رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

ليديا ديفيز: علي المترجم أن يكون خفيا!


حوار لُكل من: إيلانستافانز وريجيناغالاسو ترجمة : أحمد أبو الخير
11/18/2017 11:09:54 AM

في صيف 2016، كمعلمين مشاركين في دورة الترجمة الكلاسيكية، تشاركنا مع  ثمانية طُلاب آخرين في محادثة إلكترونية مع ليديا ديفيز، مؤلفة القصص القصيرة المرموقة، و التي جُمعت في مجلدات مترجمة، رواية البحث عن الزمن المفقود لبروست، و مدام بوفاري لفلوبير، فيما بين بعض الكلاسيكيات الفرنسية الأدبية الأخري. ركزت هذه الدورة التدريبية علي ترجمة الكلاسيكيات مثل دون كيخوته لثربانتس، الجريمة والعقاب لديستويفسكي، المسخ لكافكا، و حتي، ماكبث لشكسبير . الحوار مع ليديا ديفيس كان عن استراتيجيتها . وما هو قادم هو عبارة عن نسخة مُحررة.

> هل من الإثم أن نصاب بالملل عند ترجمة الكلاسيكيات؟
- أعترف بأن لحظات من الملل  قد تمكنت مني أثناء ترجمة بروست  بالرغم من أنّه لا ينبغي أن أقول بأن الملل أصابني، و لكنه كان شعورًا مفاجئًا، ليس مجددًا، يكفي، نفس ما فعلته بالأمس أفعله اليوم، دائرة مفرغة! و لكنّه أمر لا مفر منه، إذ إنّه مقترن بالعمل علي ترجمة طويلة.
البحث عن الزمن المفقود كِتاب ضخم، وفي أحيان كثيرة لم أشعر بأنني سعيدة بالعمل عليه.
أعتقد أن المرء يتملكه الملل معظم الأوقات عند الترجمة، سواء كان العمل قائمًا علي كلاسيكات أو شيء آخر، فعندها لابد له من التوقف عن فعل ذلك. فالعمل هنا ليس إثمًا أو خطيئة، و لكنه إشارة للمرء من أنّه يترجم العمل الخاطئ .
> هل تصححين الأخطاء التي تجدينها في النص الأصلي؟
- يقوم بعض المترجمين بفعل ذلك. توجد بعض الأخطاء عند بروست  نسيت تفاصيلها الآن، ولكنه أشار في موضع ما أن أربعة أصدقاء قاموا برحلة إلي إيطاليا مع بعضهم البعض، وفي موضع آخر قال بأنهم ثلاثة.
 و لكنني أؤمن أنّه من المهم جدًا ألا يتم العبث بمحتوي النص الأصلي بهذه الطريقة، بقدر ما يمكن للمترجم إغواء القارئ بذلك.
واحدة من التزامات المترجم أنّه يُحاول إعادة إنتاج النص بالطريقة التي قرأها القارئ بلغته الأم .
الأخطاء وما إلي ذلك .. من الممكن أن أذكرها في تعليق أو حاشية.
 > هل هناك لحظات معينة أثناء ترجمة مدام بوفاري، شعرتِ فيها أن ترجمتك قد حققت المعني أو الموسيقية والتي لم تكن متواجدة داخل النص الأصلي؟
- لا أعرف كيف أبتكر المعني، و لكن بلا شك، هنالك لحظات أثناء الترجمة، فيها أدخلت الموسيقي و التي لم تكن متواجدة في النص الأصلي. لم يكُن هذا متعمدًا، أو لابد من القول بأنني نادرًا ما أتعمد ذلك.
ولكن أؤمن بنوع من التكافؤ في الترجمة، حيث ما يفتقر للموسيقية في موضع ما مقارنة بما عليه النص الأصلي، يُمكن خلقه بالموسيقي في موضع آخر، ومن المحتمل أن تكون هذه الموسيقية مفقودة في النص الأصلي. و لكن هذا علي أي حال، لا يعني أن كُل النصوص موسيقية.
 و السبب في قول » أنا لا أعرف ابتكار المعني»‬، يوضح جزئيًا أن المعني أمر مستعصي جدًا، و علي الجانب الآخر يعتمد علي تأويل و تفسير القارئ؛ وكذلك عندما أترجم، لا أُعني دائمًا - أو ربما في بعض الأحيان- بالتفكير في معني الجملة.
أثق -  و يبدو ذلك جليًا أثناء العمل- بأنّه إذا كُنت علي يقين تام بما أفهمه من النص الأصلي، فإن »‬المعني» وكُل شيء آخر، كالفكاهة، السخرية، الشفقة، إلي آخره  ستأتي أثناء العمل. أحاول البقاء علي أداء عملية الترجمة في وضوح و بساطة قدر المستطاع ( و بالمناسبة، هذا ينطبق علي ترجمة النثر  أما ترجمة الشعر فالأمر مختلف تمامًا).
 هل يحتاج المترجم إلي الهيمنة علي كُل من ثقافة اللغة التي يترجم منها، وثقافة اللغة التي يترجم إليها؟.
تعبير »‬ الهيمنة»، هل تعنيان به »‬الدرجة العلمية»؟، أم أنّه، و يستحسن أن يكون: »‬امتلاك الفهم العميق و الشامل لذلك الأمر؟» أريد أن أوضح أن موقف الكاتب، متضمنًا ذلك المترجم، تجاه ثقافته فضلاً عن اتجاهه ناحية ثقافة النص الأصلي، لابد أن يكون ساعيًا أكثر منه مهيمنًا.
يسعي دائمًا المرء إلي الفهم،بل لاكتساب بعض منه، ولكنّه لن يستطع الإستحواذ عليه كُليًا  فالحقيقة في أية ثقافة أنّ المرء يستطيع العمل والعيش. ولكن للإجابة بشكل أكثر بساطة: لنفترض أن المترجم يمتلك فهما عميقا وجيدا لثقافة لغته الخاصة، فسيكون التساؤل هو إلي أي مدي سيكون عمق الفهم المُحتاج للثقافة الأخري؟
 أثناء ترجمة مدام بوفاري، وجدت أن قدرًا كبيرًا من النص كان مفهومًا، وقابلاً للترجمة دون المعرفة العميقة للثقافة الفرنسية في القرن التاسع عشر داخل  مدن المقاطعات. و يبدو أن تصرفات إنسانية معينة تكون مقبولة إلي حد ما لكونها عالمية، أو علي الأقل شائعة، في الحضارات الغربية في القرنين الماضيين . (لابد أن أحذر من التعميم  حيث دائمًا هنالك استثناءات!) .
العادات والتقاليد والتعبيرات الأخري لم تعد مألوفة لنا في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، لا تزال الطريقة التي أترجم بها، علي مقربة من  النص الأصلي- حتي عندما يتعلق الأمر ببعض التعبيرات مثل


أمور صعبة أود القيام بها  ( نعم، هل هذا ما قاله هومايس للمتسول)  بدلا من البحث عن تعبيرات مكافئة في اللغة الإنجليزية داخل العادات و التقاليد، حتي كذلك أنماط التفكير في عصر فلوبير كانت جيدة جدًا.
و لكن من المحتمل أن أترجم بدقة متناهية ما هو موجود علي رف المدفأة بدون معرفة ذوقها في الديكور و سيكون من الجيد أن نعرف ذلك، علي الرغم من أنه في هذه الحالة لن يُغير في ترجمتي.
بالطبع، بالنسبة لفلوبير، ما لديها علي رف المدفأة يعبر عن الخضوع التام في تتبع الموضة الحالية، و النضال لتكون ضمن طبقة البورجوازيين الارستقراطيين. حيث إن قراء فلوبير في ذلك الوقت عرفوا ذلك.
 أستخدم العديد من الكتب المرجعية، تعلمت ما أمكنني تعلمه، كتبت الحواشي لأساعد القُراء في الترجمة، ولكنني لم أشعر أنني لابد أن أكون عالمة بثقافة فلوبير فيما  يكتب عنه أو له . ( إجابة طويلة!، وها هو الكوب الثالث من القهوة! ).
> لاحظنا أنّك في مدام بوفاري تميلين إلي الحفاظ علي الكلمات المُتعلقة بالطبقات الاجتماعية و المكانة في الثقافة الفرنسية كما هي مثل   (marquise , vicomte,curé) ( مركيزة، فيكونت، كاهن)، و لكننا نعثر علي مساوِ إنجليزي عند ترجمة الأطعمة، علي الرغم من الممكن أن يُنظر إلي الطعام كما لو أنّه من المحددات الثقافية. هل هذا النوع من التمييز داخل النظام تطبقينه علي ترجمة أي نثر، أم أن الأمر موقوف علي محتوي النص؟
- لم أفكر في قاعدة عامة حول هذا النوع من الاختيار، أو ربما سبب ذلك امتلاكي هذه القاعدة. أو أن القاعدة العامة تقرر: أنّه عندما تترجم المصطلح الفرنسي سيعطيك معادلا خاطئا، وبخاصة في العناوين التي ذكرتموها، من أن duke  ليست هي بالضبط  duc، أو علي الأقل توجد روابط مختلفة في الإنجليزية، لذا لا أترجمها (بالمناسبة هنالك تعارف بين مترجمي بينجوين لبروست عمّا إذا وجب أو لا يجب ترجمة curé , و لكن شعور أنّ هذه الروابط مع العنصر الفرنسي  cure هي محددة تمامًا، و لا أريد أن أخسر أحداً بترجمة المصطلح. أما بالنسبة للأطعمة، فعند هذه النقطة أتذكر الحالات الفعلية، و لكن نفس الحجة يمكن أن تنطبق عند ترجمة الأطعمة. ومع ذلك، لابد أن تكون [ كمترجم] حريصًا علي عدم وجود ترجمة مليئة بهذه المصطلحات المتروكة في النص الأصلي.
> هل هناك لحظة مفصلية بالنسبة لكِ كمترجمة شابة طموحة؟ وما هي الترجمة الأولي التي عملتِ عليها؟
- ترجمت بعض قصائد بليز سيندرارز لمجلة الجامعة الأدبية، بناء علي طلب من صديق حيث كُنا نجمع سويًا مختارات عن الشعر الفَرنسي. و لكن، حتي في المدرسة الثانوية ذهب الاعتقاد و تمكن التفكير من عقلي،عن أنني قد أصبح مُترجمة ( بجانب أن أكون كاتبة  فالتفكير في الأمر كان متواجدًا منذ وقت مبكر جدًا).
العمل علي ترجمة أول كِتاب طويل، كان عبارات ميتة لـ موريس بلانشوت
Maurice Blanchots Death Sentence، و الذي بدأت فيه تقريبًا في العشرينيات من عمري. علي سبيل المثال، لم تكن لديّ أبدًا أية تطلعات لأكون مترجمة قديرة، أو أن أستهل العمل في الترجمة. بكل بساطة أستمتع بفعل ذلك، أعجبت و أحببت الكِتاب ( فهو يحكي عن قصة حب من نوع ما لامرأة متوفاة والتي عادت للحياة في لحظة ما؛ بسبب حب الراوي لها). أحب هذا النوع من النشاط حيث الكِتابة، و الذي [ يتضمنه] الترجمة. أريد أن تكون ترجمتي جيدة كما يجب أن تكون.
> هل أنتِ راضية عن أي وقت مضي في وظيفة الترجمة؟ هل تعتقدين أن ترجمتك لمدام بوفاري قد انتهت؟ هل في اللحظة التي يقرأ فيها الناشر ترجمتك تكون هي اللحظة الفعلية التي انتهيتِ فيها حقًا من الترجمة؟
- أستطيع الشعور بأنّه لا يوجد المزيد مما أستطيع القيام به واقعيًا، ضمن الإطار الزمني لطلبات النشر و الاستحقاق . لا أرسل الترجمة للناشر إلا بعدما أشعر بأنها جيدة، أو جيدة بالدرجة التي عملت عليها. ومع ذلك، هنالك دائمًا لحظات أثناء الترجمة،فيها أكون غير راضيةِ علي الرغم من أنني كافحت لفترة طويلة عليها.
 ولكن تدور الترجمة دائمًا في فلك المحاولة للوصول إلي تسوية و حل وسيط.
أثناء العمل علي ترجمة بروست، قمت بتعديلات للنسخة الأمريكية( فالنشر الأول كان في المملكة المتحدة)، و بعدها أيضًا في نسخ الجيب الأمريكية  مئات التعديلات الصغيرة لمئات الصفحات . بعد النشر وجدت أنّه لا يزال هناك العديد من الأمور الصغيرة جدًا التي أريد تغييرها. و لكن لابد أن يكون هنالك نقطة للتوقف في وقت ما، حتي لو كانت الترجمة »‬ الأفضل» للكِتاب سيكون العمل الذي ستُكرس له حياتك كلها ( و هو ما يمكن و لابد أن يكون، في بعض الحالات).   
> مؤلفو الكلاسيكيات لديهم »‬شيء ما»، حيث نوع ما في الأسلوب الذي يُميزهم عن غيرهم. هل للمترجمين »‬توقيع» مماثل خاص بهم ؟
- نظريًا، نعم ، ، فالمترجم لابد من طمس »‬توقيع» أسلوبه الذي يُميزه و يسهل إدراكه.  و إلا، فيُمكن للمترجم أو المترجمة أن يفرضوا سطوة أسلوبهم علي النص الأصلي، أيّا كان نمط أسلوبه.
فينبغي علي المترجم أن ينغمس داخل نص المؤلف (حتي لو بدا مُتنافرًا له ....) و أن يكون هو مؤلف النص، و نوعيًا، يتحلي بالشفافية،و فقدان نفسه، و يترك خلفه أسلوبه المميز الخاص به.
ولكن، و بشكل حتمي، أدركت أن كُل كاتب  و مجددًا، المترجم هو كاتب  لديه نهجه الخاص في الكِتابة، ليس فقط نمطًا مُفضلاً، و لكن أيضًا مفردات يُفضلها عن غيرها.
 يأمل المرء أن أسلوب الترجمة يتم تحديده من خلال النص الأصلي، و لكن منذ أن أصبح لدينا القدرة علي اختيار كلمات من الإنجليزية تعادل الفرنسية، فمن الممكن لنا انتقاء »‬ خاصتنا» من أنواع الكلمات بدلاً من التي في لغة أخري.
> هل توافقين علي »‬ تحسين» شخص ما لترجمتك الخاصة، علي سبيل المثال، بعد عقدين من الزمن؟ ليس البدء في ترجمة جديدة، و لكن تحديث ترجمتك؟
- نعم، بالنسبة لي و بشكل نظري، سأكون منافقة إذا لم أوافق علي ذلك؛ لأنني كثيرًا ما أردت »‬تحسين» ترجمات الآخرين  ليس الأقدم عني بل المعاصرين لي ! بعبارة أخري، من المحتمل لمترجم النص الأصلي أن يكون قد قام بالمجهود علي قدم و ساق، و دعونا نقول، بأنّه قام بعمل جيد جدًا، و لكن هنالك بعضاً من المعلومات غير دقيقة أو غير ملائمة التي يمكن تصحيحها.
 الآن أصبح هذا معقدًا بعض الشيء ، بالطبع  عدم الدقة هي شيء واحد، عدم الملاءمة من الممكن أن تكون مسألة رأي، و يمكن أن يكون »‬ المُحسن» يعتقد فقط أنّ لديه إدراكاً أفضل في الأسلوب عمّا كانت عليه الترجمة الأصلية، و لكن في الحقيقة فإنها تفتقر لذلك.
 في الواقع، هذا يُذكرني باثنين من المراجعين لترجمة سكوت مونكريف لبروست اللذين لم يحسنا دائمًا الترجمة. بعض الكِتابة الغَبية و علي الأقل واحدة من الأخطاء النحوية قدمت بواسطة »‬ التحسينات»، و التي جعلتني مستاءة جدًا علي سكوت مونكريف.
 لذلك، لابد لأي من يقوم بتحديث الترجمة أن يقدم ملاحظة دقيقة عمّا فعله من تعديلات. و يأمل المرء أن يظل النص الأصلي غير المُحدث مُتاحًا للقراء جميعهم.