متناسقة. وفيما لو قارنتها بأجسادنا نحن جيل الأبناء لبدت عيوب أجسادنا. هؤلاء هم نموذج الرجال الذكور، تتجمع عضلاتهم أسفل بطونهم، وترتفع عضلات خصورهم إلي بطونهم، وتتصل بعضلات أكتافهم.
لا يجلسون إنما يتحفزون، تختبئ طبائع حياة الجبال وراء جلسة كل واحد منهم. يشبهون النمور المتحفزة، يقعدون علي الكراسي، وربما يسندون ظهورهم، لكن أرجلهم مدلاة. لا ليست مدلاة إنما تحفّ الأرض، الأرجل الخفيفة خفة النمر المتربص. يجتمع هؤلاء في مقهي يبدو نظيفا، لا لأنه نظيف، إنما لأنهم غرباء، والغرباء لا يرون ما هو مخفي خلف الأشياء الظاهرة. هناك تجدهم في انتظارك.  فيما قبل كانوا يأتون إلي السهول ليبيعوا خيرات الجبال الموسمية ثم يصعدون، أما الآن فهم مجبرون علي أن يستقروا هنا؛ بين أناس لا يجمعهم بهم جامع، وأن يتعايشوا مع الذين يختلفون عنهم. يجلسون كأبطال الملاحم القديمة؛ حيث الوعي المشوش، والفشل الواضح. لن تجد أناسا مهمتهم في الحياة أن يفشلوا في العودة أكثر من هؤلاء الجبليين.
2
- يا قهوجي. نادي الجالس منهم إلي يميني.
لم يستجب القهوجي، لكن بعد لأي أتي.
- تعرف. قال الرجل له. أنت تشبه امرأتي. أدعوها فلا تأتي إلا بعد أن أكره النوم معها.
-وأنت الصادق. علق الرجل الجالس أمامي. يشبه مرسول الحَبّ.
ثم بدأ يحكي عن الجبليين الذين أرسلوا رسولا لكي يجلب لهم من قرية مجاورة حبا، لكن موسم البذر فات قبل أن يعود المرسول. عاد وفيما هو يتجاوز عتبة البيت سقط وانتثر الحب.
 -لعن الله العجلة. قال المرسول وهو متربع علي الأرض.
يقهقهون كما لو أنهم قطيع من الذئاب، لا حزن ولا شعور بالأذي. رواقيون يتعاملون مع أنفسهم وهم يتألمون. الألم الكبير بلا ألم، والألم الصغير يستفزهم إلي حد أنهم يصرخون. تحدث عجوز ضخم، عضلاته مفتولة عن الجبلي الذي قطع أصبعه؛ لأن أفعي أطبقت عليه. بتره فسقط أصبعه والأفعي. لم يظهر علي وجهه أي ألم، وقد ظل عاديا كما لو أنه أزال حشرة عن كفه.
يتحدثون فيشعرونك بأن مكانهم الطبيعي هو جبال السراة. هناك بين أحضان الطبيعة؛ حيث طراوة الأشياء وبدائيتها، والعشب الذي يشكل الفرشة الطبيعية للأجساد. هناك حيث لا حزن يخدش الروح البهيّة. جبال السراة. جبال الروح. المكان الذي يشغله الأحرار.
يشبهون النموذج الكامل لإنسان يمثل غلطة تاريخية أو جغرافية. نحن الجيل الأصغر منهم لسنا أمامهم سوي أطفال. إذا ما تحدثوا معنا أو داعبونا؛ فهم يفعلون ذلك كما لو كنا كائنات صغيرة. جِرَاء أو حملان أو حسْلان أو عصافير لم ينبت ريشها بعد.
وأنا أستمع ظننت أنني لا أعرف جبال السراة. أنا الذي قضيت طفولتي هناك. بدت لي جبال السراة محصورة في فضائها الجغرافي المحدد والمحاط بالسهول والأودية من كل الجهات. التخوم الشاسعة والمملوءة بالعجائب والغرائب كما هي الجهة الغربية منها، التي تغذّي خيالا جماعيا بمتوحشين في ذلك الفضاء الواسع؛ حيث تسكن الأغوال، وأم الصبيان، والسُّعلية.
هناك الجهة الشمالية الشرقية من الجبال؛ حيث الأحراش والغابات والفضاء الذي تُرصد فيه الفرائس، والكائنات، وقطاع الطرق. يتخلل هذا الفضاء الفحّامون، والزاهدون، وأصحاب المقاطر الذين يحضرون القطران والقار. وفي الجزء الجنوبي من الجبال هناك حياة الرعيان الذين يرعون الماعز والضأن، ينتشر بينهم الغرباء والهاربون الذين وضعوا آمالهم في خيرات الجبال.
هؤلاء الجبليون من طينة أولئك الرجال القساة في الحكايات الجبلية. ما تبقي من أولئك. هؤلاء تراثهم. هؤلاء بؤس الحياة، والعيش علي لحم الوَبر، وحياة الشظف. أصدقاء العمر الذين ذهبوا واحدا تلو آخر ولم يعودوا. معاملة الآباء حيث الركل والضرب، وخبرات الخوف والكره والألم الوحيدة. الفرصة التي لا تُصنع إنما تُهتبل، والشوك الذي نما لكي يغطي الفُرص فلم تسنح. السعادة الكاملة لأنهم تركوا الحياة وشأنها، في أن يعيشوها لا أن يفكروا فيها. غلطتنا نحن الجيل الأصغر منهم أننا نقرأ ونكتب، وأن القراءة والكتابة علمتنا أن نتأمل الحياة لا أن نعيشها.
 3
أحد الجبليين الجالسين، نظرته غير مبالية. لم يكن يتحدث إنما ينظر من قبيل ما نفعله نحن حينما لا يلفت انتباهنا شيء، إنما ننظر لمجرد أننا أحياء. فجأة لمعت عيناه، وبدأ يغني كما لو أن أجداده الجبليين هرعوا إلي أعماقه، وحركوا فيها ذكريات خامدة.
هِنِيّ عينك يا شهر لا عدت بادي
يا مخيل كل وادي.
تغني بهذا البيت من طرق الجبل، بينما نظر الجالسون إلي القمر كما تمنوا أن يكون، وليس كما يجري في الواقع، فقد حرمتهم الكهرباء لذة النظر إلي النجوم والقمر.  
والشمس هِنّ الله لها إن كانت تري الهيل
من صلاة الصبح لليل.
سكت كما لو أنه غرق في قلب البعد والقدرة الجبارة لمن أبعدته.
والريح هن الله لها تضوي بيوته
تسمع هروجه وبيته.
بدأنا نشعر بأن غناءه غطسات الروح السريعة في التيار الكوني للحياة.
يا حسفي من ذا يعلمني بعلما
من علومك يا أبيض اللون.
كنا جميعنا ننظر إليه. وهاهو يختم
وأنا محلي في اليمن والقلب شاما
انتهي من الغناء لنصبح مهتمين بما يجري في دواخلنا.
- ألا يروق لكم هذا؟ سألنا.
فاض وجهه بالغبطة، وأومضت عيناه. قلت في نفسي لو لم تكن مصابيح الكهرباء مضاءة لكانت عيناه تومضان كنجمتين. ليس نجمتا السماء، إنما نجمة الزمن الذي انبعث صداه في نفسه. قوي الوجود، والبصيرة الواضحة والنافذة. الحبور لأنه يغني. كل هذا بسبب قصيدة عرفت فيما بعد أنها لشاعر الجبال ابن ثامره. هذه القصيدة التي تشبه الرشوة لكي يكون الإنسان حيا.
4
يستلقي علي الكرسي المجاور لكرسي العجوز الذي كان يغني، عجوز آخر علي ظهره. لا يري أي مساحة من صدره لأنه مغطي بغابة من الشعر الأبيض. يلقب بالنسر لأن له أسلوبا غريبا في التحرك، فهو لا يمشي ولا يجري ولا يجر قدميه، بل يقفز ويؤرجح قدميه كما لو كان سيطير.
 ها هو النسر يغني
 استغفر الله يوم لقّتْني قفاها
يا شفا روحي شفاها
هِنيّ عقد البيت وهْنِيّ الجدارة
وهني أهله وداره
وهني حتي الدلة وهني الفناجيل
يوم التمت بها الهيل
وهني ثوب يلبسه وهني زاده
يوم يندر في فواده
يا ليت بطني قبر واضلاعي صلي له.
 أسرتنا القصيدة، وأسرنا رخامة الصوت، ورنة الحزن العميق الذي شابه، والروح التي أضفاها علي الكلمات. المعني المخبوء، ورصانة النطق بالكلمات إلي حد أنها بدت حبات من اللؤلؤ المنتظم. إنني أسمع الآن ذالك العجوز يغني، وسأظل أسمعه ما دمت حيا.
ها هم الآن يطوفون في أعماقهم؛ لتتحول الجلسة إلي غناء، ما إن يسكت أحدهم حتي يبدأ آخر.
يا بو نهود كنّها من خُتّم الماس
من فؤادي خذتم الماس
 وآحب هرْج حُبيّبي كنّه ونس هيل
بو ثمان سد رقمات
يشبه كما نفح البريد اعبا ثمانه.
لا تستطيع اللغة المكتوبة أن تبعث الحياة في هذه القصائد وهي مغناة. بسبب لا كمال اللغة هناك إخفاق في عرض القصائد، وفي عرض هؤلاء الذين يغنون. هؤلاء الذين اختلطوا بالأزمنة والأمكنة. ما هم كائنون، وما هم صائرون إليه.
5
كيف يمكن اللغة المكتوبة أن تصور ضحكة العجوز الذي كان صامتا.
- خير؟ سألوه.
تملكتني الرغبة في أن أسأله أنا أيضا، لكنني وقت ذاك ما كنت لأتدخل خوفا من أن ينقطع الحديث؛ لذلك تركتهم يتدبرون أمره، فهم الأعرف ببعضهم بعضا.
لحظات مكث فيها العجوز صامتا كما لو أنه يعيد ترتيب شيء ما في رأسه؛ ليحدد أي من تلك الأشياء يبدأ. ها هو ينشد
اللاش ما نعتز به
ولا نطاوع شوره
يقعد مع المطاوعة
 يحش تحت التورة
توقف كما لو أنه يتذوق طعم الكلمات التي قالها بينما ضج الجميع بالضحك. حاولت أن أفسر قهقهات هؤلاء الجبليين. أتكون تلك الأصوات الحيوانية التي ترسبت في البشر؟ آنذاك حينما كان أجدادهم في محيط كله من الأعداء؟ الدفاع والسيطرة هما ما شكل هؤلاء حتي وهم يقهقهون. لكن أليس أجدادهم أجدادننا؟ بلي، لكن المحيط الآن مرهف.
6
عجوز آخر خامد.  ها هو الآن يرفع يديه
دائما بندق الزير
رغم خشم المطاوعة
قبلهم قد عرفنا الدين
 ثم أرخي يديه بأظافرها المكسّرة، وتضاريس راحتيها المملوءة بآثار الجروح الملتئمة.
 لا بد من أنكم تعرفون إنسانا، أو علي الأقل سمعتم عن إنسان متقدم في السن، لكنه يبدو أصغر مما هو عليه، وقد كان هذا العجوز من أؤلئك الذين افترض أنكم رأيتموهم. عيناه تشعان مثل عيني حيوان بري في حرش من أحراش جبال شدا السراة. اندهشت من المشاعر التي منحتني إياها تلك العينان؛ تنبعث طاقة العجوز منهما، وقد اعتقدت أن لتلك العينين معني لكنني أجهله.
لم أفهم مدي قدرته علي أن يخلق حميمية بتلك السرعة. لقد أكمل الدائرة، وعاد كل منهم إلي الحديث. ضحايا التهجير يتشاركون في الأسرار، التهجير الذي لم نكن نحن الأبناء نشعر به؛ فهناك هوة تفصل بيننا، شيء ما حدث أبعد جيلهم عن جيلنا.

7

هناك في وسط المقهي، يعرض التلفاز عرضة الجبال. أحد ما رفع الصوت فارتفع صوت العرّاضة ودوي الزير فاستحضر هؤلاء روح جدهم الأول، وأرواح الجبال المغلقة علي أسرارها. الصوت حامٍ كأنه غمس في عين الشمس، صافٍ كأنه جفف علي قمم جبال السراة، حنون كأنه تشبع بحنان جبل نيسان ألف عام، هكذا أعطاهم الصوت الذكري التي يبحثون عنها.
خُيّل لي أن أعينهم عبرت سنين طويلة، عادت إلي الوراء ليفتحوها علي روح خفية تحفر في أعماقهم؛ حيث يختفي كهف عميق يتفجر في نقطة بين وجود ووجود، هناك في أعماق الزمن حينما ضرب جدهم ساكن الجبال الأول أول ضربة مسحاة في جبال السراة .
كمن في جوهر هذا الإحساس مشاعر متوارثة من جَدٍ فني منذ زمن طويل لكنه حاضر بحكاياته. توغلوا أعمق وأعمق في غابة لا وعيهم مشحونين بالعواطف التي اعترت سلفهم الأول وهو يقتحم جبال السراة ويسكن كهوفها. الجبال التي لم يُعرَف اسمها، فقط ارتفاعات عظيمة ومجهولة لم يرتقها أحد، جبال الخلود التي ظهرت من تلقاء نفسها منذ بدء الخليقة.
استرجعوا إحساس سلفهم الأول؛ إحساسه بالفرق بين أن يكون في سهل أو يكون في جبل، حينما كان في السهل لم يكن يفكر في السهل. يدوسه، أما وهو في الجبل فلم يكف عن التفكير، لا يدوسه بل يقفز بخفة ورشاقة؛ فثمة شيء ما خفي في الجبال يجبرهم علي التفكير فيه.
ها هما عجوزان، يرفع كل واحد منهما يديه فوق رأسه ويهزهما. يخطو كل واحد منهما خطوتين ثم يقفز عاليا وعندما تقع قدماه علي الأرض ينحني ويراوغ الفراغ.  يرفعان جنبيتهما ويشيران بها إلي سلفهما الذي اختفي، ولا يعلمان أين ذهب، لكنهما متأكدان أنه يراقبهما.
أتتخيلون شحنة الحنين؟ كيف لا يحنون إلي الزير، ولا يرقصون كممسوسين. رُقْية الحنين، والبحث عما يتيح لهم أن يعبروا عن حنينهم إلي جبال السراة.
8

يتقدم الليل، وحياة هؤلاء الجبليين واقعية وغير واقعية في آن. تشبه جلستهم جزيرة طافية فوق محيط من الحديث، يعلو الحديث ويشتد، ثم يتغير اتجاهه في كل مرة. يروون الحكايات، وييقظون ذكري الأصدقاء الأحياء، والأصدقاء الذين ماتوا، ودفنوا بعيدا عن الجبال.
 ما من شيء يربط بينهم سوي أحداث عاشوها واجتازوها معا؛ لذلك فهم يشعرون بالحب للذكريات، ولفعل الزمن السعيد حينما كانوا يعيشون في الجبال. ذلك الزمن السعيد هو الرُّبع مما يحنون إليه، لأنهم لم يعودوا يتمتعون بالقوة اللازمة ليحنوا لكل شيء.
يجلس هنا جيلان: الجيل الأكبر الذي يتذكر أنه سكن الجبال، وتشارك العيش فيه. ذاكرة هي في آن واحد حميمية ومتشاركة. يرتبط في ذكرياته الفضاء الجسدي مباشرة بفضاء الجبال الذي كان مأهولا، مسالكها التي يجتازونها بسهولة أو صعوبة. الصعوبة الممتعة. الجملة التي يقولها الكبار ليصفوا علاقتهم أمام إدراك الجيل الأصغر منهم. هذا الجيل الذي تحملهم أخيلتهم وترميهم إلي أبعد مما هم فيه. شعورهم بعدم وجودهم في المكان المناسب. حالة الخراب، والقلق المرتبط بأن يصبحوا متجولين ومتسكعين وتائهين بعد أن وُضعوا علي الطريق.