رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

ثلاث دقائق في مدينة بلا أبواب


أسامة علي أحمد
4/6/2019 3:10:50 PM

تبدو محطة فرانكفورد في هذه اللحظة المتأخرة من الليل كقطة عجوز استيقظت لتوها لتبدل مكانها إثر إزعاج مفاجئ، خطر لي هذا الخاطر وأنا أراقب قطة تحركت من ركن مظلم احتله ثلاثة من الشباب محدثين ضجة تغالط حالة النعاس التي سرت في أوصال المحطة، قد يبدو هذا التشبيه غريباً جداً، قلت لنفسي وعيناي تتابعان في تكاسل تحرك القطة العجوز وهي تتجاوز الصالة باحثة عن مكان آخر.
الخطي المتثاقلة، التوقف المفاجئ إثر نوبة تمطٍ مفاجئة، والأعين شبه المنطفئة، انتزعتني من أجواء المحطة فأصبحت والقطة وحيدين، كأننا استللنا من العالم المجاور.
حالة النعاس التي سرت في المحطة، ومواء أبواق الحافلات وهي تعلن عن حضورها ومغادرتها، تحرُّك الركاب ببطء نحو الحافلات، تكاد تماثل حالة القطة التي اختفت بشكل مفاجئ، لتفسح المكان للوجوه التي كانت قد اختفت لتعود وتملأ الحيز حولي.
تكدس الجميع في الصالة التي بدأت تضيق شيئاً فشيئاً هرباً من الأمطار التي هطلت بكثافة كعادتها في هذه المدينة، تعلقت الأعين بالزجاج الداكن وهي تراقب الحافلات التي تخرج من الجراج المواجه كالديدان، الأرقام غير واضحة ما يجعل كثيرين يخطئون في قراءتها ليخرجوا قبل أن يعودوا محملين بالخيبة وبقطرات الأمطار، ما يجعل الأرضية تزداد لزوجة، والأحذية تصدر أصواتاً مزعجة بفعل تحركها علي الطين العالق.
مضي وقت طويل أكثر من المعتاد لقدوم الحافلة 14 التي أستقلها إلي سكني في شمال المدينة، في العادة هي لا تتأخر لكن ربما مرت في اللحظة التي سبحت فيها مع القطة في بحور البعاد القريبة، كان هذا الوقت كافياً لأتفرس في الوجوه من حولي وأتسكع في أفيائها بلا هدف محدد.
تستطيع أن تتعرف علي المدينة من وجوه أهلها، قال لي صديقي ذات مرة ونحن نتمشي في شوارع مدينتا الصغيرة، بقرب النيل، تذكرت الآن أن أهلنا هناك متشابهون جداً هذا ما لم أفكر فيه إلا الآن.
نحن متشابهون جداً، قال صديقي الذي وجدته يقف إلي جواري مبتسماً كعادته عندما يحقق انتصاراً في مجادلاته وفرضياته التي لاتنتهي، لم أفكر في كيفية وجوده قبالتي الآن وقد تركته علي بعد عشرة آلاف ميل، ومثلما لم أسأله فإنه لم يكلف نفسه عناء أن يفسر لي وجوده أمامي في فرانكفورد، ومضي مكملاً : نعتقد _ هناك_ ان تشابهنا ميزة، لكن هذا التشابه دلالة علي رفضنا الآخر، مدننا وقرانا لا ترحب بالغرباء، ولا تفتح ذراعيها لغير أبنائها، بل وتنفي الزوار بصرار.
تلفت حولي، هذه المدينة لا توصد باباً في وجه أحد، بل إنها بلاأبواب في الغالب الأعم، كل قارات الدنيا تمثلت أمامي في محطة فرانكفورد في هذه اللحظة، مع وجوه لاتنتمي لمكان في العالم إنها نتاج امتزاج هذه الأوجه المتوافدة من كل أرجاء العالم.
أفرغ السحاب ما في  جوفه  في  وجه المدينة، بدا أنه متعجل جداً، فخرجنا من المحطة، بحيرات صغيرة من الماء بحجم ما تطأه أقدام المرء انعكست عليها أضواء المحطة، أصوات أبواق الحافلات بدا واضحاً مبتهجاً ومتفاعلاً مع الهواء المغسول الذي صافح الأوجه قبل أن تعفره الأفواه بسجائر من النوع الردئ كريه الرائحة يتناسب مع دخول أبناء قاع المدينة الذين يعملون إلي ما بعد منتصف الليل ويستقلون الحافلات العامة.
أحسست بحركة بين قدمي إنها القطة العجوز، تحركت بهدوء في اتجاه كراج الحافلات المواجه والذي تمكث فيه وقتاً قبل أن تعاود نشاطها منطلقة إلي الأحياء المختلفة، ما حدث بعد ذلك كان مخالفاً لكل توقع فقد رأيت القطة وقد خرجت في اتجاهنا وهي بحجم حافلات فرانكفورد الضخمة، انتابتني حالة من الذعر، هممت بالهرب لكني لم أستطع، وامتزجت حالة استغراب هائلة بالذعر الذي يجتاحني لأن أحداً لم يعر القطة الضخمة التي تسير ببطء في اتجاهنا اهتماماً بل تدافعوا نحوها بهدوئهم المعتاد عندما اتخذت مكانها أمام الرصيف المخصص للحافلة 14 وتسللوا إلي جوفها واحداً واحداً.
الدقائق الثلاث التي يستغرقها عادة توقف الحافلة كانت كافية لإفراغ الرصيف من المنتظرين، وجزء منها كان كافياً للقطة لترمقني بنظرة واثقة، كدت أسقط عندما تبينت الجرح الغائر بين عينيها والمخيط بدقة.
تمتمت ببعض الآيات ثم تفلت إلي يساري ثلاثا عملاً بوصية ذلك الشيخ الذي أخذتني إليه أمي طفلاً بعد أن تنغصت مناماتي بحلم متكرر لقطة جارنا زكريا وهي تلتقيني في أحد الأزقة ثم تفتح فمها واسعاً لتبتلعني، فأصحو مذعوراً ومختنقاً بسوائل عدة في جوفها الساخن.
كان زكريا قد قدم إلي القرية في صباح خريفي ذي مزاج عكر، فرحبت به القرية علي غير عادتها مع الغرباء وأسكنته أحد المنازل الخالية إلي جوارنا، الرجل الصامت ذو الهيئة الرثة لم يكن يحادث أحداً وعاش تقريباً دون أصدقاء، لكن سرعان ماتبدلت أحواله وأصبح يرتدي جلباباً غالياً دون أن نعرف من أين أتي به وكيف يكسب قوته فهو ببساطة لم يكن يعمل، ولم يكن حتي يشتري مستلزمات عيشه من القرية، فكيف يأكل.
كثير من الحكايا بدأت تنسج حوله كعادة أهل القري الذين يقطعون نهاراتهم الطويلة ممتطين ظهر حكايات غريبة ينسجونها ويضيفون إليها ويلونونها يوماً بعد آخر.
أحد التفسيرات التي لم تقنعني وقتها هي قناعة إحدي خالاتي بأن القطة التي ترافق الرجل والتي تُري وهي تدخل بيته وتخرج هي زوجته، وهي التي تجلب له الأكل، وذهبت خالتي أبعد من ذلك وهي تقول أن القطة التي أسمتها ميمونة جنية، لكنها جنية طيبة فهي لا تسرق من أحد شيئاً لكنها تأخذ الفائض عن حاجة الناس بما يكفي فقط لإعاشتها هي وزوجها، وتأكيداً لقناعتها تلك فقد كانت خالتي تتعمد وضع الفائض عن حاجتها من مستلزمات منزلها في أمكنة تظن أن من السهل علي ميمونة أخذها منها، حتي أدوات الزينة وبعض الأدوات البسيطة التي كانت النساء تستخدمها كانت تصر علي أن تترك منها لميمونة نصيباً، وقد سمعتها مراراً عندما تفقد غرضاً من أغراضها تقول أن ميمونة استعارته وستعيده ولاتكلف نفسها عناء البحث عنه، أو وهي تطلق عبارات عتاب موجهة لميمونة الغائبة معتقدة أخذها لما هي بحاجته وليس فائضاً.
بدت علي ميمونة ككل قطط الشوارع آثار حمل، وكنت أسخر من خالتي قائلاً ستلد بشراً أم قططاً فكانت تحذرني من إغضاب القطة التي قد تكون حاضرة بيننا ولا نراها.
عندما وضعت ميمونة قططها الصغيرة داخل منزل زكريا الذي لم يتسن لأحد دخوله منذ أن سكنه الرجل أكد البعض أنهم يسمعون أصوات أطفال تأتي من داخل المنزل، وبعد عدة أشهر قال البعض أنهم يرون آثار أقدامهم، علي الأرض عندما تمر القطة معللين ذلك بأن أبناء الجن يكبرون بسرعة، أما خالتي فقد كانت تعمد إلي وضع إناء إضافي من الحليب إلي جانب إنائها إكراماً لميمونة وأطفالها ولا تأخذ منه شيئاً حتي عندما تسهو عن حليبها فيفيض عن الإناء أثناء وضعه علي النار وحتي عندما يندلق منها علي الأرض بفعل تعثرها في ثوبها أو غيره، كانت لاتغضب وتقول: ميمونة لديها ضيوف واحتاجته.
لاتكتمل قصة ميمونة دون ذكر ذلك اليوم الذي أصبتها فيه بحجر بين عينيها فنزفت واختفت بعد أن حدجتني بنظرة أحسست معها بخوف شديد فما بدا في عينيها من مشاعر لم يكن يتسني لقطة إظهاره، نظرة فيها من الوعيد الكثير، ما زادني رعباً هو عودتها بعد عدة أيام وجرحها مخيط بدقة لا يجيدها إلا أمهر الأطباء الذين لايتوافرون حتي في المدن البعيدة ناهيك عن قريتنا، ولم أحاول إقناع نفسي بأنها عرضت علي طبيب بيطري فذلك ترف لايتواجد في إقليمنا بأسره.
عند الثامنة كانت المحطة قد فرغت تماماً وهدأت حركتها، وأصبحت وحيداً عند الرصيف 14، ففي كل مرة كانت ميمونة تقف ويتدافع نحوها الركاب وبالطبع لم أقو علي دخول جوفها طواعية وأنا الذي ظللت أهرب منه طيلة هذه السنوات.
ما دفعني أخيراً للاتجاه نحو الحافلة بخطي ثابتة هارباً إلي داخلها بقدمي كان أفظع من كل ما سبق، يد صغيرة هزت كتفي فالتفت لأجدها ميمونة بكل تفاصيلها وهي مستقرة باطمئنان بين يدي رجل عجوز التفت إليّ محيياً بابتسامة مريحة كعادة أهل هذه البلاد لكني لم أستطع كتم صرخة عالية انطلقت من كهوف رعب عميقة داخلي فقد كان الرجل زكريا لولا شعره الأشقر وبشرته البيضاء.