رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

في حضرة الشعر العربي »3« الحطيئة.. شاعر عملاق غلبته ظروفه المعاكسة


صلاح عبد الستار محمد الشهاوي
6/1/2019 10:19:14 AM

الحطيئة: جرول بن مالك العبسي، ينتهي نسبه إلي مضر - ينسب تارة إلي أوس وتارة إلي الأفقم- ويلقب بالحطيئة، ويكني بأبي مليكة، ومليكة ابنته. أما تسميته بالحطيئة، فتعود في الغالب إلي قصره، إذ كان قريباً من الأرض، ضئيل الجسد، لا تأخذه العين كما يقول صاحب الأغاني. ولا شك أن كثيراً من الفتيان ينشأون، وهم يعانون من قبح منظرهم كالحطيئة، إلاَّ أن هذا النقص كان يبدو يسيراً بالنسبة إلي الشاعر، فيما يقارن بينه وبين سائر مظاهر المنكر التي لم يكن له قبل بدفعها عنه. ولعلنا إذا واجهنا نمو الشاعر الجسدي والنفسي يتحقق لنا أن كليهما كانا يتناشآن معاً تحت وطأة ذلك الشعور الحاد بالتشويه والعبث. فقد كان أفقم، أي أن فكه الأسفل كان بارزاً، كما أن الدمامة كانت تغلب علي سائر ملامحه. لهذا كان الاختلال يعتريه في جسده ويجعله يتوهم أنه في حالة تخالف أحوال سائر الناس. فهو لا يشبههم، أو بالأحري يراهم ينعمون بما يستحيل عليه أن ينعم به من شعور التكافؤ وصحة البدن والظهور بمظهر الرجولة. وكان هذا الضعف الجسدي يتطعم ويتعقد يما يتحدق الشاعر إلي واقعه النفسي والاجتماعي، ويتحقق له أن نفسيته لا تقل تشويهاً ومنكراً عن وجهه وجسده.
كما أن الحطيئة فتح عينه علي الحياة ليري نفسه مغمور النسب لا يعرف أباه، فهو ينسب تارة إلي أوس وتارة إلي الأفقم فإذا كان من أوس فقد جاء عن طريق ما، لأن والده قد تبرأ منه وألحقه بسواه، وأمه أمة ذليلة، لا تجد من نفسها الجرأة علي الاعتراف بأب صريح للابن مخافة أن يؤذي ذلك شعور ساداتها الذين جروها إلي النكبة ومنعوها أن تعترف بما كان!! ثم هي لا تزال في حياة ابنها التعس ضارعة تائهة تتزوج بعبد متهم أيضا في سمعته، نشأ الحطيئة في هذا المحيط، وآنس من نفسه قدرة علي معارضيه الفحول في مضمار الشعر، ولكن الناس لا يتركون بيته وأهله ونسبه في ميزان تقديره، فهم يغمزونه إذا وفد عليهم بقصيدة، وهم يذكرونه مما يزعجه من حقائق حياته وعوامل تكوينه، لذا جعل يسأل نفسه من أي ناحية ينالني الناس ويرونني دونهم وضعا ومكانة؟ إذا كان يعيرونني بأمي، ويظنون ذلك مدعاة غيظ وباعث كمد والتياع فسأهجو أنا شخصياً أمي وسأسقطها من حسابي، فكل هجاء يوجه إلي من ناحيتها لن يكون بعد ذلك مصدر إيلام.
علي أنه في هجائه لأمه لم يصدر عن نفس تريد لها المهانة بذكر المثالب الفاضحة وتعداد المساوئ الجارحة، ولو أراد ذلك لوجد من تاريخ حياتها ومرارة تجربته معها ما ييسر له طريق الإقذاع، وهجَّاء قدير مثله لا يعوزه أن يسقط علي العنيف المؤلم مما يقال في أمة متهمة ذات وضع منكود، ولكنه من وراء ذلك كله يعرف أنه يركب الصعب مضطراً، وأنه يثور علي أم تجري دماؤها في عروقه، وينازعه قلبه الحنين إليها والعطف علي محنتها التي التبست بمحنته في مجتمع طبقي يعترف بالرؤساء دون الأذناب فكان قصاري أمره أن يقول فيها:
 خزاك الله شراً من عجوز
 ولقاك العقوق من البنين
 فقد ملكت أمر بنيك حتي
 تركتهم أدق من الطحين
 لسانك مبرد لا خير فيه
 ودرك در جاذبة دهين.
هكذا هجا الحطيئة أمه في كل ناحية من نواحيها هجاءً ظاهرياً، حتي جعلها ناقة جاذبة دهنا والناقة الجاذبة: هي الناقة التي جذبت لبنها من ضرعها فذهب صاعدا، والناقة الدهين: هي الناقة البكئة القليلة اللبن، التي يمري ضرعها فلا يدر قطرة واحدة.
وقال أيضاً يهجوها بأنها غربال نمامة، وكانون ثقيلة وخمة وكلها صفات مكتسبة:
 تنحي فاجلسي مني بعيدا
 أراح الله منك العالمينا
 أغربالا إذا استودعت سرا
 وكانونا علي المتحدثينا
 حياتك ما علمت حياة سوء
 وموتك قد يسر الصالحينا.

هذا موقفه من أمه وذلك تعليل أهاجيه فيها.
أما موقفه من هجاء نفسه، بما أنه ليس عجيباً أن يهجو الحطيئة أمه، وهو أهجي شعراء العربية علي الإطلاق ويبلغ من ولوعه بالهجاء، انه التمس ذات يوم إنسانا ليهجوه فلم يجده. واشتد به الضيق فقال:
 
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما
 بشر فما أدري: لمن أنا قائله؟

وجعل يدور هذا البيت في شدقيه، باحثاً هنا وهناك عن فريسة يقئ عليها ولكنه لم يجد إلاَّ نفسه، ولم يشاهد إلا وجهة في بئر أو حوض ماء، فقال يهجو نفسه التي بين جنبيه:
 أري لي وجها شوه الله خلقه
 فقبح من وجه وقبح حامله.

موقفه من الناس

كان الحطيئة يجيد قراءة دواخل نفوس من حوله، وكان لكثرة مآسيه خبيراً بالنفس البشرية يجيد قراءة بواطن الناس، هذه الخبرة الصادقة بنفوس معاشريه أجبرته أن يقف أمامهم موقف المجابه العنيد، فالرجل شائه الخلقة دميم الصورة قصير القامة حتي ليكاد يقرب من الأرض، وهو يلمح إشارات التغامز ولفتات اللمز في وجه من يراه من المتشدقين بجهارة الحسب ووجاهة المظهر، وهؤلاء سادة القوم، وأصحاب العطاء والبذل وقد أطلقوا عليه كلمة الحطيئة فعرف بها حتي كاد يضيع معها اسمه الحقيقي جرول وكنيته أبو  مليكة، ثم إن دراسته لهؤلاء الأجواد المساميح لا تجعله يصفهم بالكرم في سهولته، فهم يزدرون المغمورين من الشعراء وكم طرق أبوابهم خاملو الذكر من مجيدي القول فأطالوا أمداحهم ثم ما رجعوا بغير التافه الضئيل عن تجهم وانقباض، إذ هم في أكثر أمورهم يبتغون مدائح ذوي الجهارة في القريض لتسير قصائدهم في كل فم وماذا عسي يبلغ الحطيئة في بادئ أمره، وهو ذلك الشائه الدميم القصير القميء في أمداحهم فكان لا يبلغ حاجته إلا بذليل الإلحاف، مقيت التضرع، فليشنها حربا طاحنة في غير هوادة علي هؤلاء الأدعياء الذين ينفقون بعض ما يجدون لا عن طبع عريق في حب المآثر والمحامد بل عن هوي مغرض في الدعاية والإعلام ولا شيء أسير من الهجاء في البادية والحاضرة إذا رنت قصائده وطالت قوافيه وعند الشاعر البصير علم بنقائض كل حي ومثالب كل سيد، فلن يعجزه أن يقول قولا يري الناس في بعضه لواقع الصدق فيدرجون أكثره علي بابه ويعدون الهجاء سجلا لنقائض مستورة كانت شارات السيادة والوجاهة تخفيها عن الناس حتي لمحها الحطيئة فعرضها علي الأنظار. ولقد صدقت فراسة الحطيئة فما كاد يبدأ أهاجيه، حتي أنذر السادة بشر مستطير لم يلبث شواظه أن أحرق مآثرهم بلهيبه المتطاير في كل مكان، ورأوا أنفسهم أمام داهية يرمي بالقول فتنداح دائرته حتي تتسع بالجزيرة العربية، ويصبح سمر الناس، وإذ ذاك فقط عرفوا للرجل قدره، فسارعوا إلي استرضائه وأخذت كل قبيلة تجمع له كرائم المال ليتحول بأهاجيه إلي غيرها وتستريح من القيل والقال، بل العجيب أن الحطيئة كان يقصد السيد الكريم بشعره - متنكرا- فيزدريه ويجتويه ثم لا يسعفه ببعض ما يريد، فإذا أعلن له اسمه أدركه الفزع وأقبل عليه يسترضيه ويعتذر بجهل شخصيته.
فما معني هذا لدي الشاعر؟ ألا تري أن سلاحه البتار قد واتاه بما يريد؟.
روي أبو الفرج في الأغاني عنه أنه قصد ذات مرة عتيبة بن النهاش العجلي فسأله، فقال له ما أنا علي عمل فأعطيك من عدده ولا في مالي فضل من قومي، فأجاب الحطيئة لا عليك وانصرف، فقال بعض قومه: لقد عرضتنا ونفسك للشر. فرد عتيبة: وكيف؟ قالوا هذا الحطيئة، وهو لا محالة سيهجونا أخبث هجاء فتعجل الرجل يصيح: ردوه، فلما عاد إليه هش له وسأله: لم كتمتنا نفسك كأنك تطلب العلل علينا؟، اجلس فلك عندنا ما يسرك، ثم قال عتيبة لوكيله اذهب معه إلي السوق فلا يطلب شيئا إلا اشتريته له، فجعل يعرض عليه الخز ورقيق الثياب فلا يردها ويومئ إلي النادر الثمين فيحرزه وحين رجع إلي صاحبه قال له في تذلل: هذا مقام العائذ بك -  يا أبا مليكة - من خيرك وشرك وقد وهبتك ما تريد.
وقد تكرر هذا الموقف من غيره فجزم الحطيئة بصحة رأيه، ومضي يهجو الناس ليعيش، ولا أحب أن أدافع عن سلامة هذا المنحي للشاعر فالهجاء المغرض دون شك أمر مقيت لا ينحدر إليه فنان كريم، ولكننا هنا نبحث وضع الحطيئة في بيئة تحرشت به حين ازدرت هيئته وغمزت نسبه، وحرمته بعض العطاء.
فهو إذن أمام موقفين لا ثالث لهما، فإما أن ينزوي علي أحزانه ويجرع همومه، ويودع دنيا الشعر، ويرضي بالمنزل الحقير مما قنع به أمثاله من أبناء العبيد حيث قضوا أعمارهم خدما يخفضون الرءوس ويحنون الرقاب، وهذا ما تأباه طبيعة رجل شرس فطره الله علي الصيال والمقارعة وتحدي العقاب.
وإما أن يعلنها ثورة علي هؤلاء المترفعين فيخشوا بأسه ويقبلوا عليه مرغمين، وقد اختار لنفسه الموقف الأخير، فحفظ مكانه في الحياة والتاريخ، وهو مكان إن وجد من يزدريه فقد وجد أيضاً من يحلل أسبابه ويفحص دواعيه ثم لا يرجع باللائمة علي الشاعر وحده بل علي مجتمعه الذي جرفه إلي مأزقه الكريه.

الحطيئة الشاعر

من يطالع شعر الحطيئة يلمس تأثره بحاله، حيث إن القارئ والدارس لشعره لا يستطيع الفصل بين نفسية الشاعر ويشعره من جهة أخري. وفي هذا القبيل، فإن شعر الحطيئة يبدو ذا وجهتين متباينتين، نراه حيناً شديد الالتصاق بنفسه، يعبر عن حقيقة واقعها وما يتعقد في أغوارها من تجارب نفسية شديدة البؤس والاختلال، وحيناً آخر نراه يجري فيه وفقاً لسنة الشعر الجاهلي في المدح والاستهلال بالوجد والغزل. لهذا كان الهجاء في شعر الحطيئة - مثله من شعر بشار وابن الرومي والمتنبي فيما بعد- هو التعبير الإيجابي عن نفسيته لأنه خلال هجائه لا ينظم للنظم ولا يفتعل التجارب، بل يغترف من أعماق الظلمة المدلهمة في وجدانه.
لئن كان هجاء الحطيئة عظيم الفائدة في كشف أغوار نفسيته، فإن مدحه أدل علي خصائصه الفنية وعلي القرابة التي كانت تجمع بينه وبين زهير في ذلك الأسلوب الصقيل المهذب الذي يقترب إلي أسلوب أصحاب المدرسة البرناسية المعاصرة في شدة التنخل والتصحيح والتثقيف.
والذي أهم الحطيئة كثيراً، وكدر صفو حياته أنه كان يري نفسه ندا لكعب بن زهير فقد تتلمذا معا علي زهير والد كعب، وأخذ طريقه في التأني والتمهل في حوك القصائد الحولية، وكان زهير محبوباً لدي رؤساء القبائل ينشد في محافلهم، ويتوقع الهبات الجزيلة فتعطي له عن سماح، فتوقع الحطيئة أن تكون له هذه المنزلة من بعد زهير ولكنه ينظر فيري أن كعب بن زهير قد ورث مكانة أبيه المادية، وسار له ذكر في عالم الشعر لم يحظ به، وقد أزعجه هذا الأمر إزعاجا شديداً، وبخاصة حين مدح كعب رسول الله صلي الله عليه وسلم بالقصيدة الشهيرة- بانت سعاد- فتناقلها الناس وخلع عليه رسول الله بردته.
للحطيئة الشاعر المخضرم في تاريخ الأدب العربي صورة هزلية شائعة، لا لشخصه فقط، بل لشعره أيضاً، الذي ارتكس في إطار تلك الصورة فلا يكاد يذكر اسم الحطيئة إلا وتقفز إلي الذهن كل معالم الشخصية الانفعالية الحانقة المتبرمة بالناس والحياة والنفس أيضاً. وهو وإن كانت تلك الصفات أبرز معالم شخصيته التي طغت علي شعره، فصبغته بصبغة النقمة والتسخط علي كل شيء ومن كل شيء! إلاَّ أن تلك الصبغة القاتمة لم تستحوذ علي صورته الشعرية بأكملها، فلقد بقيت في الصورة مساحة تتألق بألوان زاهية تكاد تقلب موازين المعادلة لصالح الجمال والحق والخير.
وبعيداً عن تلك الصورة التقليدية القاتمة التي اقترنت بذكره، فإن إفادة الحطيئة من آل أبي سلمي، (زهير، ثم ابنه كعب بن زهير من بعده، حيث كان الحطيئة راوية شعر زهير) تلك الإفادة هي التي جعلت للحطيئة عناية فائقة بشعره، أحلته مكانة متقدمة بين شعراء الصنعة المجوّدين، المعروفين بعبيد الشعر، تلك المدرسة التي أسسها زهير وكان الحطيئة أحد أبرز شعرائها، لذلك كان ذا دراية فائقة بمقاييس الجودة ومقوماتها، فهو القائل:
 
الشعر صعب وطويل سلمه
 إذا ارتقي فيه الذي لا يعلمه
 زلت به إلي الحضيض قدمه
 يريد أن يعربه فيعجمه

 ولم يزل من حيث يأتي يخرمه

وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المنقح المحكك.
وبهذه المعرفة كان الحطيئة أهلاً لأن يتبوأ موضع المرجعية والتحكيم في قضايا الشعر والشعراء. فقد سأله هو وحسان بن ثابت، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الرأي في قضية هجاء الشاعر النجاشي الحارثي لبني العجلان، عندما استعدوه عليه.
وكثيراً ما يُسأل الحطيئة عن أشعر الناس! فقد سئل عن أستاذه زهير، فقال: »ما رأيت مثله في تكفيه علي أكتاف القوافي وأخذه بأعنتها حيث شاء من اختلاف معانيها، امتداحاً وذماً. قيل: ثم من؟ قال: ما أدري، إلا أن تراني مسلنطحاً، واضعاً إحدي رجليّ علي الأخري، رافعاً عقيرتي، أعوي في إثر القوافي»‬.
أما الشعراء والنقاد، فقد شهدوا للحطيئة بجودة الشعر وأستاذيته فيه، فهذا كعب بن زهير يقول وقد سأله الحطيئة أن يذكره في شعره (اتكأ الحطيئة علي نفسه وهو يعاني مرارة الألم عندما طلب من كعب أن يشيد بشعره ليعلم الناس من أمره ما قد يجهلون):
 
فمن للقوافي شأنها من يحوكها
 إذا ما مضي كعب وفوَّز جرول
 كفيتك لا تلقي من الناس واحداً
 تنخل منها مثل ما نتنخل
 نثقفها حتي تلين متونها
 فيقصر عنها كل من يتمثل!.
فقد قرن كعب جرولا به، وهو الحطيئة، وحسبه هذا.
وقال الفرزدق، مفتخراً بشعره، وعادّاً الحطيئة من أساتذته:
 وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا
 وأبو يزيد وذو القروح وجرول.
أما النقاد فهم مقرون بجودة شعر الحطيئة، وتفوقه علي أقرانه من الشعراء، فهذا الأصمعي يقول: »‬لولا ما وصم به الحطيئة، وعدّد مساوئه الخلقية، لكان بإجادته في كل ضروب الشعر شاعر المخضرمين، ويضيف أيضاً: ما تشاء أن تقول في شعر شاعر من عيب وجدته وقلّما تجد ذلك في شعره»‬.
ويلتقي الحطيئة بعبدالله بن عباس فيسأله: من أشعر الناس؟ فيذكر أبا دؤاد الأإيادي، وزهير بن أبي سلمي، ثم النابغة لكن الضراعة أفسدته كما أفسدتك، ولولا الجشع لكنت أشعر الماضين، فقال الحطيئة: وأما الباقون، فلاشك أني أشعرهم؟، قال ابن عباس: »‬أنت كذلك يا أبا مليكة».
أما شعره الذي هو من أعذب الشعر، فمنه قصيدته الرائعة التي يروي بها قصة كريم، والتي استحق بها أن يكون رائد -القصة الشعرية- غير منازع ولا مسبوق. فقد جاءت القصيدة غاية في إتقان فن القصة علي غير مثال سابق، فقد انتهج فيها النهج الحديث في تقنية القصة، حيث بدأها بالإضاءة المسبقة للحدث، بوصفه المؤثر لبيئة الحدث وشخوص القصة، ثم الحبكة القصصية بتفاعلاتها المتدرجة حتي يصل بها إلي الأزمة أو العقدة القصصية، ثم الحل الذي تنفرج معه الأزمة بصورة مؤثرة وسارة.
وقد جاءت هذه القصة علي لسانه غاية في الجودة والإتقان تصويراً ومبني ومعني لفضيلة الكرم وأنفة العربي من البخل. والذم المقترن به، فالحطيئة يعلم أن أكثر الناس متساخون، وهم معه بالذات أشحاء بخلاء إذ لا يجدون دافعاً للعطاء لشعورهم بتسرعه إلي الهجاء لأول بادرة تحين وكأنه أراد أن يعطيهم المثل في الكرم والحمية الدافعة إلي إنقاذ المحتاج فاخترع قصة شعرية أذاعها في الناس لا لأنه يريد أن يكون قصاصا تظهر براعته في هذا الفن من الكلام بل يريد أن يقول للناس: هذا مثل بارز من أمثلة العطاء أقدمه إليكم كي تحتذوه. والقصة التي اخترعها قصة رجل بائس جائع وأسرة جائعة لم تأكل شيئاً منذ ثلاثة أيام والعجوز ضاوية شاحبة والعيال حفاة عراة ما عرفوا طعم البر منذ خلقهم الله!. هذا الرجل البائس رأي شيخاً يتقدم نحوه في الظلام فعرف أنه ضيف يتلمس قراه ووقع الرجل في حيرة ، عرف  ابنه ذلك في وجهه، فقال له: يا أبتاه اذبحني ولا تعتذر بالفقر!. وهو اقتراح مفجع حقا هم به الأب ولكن القدر قد أنقذه حين رأي قطعة من حمر الوحش تسير إلي نبع تريد الارتواء من مائه فأمهلها حتي ارتوت وصوب سهماً أصاب إحداهن وقد اكتنزت لحماً وطبقت شحماً فلاقت مصرعها ونهض فاحتملها إلي ضيفه وأسرته ففرحوا بغذاء الليلة وباتوا كراماً قد قضوا حق جارهم وقد غنموا بالضيافة وما غرموا حين واتتهم الضحية دون عناء! هذه القصة أراد بها الحطيئة دفع ذوي الكزازة إلي الكرم!. حين يعلمون أن الفقير البائس الجائع قد هم بذبح ولده دون تردد وهو أمر هائل لا يعقله إلا شاعر يطير في أجواء الليل، والحقيقة أن الحطيئة الشاعر الفذ أطلعنا في هذه القصة الشعرية علي مقدرة في الصياغة القصصية بما يوحي أنه ليس شاعرا فذا فقط ولكنه أيضاً قصاص بارع إذ يقول:
 
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل
 ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما
 أخي جفوة فيه من الأنس وحشة
 يري البؤس فيها من شراسته نعمي
 وأفرد في شعب عجوزاً إزاءها
 ثلاثة أشباح تخالهمو بهما
 حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملّة
 ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما.

وبعد هذه الإضاءة لبيئة القصة، وشخوصها. تبدأ حبكة القصة وتأزم الحدث:
 رأي شبحاً وسط الظلام فراعه
 فلما رأي ضيفاً تشمر واهتمّا.

ويأخذ التأزم في التطور. وتشتد عقدة القصة حتي تصل منتهي الشد:
 
فقال هيا رباه! ضيف ولا قري
 بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
 فقال ابنه لما رآه بحيرة
 أيا أبت اذبحني ويسّر له طعما
 ولا تعتذر بالعدم عل الذي طرا
 يظن لنا مالاً فيوسعنا ذما
 فروّي قليلاً ثم أحجم برهة
 وإن هو لم يذبح فتاه فقد همّا.

ثم تأخذ الأزمة  في الانفراج، ويبدأ حل العقدة:
 
فبينا هما عنت علي البعد عانة
 قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
 عطاشاً تريد الماء فانساب نحوها
 علي أنه منها إلي دمها أظما
 فأمهلها حتي تروت عطاشها
 فأرسل فيها من كنانته سهما
 فخرّت نحوص ذات جحش سمينة
 قد اكتنزت لحماً وقد طبقت شحما
وانحلت العقدة. ثم تليها الإضاءة الأخيرة:
 فيا بشره إذ جرّها نحو قومه
 ويابشرهم لما رأوا كلمها يدمي
 فباتوا كراماً قد قضوا حق ضيفهم
 فلم يغرموا غرماً وقد غنموا غنما
 وبات أبوهم من بشاشته أباً
 لضيفهم والأم من بشرها أما.

ويعتبر نقاد الأدب العربي القدماء، أن أبياته التالية في المدح مما لا يلحق له غبار، فهي من القصائد التي امتازت بالجزالة التي تتوافر للفظ إذا لم يكن غريباً ولا سوقياً. وهي كما نري تنبض بالحكمة من داخلها وإن كان ظاهرها الاستجداء والمدح، فالقصيدة من خواص المذاهب التي ابتدعها الحطيئة وعرفه البيانيون فيما بعد بالمذهب الكلامي إذ كان يقرع الحجة بالحجة في مدافعة الخصوم، وهذا ما اتبعه حين جابه خصوم ممدوحه – بغيض بن عامي- فتحداهم أن يسدد ما ملأ به بغيض وقومه من الفراغ فهم قوم يحسنون بناء المكارم ويوفون بالعهود والمواثيق ويجزلون العطاء في غير منّ وهم يحفظون ميراث آبائهم حين بنوا لهم سجل الرئاسة فتابعوهم دون تقصير ويتحدي الذين يمارون في ذلك من أبناء سعد – خصوم ممدوحه- فيقول: لم آت من عندي بقول أكثر مما علمتموه وشاهدتموه! كل ذلك قد قاله في براعة حين هتف بقصيدة بارعة منها الأبيات:

يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها
وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُّ
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم
من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البني
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمي عليهم جزوا بها
وإن أحسنوا لا كدّروها ولا كدّوا
وكيف ولم أعلم خذلوكم
علي معظم ولا اديمكمو قدوا
وقد لامني أبناء سعد عليهم
وما قلت إلا بالتي علمت سعدُ.

هكذا كان الحطيئة حساما عضباً في دفاعه، كما هو جمرة مشتعلة في هجائه. ويعلم عن نفسه المقدرة كل المقدرة في الدفع والجذب، والأخذ والرد.

الحطيئة الإنسان

لا أعلم لماذا علي عكس كل من قرأ تاريخ الحطيئة شعرت إزاءه بعطف كثير، فتاريخه يقول إنه هجاء خبيث اللسان كثير الشر ثلب أمه وأباه، وذم من أعانوه وناصروه بالعطاء واخذ يتربص الدوائر بمن لا تصله هداياهم وكأنها ضريبة مفروضة يجب أن يمنحها الشاعر ليكف شره عن الغادين والرائحين، وإنسان تطرد شمائله علي هذا النحو الثالب التناقم، لا يقابل بارتياح!
ونحن أرجعنا في بداية المقال بواعث هذه النقمة الشريرة في نفس الحطيئة: وأوجدنا لها من الدوافع ما يجعلها أمرا متوقعاً، لا حدثا شاذا ينظر إليه بعين الدهشة والاستغراب!
وموقفه من الزبرقان بن بدر يشير إلي ذلك بوضوح، فقد كان الشاعر يسير بأسرته الكثيرة العدد في سنة مجدبة إلي العراق فلقيه الزبرقان فسأله عن مقصده فقال الحطيئة: وددت أن أصادف بالعراق رجلاً يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي أبدا فقد حطمتني هذه السنة، فقال الزبرقان: قد أصبته فهل لك فيه يوسعك لبنا وتمرا ويجاورك أحسن جوار وأكرمه؟ فصاح الشاعر: هذا وأبيك العيش وما كنت أرجو هذا كله فأين محلك؟ قال اركب هذه الإبل واستقبل مطلع الشمس وسل عن الزبرقان حتي تأتي منزلي وكتب إلي زوجته أن تحسن إلي الشاعر حتي يؤوب، ولكن الزوجة ازدرته حين لمحت شخصه القميء ومنظره الشائه واجتوت مقامه، فجاء أعداء الزبرقان إلي الحطيئة يرجونه أن يفارق جوار الزبرقان إليهم بعدما أهين في حماه، ولو كان الشاعر خالص النفس إلي الشر لاهتبل الفرصة وسار معهم ثم بعث بأهاجيه إلي الرجل وزوجته، ولكن هواتف الخير قد لاحقته فقال للقوم إن من شأن النساء التقصير والغفلة، ولن أحمل علي الرجل ذنب صاحبته: ثم جاهرته الزوجة العداء فارتحل ولم يهج الزبرقان حتي جاءته أهاجي شاعر مغرض اصطنعه الزبرقان بعد عودته فعرض بالحطيئة وفتح أمامه الباب، فالرجل الذي يتحرج من هجاء إنسان لم يسلف له ذنباً وقد وجد المكافأة المغرية علي ذلك، فآثر الرفض، لا شك أنه يحن إلي نوازع الخير، ولكنه يتعسف الشر في طريق يضطر إليه حين يبحث عن مأكله ومأواه.
وتاريخه يقول أيضا أنه مع سؤاله وإلحافه شحيح بخيل وليس بغريب علي الشاعر الملحاح أن يبخل ويشح بل إن كرمه هو الغريب حقاً فيبحث عن دواعيه إذا كان.
وحقيقة هذا الأمر أن تجربته المريرة في الحياة هي التي فرضت عليه هذا البخل فقد رأي بعينيه أنه قاسي المذلة والهوان لفقره وضيق يده وهو بعد ذو أسرة كبيرة بها الزوجة والبنات والأولاد ولو أنه فقد الخير نهائياً في نفسه لتنكر لأسرته وترك أولاده نهب الضياع كما تركه أبوه حين تخلي عنه وجحد بنوته وكما اتجهت أمه إلي زوج آخر تقوم علي حاجته تاركه إياه بمدرجة الضياع ولكن شعوره بالأبوة والزوجية كان أصيلا في نفسه وهو بعد من أسباب شحه وبخله إن لم يكن السبب الأول والأخير.

الحطيئة الأب

لم يتنكر الحطيئة لأسرته ولم يترك أولاده نهبة للضياع حتي إنه حين أقام في محبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عندما سجنه بسبب هجائه للزبرقان بن بدر أحد سادات بني تميم) أنشد قصيدة رائعة يقول فيها إنه لم يتعاظم عليه الحبس إلا لبعده عن أولاده الصغار وكأنهم كانوا شغله الشاغل في مصبحه وممساه لذلك بكي الفاروق رضي الله عنه حين سمعه يقول:

 ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
 زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
 ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
 فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فرق عمر لحال أولاد الحطيئة، وأطلقه بعد أن أخذ عليه أوثق العهود وآكد المواثيق واشتري منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم ووقتها أعلن الحطيئة توبته عن الهجاء. ورجل هذا شعوره الحساس لن نخليه من نوازع الخير ولن يقول احد أن حب الولد غريزة فطرية لأنه بالنسبة لتجربة الحطيئة بالذات كان أمرا مشكوكا في إطراده ومن يدري لعل من أسباب حبه الزائد لأسرته ضياعه المرير في طفولته فقد دفعه إلي أن يكون علي النقيض من ذويه فيرتفع أمام نفسه علي الأقل وهذا وحده كثير.
والحقيقة أن نفس الحطيئة لم تكن مطبقة علي الشر لا تتجه إلي غيره، بل كان لها هواتفها إلي الخير وهو ما وجدناه وراء أخباره وفي طيات أحاديثه.

وفي الختام

أبيات للحطيئة هي من أعذب الشعر وأجمله:
 ولست أري السعادة جمع مال
 ولكن التقيّ هو السعيد
 وتقوي الله خير الزاد ذخراً
 وعند الله للأتقي مزيد
 وما لا بد أن يأتي قريب
 ولكن الذي يمضي بعيد.
وقوله:
 من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
 لا يذهب العرف بين الله والناس.