رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

أشباح بريطانية!


»تكلم تكلم« لجون ايفرت ميلز

»تكلم تكلم« لجون ايفرت ميلز

مرفت عمارة
12/9/2017 9:17:43 AM


علي الرغم من رفض مفهوم الأشباح، لا تزال هناك قصص وروايات وأفلام مليئة بالأشباح يتم إنتاجها بغزارة أكثرمن ذي قبل، متحدية التفكير المنطقي لعدم وجودها، فالأشباح جزء من الثقافة الإنجليزية منذ خلق الكون، ومع التطور التكنولوجي  أصبح من السهل تجسيد تلك الأشباح مما دفع الكثير من المشاهدين إلي تصديق وجودها دون أي شك، حيث كان أجدادنا في العصور المبكرة يجلسون حول النار ليتبادلوا الحكايات المثيرة للرعب عن ساكني القلاع والحانات والبيوت الريفية المكتنفة بالغموض في أنحاء البلاد، إلا أن وجودها باستمرار في الروايات ضمن حبكات الروايات حافظ علي بقائها في مخيلتنا.
المؤرخة البريطانية سوزان أوينر قرررت تناول مسألة الأشباح بطريقة أكاديمية بحتة، ومما أثار دهشتها أنه خلال عملها علي ذلك لم تقابل بريطانيا واحدا لم تكن لديه حكاية عن الأشباح، ولم تستثن نفسها، حيث استمعت لأول مرة لقصة عن الأشباح حين كانت في العاشرة من عمرها عندما أكد مدير مدرستها للمدرسين رؤيته شبح والده راكبا دراجته ومتجها إلي عمله كما كان يفعل قبل وفاته.
رسمت أوينز خريطة تاريخية للأشباح في الثقافة البريطانية بداية من القرن الثامن حتي عصرنا هذا، كشفت من خلال تلك الخريطة، ليس فقط كيفية استمرار وصمود الأشباح عبر  قرون؛ بل أيضا تكيفها مع مختلف أشكال الفن، وأنماط البشر، والتقدم التكنولوجي المستمر، حتي أصبحت تتمتع بقدرة مذهلة علي التحول الشكلي في سبيل البقاء، أو علي حد تعبير أوينز: »  الأشباح تحفظ صورتنا في المرآة»‬.
 أشباح إنجلترا المبكرة ظهرت في القصص الشعبية والمخطوطات القديمة كجثث منفرة في مراحل مختلفة من التحلل، أو علي هيئة خيول أو كلاب أو حتي أبقار، تعطي إشارات خفية وتنذر بالخطر للمجتمعات القروية التي عاني أهلها من التعذيب بسبب حياتهم الفانية، أو كما في المذهب الكاثوليكي الروماني تصبح في صورة مكان أو حالة من المعاناة تسكنها أرواح الحكاة، وتكشف خطاياهم قبل الذهاب إلي السماء، أو تمارس نوعاً من العقوبات الجهنمية من أجل التطهر والنقاء.
حاولت حركات الإصلاح الإنجليزية التخلص من ثقافة الأشباح نهائيا، كما جرفت بعيدا الطقوس الكاثوليكية واللاتينية، حتي كان رجال الدين في القرن السادس عشر يؤكدون بجملة متكررة باستمرار أن »‬  الطقوس الغابرة لن تعود لإثارة الرعب بيننا»، إلا أنها عادت مرة أخري وبقوة، فمع تضاؤل التراث الشفوي التقليدي، وتحسين محو الأمية، أعادت الأشباح اختراع وصياغة نفسها لعصر جديد، وأعلنت كتيبات ومخطوطات تعود إلي القرن التاسع عشر عن وجود شخصيات مرعبة شهيرة مثل روبرت جرين الفاسق الماجن الذي عاد من القبر للاعتراف بالذنب، مع ظهور أشباح بأكفانها تهدد بالانتقام، كما حدث مع والد هاملت المحكوم عليه بالسير ليلا.
وبينما حاولت روح البحث العلمي محاصرة الأرواح والأشباح خلال القرن السابع عشر، سعي الأدباء إلي الوصول إلي تفسيرات منطقية لحكايات الأشباح، وسط موجة من التشكيك بأن الأشباح نتاج لخيالات غريبة خارقة للطبيعة، أو أنها مجرد أوهام وخيالات بصرية.
في عصر التنوير كان الاعتقاد في الأرواح ينظر إليه علي أنه نوع من الجهل الفكري بالمجتمع، إلا أن الأشباح ظلت محتفظة بشعبيتها في الأشعار والقصائد والمسرحيات والروايات والفن عموما، ومن الغريب أن أوينز تجاهلت الهوس الجورجي بسرقة القبور للحصول علي جثث الموتي، وهو ما جعل مفهوم الخروج من القبر مخاطرة غاية في الخطورة. كل من »‬المتشككين» و»السذج» علي حد سواء اصطفوا سنة 1762 لسماع صوت شبح كوك لان الذي تواصل مع المتفرجين باستخدام  مطرقة، واتضح في النهاية أن ذلك الأمر مجرد خدعة.
بعد عامين نشر هوراس والبول أول رواية قوطية بعنوان »‬  قلعة أوترانتو» ذات الممرات المسكونة، والأشخاص التي تخرج من اللوحات، والتي أصبحت نموذجا لقصص الأشباح منذ ذلك الحين، ومنها روايات هاري بوتر.
في القرن الثامن عشر سمحت تكنولوجيا الطباعة الأكثر تطورا بتصوير الأشباح بشكل أدق، وتفاصيل دموية مقنعة، بينما مكنت الألوان المائية من رسم أشباح شفافة.
سنة 1801 نظم رجل أعمال مخادع مسرحاً مزوداً بتكنولوجيا لعرض مشاهد الرعب، باستخدام شكل من أشكال الفانوس السحري لعرض صور أشباح ترقص في الهواء أمام جمهور مسحور كنموذج مثالي للسينما ثلاثية الأبعاد، وتطور العرض لينتج عنه  ظلال لأشخاص غامضة، تم اعتبارها في البداية دليلا علي وجود الأشباح واستغلالها لإثارة رعب الجمهور.
شهد العصر الفيكتوري ذروة ظهور الأشباح، عن طريق الضباب الأسود، الذي  يمدنا بجو مثالي مسكون بالأشباح، وصياغة زيارة أطلال رومانسية، بينما الرياح المخيفة قدمت بيئة مثالية وجلسة استحضار أرواح مثيرة للخيال. ففي الكريسماس ابتكرت كارول ديكنز شبحاً ذا ضمير اجتماعي، بينما في »‬  مرتفعات ويذرنج» استحضرت إيميلي برونتي شبح كائن خرافي.
قررت »‬التلجراف» أن تصدر كتاباً بعنوان »‬الشبح» يوضح تغير أشكال الأشباح خلال القرن العشرين بحيث تصبح ملائمة للسينما والتليفزيون مع استخدام أكثر للجرافيك والتناسخ.الشعبية الحالية لبرامج صيد الأشباح، مع وجود أدلة شبه مؤكدة علي أكثر الأماكن المسكونة بالأشباح في إنجلترا، يثبت أن شهيتنا للإشباع لم تنضب، ويتضمن العناصر المكونة لتلك الأعمال من أضواء وتسلية وإمتاع مع تصوير مبهر ورواية بليغة، التي  من خلالها تروي الأشباح قصة شغفنا الدائم بها.