رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

أسطورة «وَجَدُو»


حلمي شعراوي
12/23/2017 10:38:05 AM

رغم‭ ‬قوة‭ ‬إمبراطورية‭ ‬مالي‭ ‬بقياة‭ (‬سونجاتا‭) ‬ومركزية‭ ‬صورتها‭ ‬التأريخية‭ ‬الأحدث‭ ‬وبقائها،‭ ‬بإسلامها‭ ‬وتراثها‭ ‬المختلط‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬المرابطين،‭ ‬مما‭ ‬ارتبط‭ ‬بزيادة‭ ‬أسلمة‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬تأريخ‭  ‬اوجدوب‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬ثراء‭ ‬ابالأدب‭ ‬التاريخيب،‭ ‬والأسطوري‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬رواياتها‭.‬

وفي‭ ‬تقدير‭ ‬عالم‭ ‬ومؤرخ‭ ‬جليل‭ ‬مثل‭ ‬الراحل‭ ‬جوزيف‭ ‬كي‭ ‬زيربو‭ ‬0من‭ ‬بوركينا‭ ‬فاسو‭ - ‬والمشرف‭ ‬الرئيسي‭ ‬علي‭ ‬مجلدات‭ ‬التاريخ‭ ‬العام‭ ‬لأفريقيا‭)‬،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬اليونسكو،‭ ‬أن‭ ‬للتأريخ‭ ‬الأفريقي‭ ‬ازمنا‭ ‬خرافيا‭ ‬واجتماعياب،‭ (‬المجلد‭ ‬الأول‭) ‬ولكن‭ ‬الأفارقة‭ ‬خلقوا‭ ‬منه‭ ‬زمنا‭ ‬حقيقيا‭ ‬رغم‭ ‬ربط‭ ‬الزمن‭ ‬الخرافي‭ ‬بالاجتماعي‭. ‬وهو‭ ‬يقصد‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المعمقة‭ ‬لهذا‭ ‬المنتج‭ ‬الأسطوري‭ ‬أو‭ ‬الملحمي،‭ ‬بتعبيراته‭ ‬المتمرحلة،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬هذاالمنتج‭ ‬زمنا‭ ‬حركيا،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬يقدمه‭ ‬المفهوم‭ ‬التقليدي،‭ ‬أو‭ ‬بالنظرة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬أفريقيا،‭ ‬بأن‭ ‬جعلت‭ ‬الإنسان‭ ‬سجين‭ ‬حركة‭ ‬قارة‭ ‬في‭ ‬مكانها،‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬تكرار‭ ‬دوري‭.. ‬إلخ‭.‬
ويبدو‭ ‬أن‭ ‬مؤرخا‭ ‬تاليا‭ ‬مثل‭ ‬اتمسير‭ ‬نيانيب‭ (‬غينيا‭) ‬قد‭ ‬راح‭ ‬يثبت‭ ‬حركية‭ ‬تاريخ‭ ‬جماعة‭ ‬بشرية‭ ‬مهمة‭ ‬مثل‭ ‬السوننكي،‭ ‬علي‭ ‬مستوي‭ ‬الإقليم‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬أفريقيا،‭ ‬فعرض‭ ‬حركية‭ ‬اإمبراطورية‭ ‬اوجدوب‭ ‬Wagadou‭ ‬وأسطورتهاب‭ ‬في‭ ‬التأريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬علي‭ ‬السواء‭. ‬وعرض‭ ‬في‭ ‬مقالاته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السفر‭ ‬المهم‭ ‬عن‭ ‬التأريخ‭ ‬الأفريقي‭ ‬حركة‭ ‬إمبراطورية‭ ‬اوجدوب‭ ‬من‭ ‬أقصي‭ ‬غرب‭ ‬القارة‭ ‬الساحل‭ (‬فوتا‭ ‬تور‭) ‬إلي‭ ‬وسط‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبري‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬غينيا‭ ‬والسنغال‭ ‬وموريتانيا‭ ‬ومالي‭ ‬والنيجر‭... ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬شعب‭ ‬السوننكي‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭. ‬بل‭ ‬كشف‭ ‬انيانيب‭ ‬عن‭ ‬تنافس‭ ‬واضح‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬شعب‭ ‬كبير‭ ‬آخر‭ ‬مثل‭ ‬المندي‭ ‬أو‭ (‬الماندنج‭). ‬وجعلنا‭ ‬هذا‭ ‬التأريخ‭ ‬المنعكس‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬ملوك‭ ‬وأمراء‭ ‬الشعبيين‭(‬اقبائل‭ ‬السوننكية‭ ‬والماندية‭) ‬أمام‭ ‬حقائق‭ ‬تكوين‭ ‬إمبراطورية‭ ‬اوجدوب‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تعرف‭ ‬علي‭ ‬أنها‭ ‬غانا‭ (‬بتاريخ‭ ‬ممتد‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬حتي‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭) ‬وإمبراطورية‭ ‬اماليب‭ ‬التالية‭ ‬لها‭. ‬ورغم‭ ‬قوة‭ ‬إمبراطورية‭ ‬مالي‭ ‬بقياة‭ (‬سونجاتا‭) ‬ومركزية‭ ‬صورتها‭ ‬التأريخية‭ ‬الأحدث‭ ‬وبقائها،‭ ‬بإسلامها‭ ‬وتراثها‭ ‬المختلط‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬المرابطين،‭ ‬مما‭ ‬ارتبط‭ ‬بزيادة‭ ‬أسلمة‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬تأريخ‭  ‬اوجدوب‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬ثراء‭ ‬ابالأدب‭ ‬التاريخيب،‭ ‬والأسطوري‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬رواياتها،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ - ‬حتي‭ ‬لا‭ ‬نغالي‭ - ‬بسبب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مستفرقين‭ ‬وعلماء‭ ‬أنثروبولوجيا‭ ‬فرنسيين‭ ‬ووطنيين‭ ‬علي‭ ‬السواء،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬بين‭ ‬المستفرقين‭ ‬شارل‭ ‬الأب،‭ ‬وفنسان‭ ‬مونتي‭ ‬منذ‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حتي‭ ‬صدور‭ ‬نص‭ ‬شارل‭ ‬مونتي‭ (‬1953‭) (‬مجلة‭ ‬معهد‭ ‬إيفان‭ ‬بداكار‭) ‬وشخصيات‭ ‬مثل‭ ‬موسي‭ ‬كمرا‭ ‬1924،‭ ‬حتي‭ ‬عبدالله‭ ‬باتيلي،‭ ‬المؤرخ‭ ‬وعالم‭ ‬السياسة‭ ‬وأحد‭ ‬أبناء‭ ‬السوننكي‭ ‬البارزين‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬بالسنغال‭ ‬حتي‭ ‬الآن‭.. ‬وقد‭ ‬يذكرنا‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬للسيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الملاحم‭ ‬العربية‭ ‬الأخري‭ (‬سيف‭ ‬بن‭ ‬يزن‭.. ‬إلخ‭) ‬من‭ ‬عبور‭ ‬الحدود‭ ‬علي‭ ‬مستوي‭ ‬القارة‭ ‬تحديدا،‭ ‬بحيث‭ ‬نجد‭ ‬أبطالها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الملاحم‭ ‬الأفريقية،‭ ‬فهنا‭ ‬دياب‭ ‬في‭ ‬اوجدوب‭ ‬وأبوزيد،‭ ‬وسيف‭ ‬بن‭ ‬ذي‭ ‬يزن‭ ‬في‭ ‬نيجيريا‭ ‬والقرن‭ ‬الأفريقي‭.. ‬بما‭ ‬توافرت‭ ‬عليه‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬الدراسات،‭ ‬وقد‭ ‬أبرزت‭ ‬النصوص‭ ‬الأسطورية‭ ‬حقائق‭ ‬مهمة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة،‭ ‬صححت‭ ‬روايات‭ ‬عربية‭ ‬وفرنسية‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬إمبراطورية‭ ‬غانا‭ (‬باعتبارها‭ ‬الأفريقية‭ ‬الأقدم‭) ‬المرتبطة‭ ‬بأساطير‭ ‬اوجدوب‭ ‬وإمبراطورية‭ ‬مالي،‭ ‬باعتبار‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬قضت‭ ‬علي‭ ‬اغاناب‭ ‬بمساعدة‭ ‬المرابطين،‭ ‬لصالح‭ ‬النفوذ‭ ‬المغربي‭ ‬الصاعدة‭ ‬ومسعاه‭ ‬للذهب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬أو‭ ‬لدعم‭ ‬أسلمة‭ ‬أو‭ ‬اتعريبب‭ ‬هذه‭ ‬الممالك،‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬المغالين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخري‭.‬
لكن‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬أمامنا‭ ‬تحكي‭ ‬تطورا‭ ‬موضوعيا‭ ‬لأبناء‭ ‬اوجدوب‭ - ‬غانا،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬لهذه‭ ‬الاستنتاجات،‭ ‬حتي‭ ‬إن‭ ‬شارل‭ ‬مونتي‭ ‬الأب‭ ‬يبدي‭ ‬ضيقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬المتضاربة‭ ‬أحيانا،‭ ‬فيراها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الفوضي‭! ‬والواقع‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬االخرافي‭ ‬بالاجتماعيب‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬كي‭ - ‬زيربو،‭ ‬هو‭ ‬تطور‭ ‬ناتج‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬جغرافي،‭ ‬وترحال‭ ‬دائم‭ ‬للقبائل‭ ‬والأساطير،‭ ‬مع‭ ‬الجري‭ ‬وراء‭ ‬مناطق‭ ‬الذهب‭ ‬الذي‭ ‬يستطيعون‭ ‬مبادلته‭ ‬مع‭ ‬االقادمينب‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬الأفريقي،‭ ‬مغاربة‭ ‬أو‭ ‬جزائريين،‭ ‬كما‭ ‬تشي‭ ‬بعض‭ ‬نصوص‭ ‬هذه‭ ‬الأساطير‭.‬
ويقول‭ ‬اتمسير‭ ‬نيانيب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬اإنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬التراث‭ ‬الشفاهي،‭ ‬نعرف‭ ‬أنه‭ ‬بين‭ ‬سقوط‭ ‬اغاناب‭ ‬وقيام‭ ‬اماليب‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اقطعب‭ ‬تم‭ ‬بسيطرة‭ ‬جناح‭ ‬من‭ ‬االسوسوب‭ ‬وهم‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬اسوننكي‭ - ‬ماندنجيب،‭ ‬ممن‭ ‬ثاروا‭ ‬ضد‭ ‬الإسلام‭. ‬وقد‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬الوحدة‭ ‬علي‭ ‬أقاليم‭ ‬كان‭ ‬يحكمها‭ ‬اكايا‭ ‬ماجانب‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬مالي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬هزم‭ ‬اسونجاتاب‭ ‬ملك‭ ‬االسوسوب‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬اكيريناب‭ ‬عام‭ ‬1235ب،‭ ‬وقد‭ ‬استنتجت‭ ‬الأدبيات‭ ‬الأوروبية‭ ‬وروجت‭ ‬أصل‭ ‬العداء‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الرقيق،‭ ‬وامتصاص‭ ‬ثروة‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬بينما‭ ‬نري‭ ‬شخوص‭ ‬أساطيرنا‭ ‬هنا‭ ‬يقدمون‭ ‬العبيد‭ ‬بالعشرات‭ ‬لأمير‭ ‬أو‭ ‬غاز،‭ ‬كما‭ ‬يحرص‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬المنطقة‭ ‬علي‭ ‬جمع‭ ‬الذهب‭ ‬مثل‭ ‬الملك‭ ‬مانجا‭ ‬في‭ ‬غانا‭.‬
هذا‭ ‬نموذج‭ ‬لعلاقة‭ ‬التأريخ‭ ‬الشفاهي،‭ ‬والثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬الأسطورية‭ ‬بالتأريخ‭ ‬شبه‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬أورده‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة،‭ ‬ابن‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬العمري،‭ ‬وليو‭ ‬الأفريقي،‭ ‬والكعتي‭ ‬صاحب‭ ‬االفتاشب‭.. ‬إلخ‭ ‬فضلا‭ ‬عما‭ ‬يورده‭ ‬الأكاديميون‭. ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬مهمة‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬حقها‭ ‬عند‭ ‬المؤرخين‭ ‬بشأن‭ ‬تعدد‭ ‬النصوص‭ ‬الشعبية‭ ‬حول‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية،‭ ‬بما‭ ‬يكشف‭ ‬أكثر‭ ‬عن‭ ‬أبعادها‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬ويهمني‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬اLegendب‭ ‬التي‭ ‬تطلق‭ ‬علي‭ ‬اوَجَدْوب‭ ‬وغيرها،‭ ‬كنا‭ ‬نترجمها‭ ‬دائما‭ ‬االحكاية‭ ‬الأسطوريةب‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حكاية،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬أسطورة‭ ‬Myth‭ ‬فقط‭ ‬بالمعني‭ ‬النظري‭ ‬المعروف،‭ ‬ولكن‭ ‬قول‭ ‬الحكاية‭ ‬الأسطورية‭ ‬يقربها‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬خلافا‭ ‬للتجريد‭ ‬الأسطوري،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬نتائج‭ ‬الخلط‭ ‬استعملت‭ ‬سياسيا‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬لحظة‭ ‬الهجوم‭ ‬علي‭ ‬علاقة‭ ‬العرب‭ ‬بأفريقيا،‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬غانا‭ ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬واعتبار‭ ‬النكرومية‭ ‬ردا‭ ‬علي‭ ‬الناصرية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استحضار‭ ‬عدوانية‭ ‬اماليب‭ ‬التي‭ ‬أسقطت‭ ‬غانا‭ (‬وجدو‭) ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬المرابطين‭ ‬بناة‭ ‬تومبوكتو‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬البعض‭.‬
وقد‭ ‬أتيح‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬أخري‭ ‬عن‭ ‬مخطوطات‭ ‬سوننكية‭ ‬بالحرف‭ ‬العربي‭ ‬االعجميب‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬مجال‭ ‬انتشار‭ ‬لغة‭ ‬السوننكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وأبعاد‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار،‭ ‬وأثره‭ ‬في‭ ‬التتابع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لغانا‭ ‬اوجدوب‭ ‬السوننكية،‭ ‬حتي‭ ‬قيام‭ ‬مالي‭ (‬الماندية‭ ‬أو‭ ‬المانديجية‭). ‬ولنقرأ‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أوردته‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬تراث‭ ‬اللغات‭ ‬الأفريقية‭.. (‬العجمي‭) ‬عن‭ ‬السوننكية‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬يشير‭ ‬لحيوية‭ ‬السوننكي‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬ممتدة‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬دول‭ ‬حتي‭ ‬الآن‭:‬
الا‭ ‬تنافس‭ ‬لغات‭ ‬الماندنج‭ ‬والفولانية‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬إلا‭ ‬اللغة‭ ‬السوننكية،‭ ‬شهرة‭ ‬وأصالة،‭ ‬وانتشارا،‭ ‬ورغم‭ ‬تعقيدات‭ ‬اللغويين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬




فإن‭ ‬أحدا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬إنكار‭ ‬الصلة‭ ‬البشرية،‭ ‬التي‭ ‬يسارع‭ ‬أي‭ ‬منهم‭ ‬يذكرها‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬السوننكي‭ ‬بالمندي،‭ ‬بل‭ ‬التفاعلات‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يسمون‭ ‬التكرور،‭ ‬والمالينكة‭ ‬والسوننكي‭.. ‬أو‭ ‬السراكولي‭. ‬ومعني‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الثقافية‭ - ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬أقصي‭ ‬الغرب‭ ‬علي‭ ‬الأطلنطي‭ ‬إلي‭ ‬أقصي‭ ‬الشرق‭ ‬بعد‭ ‬اجِنيب‭. ‬وربما‭ ‬قام‭ ‬النمط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لحياة‭ ‬السوننكي،‭ ‬كنمط‭ ‬تجاري‭ ‬أساسا،‭ ‬بنشر‭ ‬نفوذهم‭ ‬وتوسيع‭ ‬فضائهم‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وهي‭ ‬صفة‭ ‬يشاركون‭ ‬فيها‭ ‬الكثيرمن‭ ‬االوانجارا،‭ ‬والتكرور،‭ ‬والفولا،‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬السنغال‭ ‬ومالي‭ ‬وموريتانيا‭ ‬وغينيا‭ ‬والنيجر‭ ‬وبوركينا‭ ‬فاسو‭ ‬وشمال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬الغرب‭ ‬الأفريقي‭ ‬عموما‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬الجدل‭ ‬الواسع‭ ‬عن‭ ‬مدي‭ ‬صلة‭ ‬أصول‭ ‬مملكة‭ ‬أو‭ ‬إمبراطورية‭ ‬غانا‭ ‬بالسوننكي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توحد‭ ‬الأصل‭ ‬والتاريخ‭ ‬لغانا‭ ‬مع‭ ‬مملكة‭ ‬اوجَدُوب‭ ‬السوننكية‭ ‬الشهيرة؛‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬دراسات‭ ‬أستاذ‭ ‬مثل‭ ‬اعبدالله‭ ‬باتيليب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬قد‭ ‬أثارت‭ ‬مبكرا‭ (‬1975‭) ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬عبر‭ ‬تساؤله‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الرواية‭ ‬الشعبية‭ ‬الشفهية‭ ‬في‭ ‬حديثها‭ ‬عن‭ ‬ملحمة‭ ‬اوجدوب‭ ‬السوننكية،‭ ‬بما‭ ‬كتبه‭ ‬المؤرخون‭ ‬العرب‭ ‬الثقاة‭ ‬مثل‭ ‬االبكريب‭ ‬وغيره‭ ‬عن‭ ‬توحد‭ ‬مملكة‭ ‬غانا‭ (‬في‭ ‬كومبي‭ ‬صالح‭) ‬مع‭ ‬السوننكي؛‭ ‬الذين‭ ‬يمثلهم‭ ‬ملوك‭ ‬اوجدوب‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الملحمة‭ ‬الشهيرة‭. ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬إلي‭ ‬أصول‭ ‬شمال‭ ‬أفريقية‭ ‬اللوجدوب‭ ‬السوننكية‭ ‬وملكهم‭ ‬ادينجاب‭ ‬لتحيل‭ ‬في‭  ‬الواقع‭ ‬إلي‭ ‬العلاقة‭ ‬الصراعية‭ ‬مع‭ ‬المرابطين‭. ‬وتحدد‭ ‬امتدادها‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬السنغال‭ ‬وأعالي‭ ‬النيجر،‭ ‬بينما‭ ‬النصوص‭ ‬العربية‭ ‬توحي‭ ‬بأنهم‭ ‬يمتدون‭ ‬إلي‭ ‬االشرقب،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬اعبدالرحمن‭ ‬السعديب‭ ‬في‭ ‬اتأريخ‭ ‬السودانب،‭ ‬بل‭ ‬امحمود‭ ‬الكعتيب‭ ‬في‭ ‬اتاريخ‭ ‬الفتاشب‭. ‬ولاشك‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬له‭ ‬أهميته‭ ‬البالغة‭ ‬للتعرف‭ ‬علي‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الإمبراطوريات،‭ ‬وكيف‭ ‬كانت‭ ‬تأسيسا‭ ‬لأطر‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬وتصارعت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬لعلنا‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التأريخ‭ ‬مدي‭ ‬التشوهات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بتقسيم‭ ‬أفريقيا‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬متجاوزا‭ ‬تاريخ‭ ‬الممالك‭ ‬والإمبراطوريات،‭ ‬وتاريخ‭ ‬الحضور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لهذه‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬ارتباط‭ ‬اجتماعي‭ ‬واسعة‭  ‬مثلما‭ ‬تحقق‭ ‬للمالينكي‭ ‬أو‭ ‬السوننكي‭ ‬وغيرهما،‭ ‬وكانت‭ ‬حركة‭ ‬تطورها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمضي‭ ‬إلي‭ ‬مسارات‭ ‬مختلفة‭ ‬بالتأكيد‭.‬
إن‭ ‬تاريخ‭ ‬السوننكي‭ ‬وامتداداتهم‭ ‬المدهشة‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬االأسكياب‭ ‬Askia‭ ‬وآثارهم‭ ‬في‭ ‬اجاوب‭ ‬وتومبكوتو،‭ ‬واستمرار‭ ‬نفوذهم‭ ‬التجاري،‭ ‬وتجارة‭ ‬الذهب‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬الروايات‭ ‬إلي‭ ‬احتكارهم‭ ‬لها‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬إلي‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ (‬طبقة‭ ‬الماراكا‭) ‬هذه‭ ‬الامتدادات‭ ‬والاختراقات‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬غانا‭ ‬أو‭ ‬اوجدوب‭ ‬إلي‭ ‬مملكة‭ ‬مالي‭ ‬المالينكية‭ ‬ثم‭ ‬البمبارا‭ ‬وصنغاي،‭ ‬إنما‭ ‬تقطع‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مناقشة‭ ‬انفصال‭ ‬اللغة‭ ‬السوننكية‭ ‬عن‭ ‬عائلات‭ ‬لغوية‭ ‬ممتدة‭ ‬علي‭ ‬فضاء‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬كله‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬مسئولية‭ ‬اللغويين‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬تأثير‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي‭ ‬المشوه‭ ‬بفعل‭ ‬الإدارات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬علي‭ ‬تطور‭ ‬الصلات‭ ‬الإنسانية‭ ‬عبر‭ ‬التشكيل‭ ‬اللغوي‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬قائما،‭ ‬والذي‭ ‬يثبته‭ ‬انتشار‭ ‬الأساطير‭ ‬والملاحم‭ ‬الكبري‭ ‬المعروفة‭.‬
والقاريء‭ ‬لتاريخ‭ ‬السوننكية،‭ ‬ورواياتها‭ ‬الشعبية،‭ ‬لا‭ ‬يفوته‭ ‬الإحساس‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬نوعية‭ ‬ما‭ ‬عرفناه‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬مالي‭ ‬اللاحقة‭ ‬لها،‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬علي‭ ‬التوسع‭ ‬القتالي‭. ‬وتحيط‭ ‬الأساطير‭ ‬الملحمية‭ ‬بتاريخ‭ ‬الملوك‭ ‬السوننكية‭ ‬أمثال‭ ‬ادينجاب‭ ‬واسيسب‭ ‬وبنائه‭ ‬لطبقة‭ ‬الهورو‭ ‬Hooro‭ ‬االأحرارب‭ ‬المقاتلين‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬الطبقة‭ ‬المماثلة‭ ‬في‭ ‬ملحمة‭ ‬اسونجاتاب‭ ‬مؤسس‭ ‬مملكة‭ ‬مالي‭. ‬وهذه‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬ممالك‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬الشهيرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفسر‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬مشهودا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬عقب‭ ‬الاستقلال‭ ‬حتي‭ ‬الآن‭.‬
وقد‭ ‬كانت‭ ‬مملكة‭ ‬غانا‭ - ‬عند‭ ‬المؤرخين‭ ‬العرب‭ - ‬علي‭ ‬حافة‭ ‬الصحراء،‭ ‬وعلي‭ ‬رأس‭ ‬النهر‭ (‬إحدي‭ ‬تفريعات‭ ‬نهر‭ ‬السنغال‭)‬،‭ ‬وأنها‭ ‬اشتهرت‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬المؤرخين‭ ‬بالسيطرة‭ ‬علي‭ ‬تجارة‭ ‬الذهب،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬معظمهم‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬تحديد‭ ‬موقعها‭ ‬تماما،‭ ‬لأن‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬ابلاد‭ ‬السودانب‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أساس‭. ‬وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬االبكريب‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬اغاناب‭ ‬تقع‭ ‬علي‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬البربر‭ (‬موريتانيا‭) ‬وبلاد‭ ‬السودان‭ ‬في‭ ‬جنوبها‭.. ‬كذلك‭ ‬كان‭ ‬االوانجاراب‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬إلي‭ ‬السنغال‭ ‬وجامبيا،‭ ‬مما‭ ‬يشير‭ ‬إلي‭ ‬انتشار‭ ‬السوننكي‭ ‬علي‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬الإيحاء‭ ‬بإمكان‭ ‬تعدد‭ ‬ممالكها‭ ‬أيضا‭.‬
لقد‭ ‬استغرق‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬مئات‭ ‬الصفحات‭ ‬من‭ ‬كُتّاب‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬عربا‭ ‬وأوروبيين‭ ‬وأفارقة،‭ ‬من‭ ‬اديلافوسب‭ ‬حتي‭ ‬اموسي‭ ‬كمراب،‭ ‬في‭ ‬ازهور‭ ‬البساتين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السوداينب،‭ ‬الذي‭ ‬قطع‭ ‬بأن‭ ‬معظم‭ ‬االوانجاراب‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬التجار،‭ ‬بينما‭ ‬معظم‭ ‬الجُند‭ ‬من‭ ‬المالينكي،‭ ‬واالسوسب‭ ‬وبين‭ ‬المرابطين‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬والحق‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬معهم‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬منذ‭ ‬مملكة‭ ‬اغاناب‭ ‬السابقة‭ ‬علي‭ ‬وصول‭ ‬الإسلام‭. ‬ويلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الروايات‭ ‬أيضا‭ ‬القول‭ ‬عن‭ ‬الأصلاء‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬مثل‭ ‬السوننكي،‭ ‬بأنهم‭ ‬االحمرب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬واالبيضب‭ ‬االسراكوليب‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬أخري،‭ ‬إشارة‭ ‬إلي‭ ‬صلاتهم‭ ‬الشمالية‭ ‬أو‭ ‬الشرقية‭ ‬إو‭ ‬إسلامهم‭ ‬المبكر‭ ‬مقارنة‭ ‬بجيرانهم،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬المتخصصة‭ ‬أنهم‭ ‬المماليك‭ ‬االإفريقيةب‭ ‬الأصلية،‭ ‬ولكن‭ ‬حركتهم‭ ‬الواسعة‭ ‬كتجار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلي‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬شارل‭ ‬مونتي‭ ‬ابالخليط‭ ‬الإثنولوجيب‭.‬
وبينما‭ ‬صلة‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬ويدركها‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأفريقي‭ ‬علي‭ ‬السواء،‭ ‬وأن‭ ‬مرجعية‭ ‬الجميع‭ ‬تقريبا‭ ‬تبدأ‭ ‬بالمصادر‭ ‬العربية‭ ‬لتاريخ‭ ‬العصور‭ ‬الوسطي،‭ ‬إذ‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬السوننكي‭ ‬وغيرها‭ ‬يتجاهل‭ ‬هذه‭ ‬الصلة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬الأفريقية‭ ‬والثقافة‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭. ‬وإن‭ ‬هذه‭ ‬الصلات‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬لكتابة‭ ‬اللغات‭ ‬الأفريقية‭ ‬بالحرف‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬مدة‭ ‬طويلة،‭ ‬يرجع‭ ‬بعضها‭ ‬إلي‭ ‬القرنين‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬والثالث‭ ‬عشر‭. ‬ولم‭ ‬ترد‭ ‬عند‭ ‬ثقة‭ ‬مثل‭ ‬افنسان‭ ‬مونتيب‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬اإسلام‭  ‬السودب‭ ‬إلا‭ ‬الإشارة‭ ‬العابرة‭ ‬عن‭ ‬صعوبات‭ ‬كتابة‭ ‬اللغات‭ ‬الأفريقية‭ ‬ومرجعيتها‭ ‬الأمهرية‭ ‬أو‭ ‬الفارسية‭! ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬عرضا‭ ‬إلي‭ ‬االمنافسة‭ ‬عمليا‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والأحرف‭ ‬اللاتينية‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشرب‭! ‬من‭ ‬هنا‭ ‬اختفي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المخطوطات‭ ‬الإسلاميةب‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬ضمن‭ ‬تجاهله‭ ‬لصفة‭ ‬بعضها‭ ‬االعربيةب،‭ ‬برصد‭ ‬حصيلة‭ ‬المخطوطات‭ ‬المكتوبة‭ ‬بالحرف‭ ‬العربي،‭ ‬مما‭ ‬يعرفه‭ ‬باسم‭ ‬االعجميب،‭ ‬وهو‭ ‬عنوان‭ ‬لثروة‭ ‬هائلة‭ ‬جديرة‭ ‬بالاهتمام‭.‬
وها‭ ‬نحن‭ ‬مع‭ ‬السوننكية‭ ‬نعرف‭ ‬أعمالا‭ ‬أدبية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬معروفة،‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬أسطورة‭ ‬اوجدوب‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬روايتها‭ ‬الشفهية،‭ ‬وتناثر‭ ‬نصوصها‭ ‬بالحرف‭ ‬العربي‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬السوننكي‭. ‬وقام‭ ‬أساتذة‭ ‬كبار‭ ‬مثل‭ ‬اشارلب‭ ‬وافنسان‭ ‬مونتيب‭ ‬وكذلك‭ ‬الأستاذ‭ ‬اعبدالله‭ ‬باتيليب،‭ ‬بتفريغ‭ ‬بعض‭ ‬نصوصها‭ ‬الشفهية‭ ‬وسجلوها‭ ‬بالحرف‭ ‬اللاتيني،‭ ‬وتمت‭ ‬ترجمته‭ ‬للفرنسية‭ ‬نشرت‭ ‬بنشرة‭ ‬اإيفانب‭ ‬بين‭ ‬أعوام‭ ‬1953/1967،‭ ‬1975‭. ‬وقدم‭ ‬الأستاذ‭ ‬اباتيليب‭ ‬دراسة‭ ‬بشأنها‭ ‬مع‭ ‬نصين‭ ‬آخرين‭ ‬لأساطير‭ ‬ملحمية‭ ‬عن‭ ‬ادامان‭ ‬جيليب،‭ ‬واأسطورة‭ ‬وجدوب‭ ‬مجلد‭ ‬37‭ ‬من‭ ‬النشرة‭ ‬المذكورة‭ ‬لمعهد‭ ‬اإيفانب‭ (‬1975‭) ‬ومنذ‭ ‬البداية‭ ‬كما‭ ‬يعرض‭ ‬اباتيليب‭ (‬1967‭)‬،‭ ‬تتحدث‭ ‬الأسطورة‭ ‬عن‭ ‬انحدار‭ ‬الملك‭ ‬ادينجاب‭ ‬ملك‭ ‬السوننكي‭ ‬من‭ ‬ظهر‭ ‬سلمان‭ ‬الفارسي،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬أولا‭ ‬ابالجزائرب‭ ‬ثم‭ ‬وصل‭ ‬إلي‭ ‬اكومبيب‭ (‬أقصي‭ ‬الساحل‭ ‬الغربي‭). ‬والمعروف‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مقر‭ ‬مملكة‭ ‬اغاناب،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬ذكرها‭ ‬قط‭ ‬في‭ ‬النص‭). ‬وتأخذنا‭ ‬الأسطورة‭ ‬والتاريخ‭ ‬الشفهي‭ ‬إلي‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬الثعبان‭ ‬والعقاب‭ ‬لتوفير‭ ‬مكان‭ ‬لاستقرار‭ ‬المملكة‭ ‬الجديدة،‭ ‬لتكرر‭ ‬قصة‭ ‬سنجاتا‭ ‬وحكاية‭ ‬االفداءب؛‭ ‬الموحية‭ ‬بالتشابه‭ ‬التراثي‭ ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬فتاة‭ ‬جميلة‭ ‬يُفدي‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬عام‭. ‬وأهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬سجلها‭ ‬اباتيليب‭ ‬أن‭ ‬المستقرين‭ ‬في‭ ‬اكومبيب‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬اوجدوب‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬إلي‭ ‬تمبوكتو،‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬االسوننكيب‭  ‬والمالينكي‭ ‬كانا‭ ‬جارين،‭ ‬حتي‭ ‬أدي‭ ‬الطمع‭ ‬بحكام‭ ‬اوجدوب‭ ‬أن‭ ‬يقتلوا‭ ‬الثعبان‭ ‬مصدر‭ ‬الخير،‭ ‬فيتم‭ ‬خراب‭ ‬اوجدوب‭..‬
وبهذا‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬الأسطوري‭ ‬الذي‭ ‬تضرب‭ ‬عناصره‭ ‬الأدبية‭ ‬بين‭ ‬أقصي‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬بمختلف‭ ‬اللغات‭ ‬والملاحم،‭ ‬يتأكد‭ ‬غني‭ ‬الثقافة‭ ‬السوننكية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬الوثيقة‭ ‬والتاريخية‭ ‬بالثقافات‭ ‬المحيطة‭.‬
وأنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أجادل‭ ‬عملية‭ ‬التأريخ‭ ‬احتراما‭ ‬للتخصصات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أجادل‭ ‬البعد‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الأساطير،‭ ‬ولكن‭ ‬سأقدم‭ ‬بسرعة‭ ‬بعض‭ ‬النقاط‭ ‬اللافتة‭ ‬للنظر‭ ‬التي‭ ‬يتوجب‭ ‬علي‭ ‬الباحثين‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬تأريخ‭ ‬الممالك‭ ‬والمسالك‭ ‬بحثها‭ ‬في‭ ‬التأريخ‭ ‬والفولكلور،‭ ‬وتحديد‭ ‬علاقة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬بالعملية‭ ‬التاريخية،‭ ‬لأن‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬مازال‭ ‬يقول‭ ‬الكثير،‭ ‬ومن‭ ‬يقرأ‭ ‬هنا‭ ‬تقديم‭ ‬اشارل‭ ‬مونتيب‭ ‬علي‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لأسطورة‭ ‬اوجدوب‭ ‬التي‭ ‬نشرها‭ ‬معهد‭ ‬اإيفانب‭ ‬بداكار‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬سوف‭ ‬يتعرف‭ ‬علي‭ ‬دور‭ ‬من‭ ‬سماهم‭ ‬االتراثيينب‭ ‬وهم‭ ‬الرواة‭ ‬الذين‭ ‬اتخذوا‭ ‬دور‭ ‬االشاعرب‭ ‬المصاحب‭ ‬دائما‭ ‬للملك‭ ‬باسم‭ ‬اجيسيريب،‭ ‬والذين‭ ‬فضل‭ ‬بعضهم‭ ‬وضع‭ ‬الأستاذ‭ ‬أو‭ ‬المعلم‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أميرا‭ ‬ثم‭ ‬ملكا،‭ ‬وفي‭ ‬رأي‭ ‬اشارل‭ ‬مونتيب‭ ‬نفسه‭ ‬فإنهم‭ ‬كانوا‭ - ‬في‭ ‬النهاية‭ - ‬يحكون‭ ‬ما‭ ‬يُرضي‭ ‬الملك‭ ‬بحكي‭ ‬انتصاراتهم‭ ‬مع‭ ‬تعظيمهم‭ ‬لشعب‭ ‬السوننكي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭.‬
بقي‭ ‬أن‭ ‬أسهم‭ ‬مع‭ ‬القاريء‭ ‬الباحث،‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬ما‭ ‬يتوجب‭ ‬بحثه‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬وإشارات‭ ‬ذات‭ ‬دلالات‭ ‬كبيرة،‭ ‬وتحتاج‭ ‬لدراسة‭ ‬ومقارنات‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬الروايات‭ ‬المتعددة‭ ‬لأسطورة‭ ‬اوجدوب‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬ملاحم‭ ‬شهيرة‭ ‬أخري‭ ‬مثل‭ ‬اسونجاناب‭ ‬أو‭ ‬اسوندياتاب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬اللهجات‭. ‬بل‭ ‬الأمر‭ ‬يتوجب‭ ‬قراءة‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬روايات‭ ‬وتحقيقات‭ ‬مبكرة‭ ‬عن‭ ‬اوجدوب‭ ‬مثل‭ ‬رواية‭ ‬اممادي‭ ‬آيساب‭ ‬التي‭ ‬رواها‭ ‬لديلافوس‭ ‬منذ‭ ‬1908،‭ ‬ونشرت‭ ‬بالألمانية‭ ‬عام‭ ‬1921‭ ‬كما‭ ‬ترجمت‭ ‬للإنجليزية‭ ‬1937،‭ ‬وروايات‭ ‬الحاج‭ ‬موي‭ ‬كمرا‭ ‬1924،‭ ‬أو‭ ‬شارل‭ ‬ثم‭ ‬فنسان‭ ‬مونتي،‭ ‬وباتيلي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬


أما‭ ‬الرايات‭ ‬التي‭ ‬سيطلع‭ ‬عليها‭ ‬القاريء‭ ‬هنا‭ ‬لأسطورة‭ ‬اوجدوب‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬حلقة‭ ‬متماسكة‭ ‬للنقاش،‭ ‬فإن‭ ‬لها‭ ‬قصة‭ ‬بدورها‭: ‬فالأستاذ‭ ‬شارل‭ ‬مونتي‭ (‬1871‭/ ‬1949‭) ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬إنجازه‭ ‬كما‭ ‬يمثله‭ ‬النص‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬عملنا‭ ‬منذ‭ ‬1953،‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬نماذج‭ ‬الباحثين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬التقليديين‭ ‬من‭ ‬ضباط‭ ‬وموظفي‭ ‬المستعمرات،‭ ‬الذين‭ ‬عملوا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مسمي‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الكولونيالية‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬جولاته‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬الفرنسي‭ ‬شغل‭ ‬بحكايات‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬وسجل‭ ‬عن‭ ‬فنانيها‭ ‬الكثير،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬النص‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬الراوي‭ ‬أو‭ ‬الشاعر‭ ‬امالامين‭ ‬تانديانب‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬السوننكي‭ ‬المنتشرين‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬الذي‭ ‬ننشره‭ ‬هنا،‭ ‬وهو‭ ‬بعنوان‭ ‬اأسطورة‭ ‬دينجا‭ ‬ووجدواب‭ ‬عام‭ ‬1950‭ ‬ولم‭ ‬ينشر‭ ‬إلا‭ ‬بعناية‭ ‬ابنه‭ ‬المستفرق‭ ‬أو‭ ‬المستشرق‭ ‬المعروف‭ ‬فنسان‭ ‬مونتي‭ (‬1913-‭ ‬2005‭) ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬توثيوقية‭ ‬عملية‭ ‬لمعهد‭ ‬عريق‭ ‬فرنسي‭ ‬الأصل‭ ‬يتبع‭ ‬حاليا‭ ‬جامعة‭ ‬شيخ‭ ‬أنتاديوب‭ ‬بدكار،‭ ‬هو‭ ‬المعهد‭ ‬الأساسي‭ ‬لأفريقيا‭ ‬السوداء‭ ‬IFAN‭ ‬عدد‭ ‬23‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬وقد‭ ‬قرنها‭ ‬شارل‭ ‬مونتي‭ ‬بتقديم‭ ‬ممتاز‭ ‬عن‭ ‬احملة‭ ‬التراثب‭ ‬وهو‭ ‬فصل‭ ‬االتراثيونب‭.‬
وقد‭ ‬شعر‭ ‬ابنه‭ ‬فنسان‭ ‬الذي‭ ‬تدرب‭ ‬كأنثروبولوجي‭ ‬ومستشرق‭ ‬ثم‭ ‬مستفرق‭ ‬وحمل‭ ‬اسم‭ ‬فنسان‭ ‬منصور‭ ‬مونتي‭ ‬بعد‭ ‬إسلامه‭ ‬1977،‭ ‬وأصدر‭ ‬كتاب‭ ‬اإسلام‭ ‬السودب،‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬ليس‭ ‬كاملا‭ ‬وأن‭ ‬الترجمة‭ ‬ليست‭ ‬وافية،‭ ‬فتعاون‭ ‬مع‭ ‬الشاب‭ ‬السنغالي‭ ‬عبدالله‭ ‬باتيلي‭ - ‬سوننكي‭ ‬الأصل‭ - ‬ليصحح‭ ‬معه‭ ‬الترجمة‭ ‬الفرنسية‭ ‬للأصل‭ ‬السوننكي‭ ‬للأسطورة،‭ ‬وأعاد‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬عددي‭ ‬المجلة‭ ‬رقم‭ ‬1،‭ ‬2‭ ‬عام‭ ‬1978‭.‬
لكن‭ ‬الشاب‭ ‬السنغالي‭ ‬عبدالله‭ ‬باتيلي‭ ‬ذهب‭ ‬إلي‭ ‬إنجلترا‭ ‬للحصول‭ ‬علي‭ ‬الدكتواه،‭ ‬وقرر‭ ‬تطوير‭ ‬نص‭ ‬أسطورة‭ ‬اوجدوب‭ ‬وتسجيلها‭ ‬من‭ ‬راو‭ ‬وحكاء‭ ‬جديد‭ ‬باللغة‭ ‬السوننكية‭ ‬هو‭ ‬امامادو‭ ‬طالبي‭ ‬سيسوخوب،‭ ‬وقدم‭ ‬دراسة‭ ‬وافية‭ ‬عنها‭ ‬هي‭ ‬ملخص‭ ‬رسالته‭ ‬للدكتوراه‭ ‬مع‭ ‬نصه‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مجلة‭ ‬المعهد‭ ‬المذكور‭ ‬عدد‭ ‬37‭ ‬عام‭ ‬1975‭.‬
وقد‭ ‬بذل‭ ‬الأب‭ ‬والابن‭ ‬مونتي،‭ ‬وكذا‭ ‬البروفيسور‭ ‬عبدالله‭ ‬باتيلي،‭ ‬جهدا‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬النصوص‭ ‬بلغتها‭ ‬السوننكية‭ (‬بالحرف‭ ‬اللاتيني‭) ‬وإعداد‭ ‬هوامش‭ ‬هي‭ ‬نفهسا‭ ‬مكملة‭ ‬للنصوص‭.‬
ويعتبر‭ ‬الجهد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬درسا‭ ‬للباحثين‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬إلي‭ ‬النصوص‭ ‬المعتمدة،‭ ‬وكذا‭ ‬التأكيد‭ ‬المنهجي‭ ‬علي‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬النصوص‭ ‬للعمل‭ ‬الشعبي‭  ‬الواحد‭ ‬تأكيدا‭ ‬لمقولات‭ ‬المؤرخ‭ ‬الراحل‭ ‬كي‭ ‬زيربو،‭ ‬والأستاذ‭ ‬انيانيب‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للأسطورة‭. ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬تحيل‭ ‬إلي‭ ‬رموز‭ ‬مهمة‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يسعي‭ ‬الباحثون‭  ‬وراء‭ ‬تحليلها‭ ‬وتفسيرها‭:‬
‭- ‬فثمة‭ ‬نص‭ ‬يشير‭ ‬إلي‭ ‬أصول‭ ‬الملك‭ ‬ادينجاب‭ ‬مع‭ ‬سلمان‭ ‬الفارسي،‭ ‬وإلي‭ ‬وجوده‭ ‬السابق‭ ‬بالجزائر،‭ ‬وآخر‭ ‬يشير‭ ‬إلي‭ ‬الأصل‭ ‬عند‭ ‬عباس‭ ‬بن‭ ‬فرناس‭ ‬السلي‭. ‬ويقول‭ ‬آخر‭ ‬إنهم‭ ‬وصلوا‭ ‬من‭ ‬أورشليم،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬اديابب‭ ‬أحد‭ ‬الشخوص‭ ‬المتعددي‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬أسطورة‭ ‬وأخري‭.‬
‭- ‬وهناك‭ ‬عن‭ ‬اموسي‭ ‬كمراب‭ ‬في‭ ‬ازهور‭ ‬البساتينب‭ ‬تأصيل‭ ‬لعلاقة‭ ‬السوننكي‭ ‬ذهابا‭ ‬وإيابا‭ ‬بأسوان‭ ‬والنوبة‭ ‬ومصر،‭ ‬وأن‭ ‬تشابها‭ ‬كبيرا‭ ‬بين‭ ‬تقاليد‭ ‬فداء‭ ‬القبيلة،‭ ‬وعروس‭ ‬النيل،‭ ‬بتقديم‭ ‬فتاة‭ ‬سنويا‭ ‬للثعبان‭ (‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أحيانا‭ ‬الإله‭ ‬واسمه‭ ‬بيدا‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬تكرار‭ ‬حضور‭ ‬أسطوري‭ ‬للنسر،‭ ‬والعقاب،‭ ‬والتنين‭ ‬ممن‭ ‬يطلبون‭ ‬الفدية‭ ‬من‭ ‬الوسيط‭.‬
فما‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المسميات؟‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬العوالم‭ ‬الأسطورية‭ ‬عند‭ ‬شعوب‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬تشابه‭ ‬تقاليد‭ ‬الحكي‭ ‬ورموزه‭ ‬مع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬والعالمي؟‭ ‬هل‭ ‬نعود‭ ‬لنظريات‭ ‬الانتشار‭ ‬أم‭ ‬الخلق‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬ناقشتها‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬القديمة؟‭ ‬أم‭ ‬تأثير‭ ‬عربي‭ ‬أفريقي‭ ‬متبادل‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬فرضه‭ ‬الاختلاط‭ ‬عبر‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬والحج،‭ ‬وتعدد‭ ‬أشكال‭ ‬التنافس‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬أو‭ ‬العربي‭ ‬علي‭ ‬المناطق‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬وغاباتها‭. ‬أم‭ ‬هي‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬أيضا‭ ‬علي‭ ‬الخلق‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬غني‭ ‬تراثها‭ ‬الثقافي‭ ‬الأسطوري‭ ‬الخاص،‭ ‬مثلما‭ ‬كتبت‭ ‬لغاتها‭ ‬الأصلية‭ ‬بالحرف‭ ‬العربي‭ ‬فيما‭ ‬سمي‭ ‬ابالعجميب؟‭ ‬وهل‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬تستسلم‭ ‬للعربية،‭ ‬فأراحونا‭ ‬من‭ ‬تهمة‭ ‬االغزوب‭ ‬العربي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬لينقلونا‭ ‬إلي‭ ‬مفهوم‭ ‬اتفاعل‭ ‬الثقافاتب‭ ‬وليس‭ ‬االغزو‭ ‬الثقافيب؟‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬يلفتنا‭ ‬هنا‭ ‬بالطبع‭ ‬لسلبية‭ ‬موقف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مؤرخينا‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يتحدثوا‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬االتأثير‭ ‬العربي‭ ‬والإسلاميب‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬في‭ ‬شعوب‭ ‬القارة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬النصوص‭ ‬صارخة‭ ‬هنا‭ ‬بمنتج‭ ‬شعبي‭ ‬واسع‭ ‬الانتشار‭ ‬دون‭ ‬ذكر‭ ‬للإسلام‭ ‬أو‭ ‬العروبة‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬الحدود،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬معني‭ ‬بأي‭ ‬حال‭.‬
بقي‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬باختصار‭ ‬كيف‭ ‬توفرت‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬للأستاذة‭ ‬توحيدة‭ ‬علي‭ ‬توفيق،‭ ‬المترجمة‭ ‬لملحمة‭ ‬سونجاتا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ونشرها‭ ‬المركز‭ ‬القومي‭ ‬للترجمة‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬وقد‭ ‬بذلت‭ ‬جهدا‭ ‬مشكورا‭ ‬في‭ ‬تفحص‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬لترجمتها،‭ ‬وقد‭ ‬ساعدتها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬علي‭ ‬المجلات‭ ‬التوثيقية‭ ‬لهذه‭ ‬النصوص‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬إيفان‭  ‬IFAN‭ ‬بداكار‭ (‬جامعة‭ ‬شيخ‭ ‬أنتا‭ ‬ديوب‭) ‬كما‭ ‬ساعدنا‭ ‬بإخلاص‭ ‬الأستاذ‭ ‬مادي‭ ‬كانتي‭ (‬من‭ ‬مالي‭) ‬بحكم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬السوننكي،‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬ومراجعة‭ ‬الأسماء‭ ‬والمواقع‭ ‬ومصداقية‭ ‬النصوص،‭ ‬وكذا‭ ‬قدم‭ ‬أ‭.‬عثمان‭ ‬جو‭ (‬السنغال‭) ‬مساعدات‭ ‬لوجستيه‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬نشكره‭ ‬عليها‭. ‬كما‭ ‬نشكر‭ ‬د‭.‬شعبان‭ ‬بطل‭ ‬لاستفادتي‭ ‬من‭ ‬كتاباته‭ ‬التاريخية‭. ‬ولا‭ ‬يفوتنا‭ ‬شكر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬وسهل‭ ‬وصوله‭ ‬لمن‭ ‬يحرص‭ ‬علي‭ ‬استيعاب‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬التوثيقي‭ ‬المهم،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نصوصا‭ ‬أخري‭ ‬لهذه‭ ‬الأسطورة‭ ‬مازالت‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ (‬دامان‭ ‬جيل‭....).‬
سوف‭ ‬نقدم‭ ‬هنا‭ ‬تعريفا‭ ‬بنصوص‭ ‬الأساطير‭ ‬المترجمة‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬تاركا‭ ‬للباحثين‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬والدراسة‭:‬
1‭ - ‬النص‭ ‬الأول‭: ‬قدمه‭ ‬الأستاذ‭ ‬شارل‭ ‬مونتي،‭ ‬وضبطه‭ ‬نسبيا‭ ‬عقب‭ ‬وقاته‭ ‬ابنه‭ ‬فنسان‭ ‬مونتي‭ (‬عام‭ ‬1950‭ ‬مع‭ ‬مقدمة‭ ‬مفيدة‭ ‬عن‭ ‬حملة‭ ‬التراث‭ ‬االجيسيريب‭ ‬و‭ ‬نشر‭ ‬النص‭ - ‬نثرا‭ -‬عام‭ ‬1953‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬معهد‭ ‬اإيفانب‭ ‬مجلد‭ (‬23‭) ‬لسنة‭ ‬1953‭.‬
2‭ - ‬النص‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬اشتغل‭ ‬عليه‭ ‬د‭.‬عبدالله‭ ‬باتيلي‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬فنسان‭ ‬مونتي،‭ ‬هو‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الراوي‭ ‬امالامين‭ ‬تانديانب‭ ‬ونسخه‭ ‬وأعاد‭ ‬ترجمته‭ ‬ونشرته‭ ‬مجلة‭ ‬معهد‭ ‬اإيفانب‭ ‬عدد‭ ‬1-‭ ‬2‭ ‬لعام‭ ‬1967‭.‬
3‭ - ‬النص‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أعده‭ ‬د‭.‬عبدالله‭ ‬باتيلي‭ ‬علي‭ ‬رواية‭ ‬امامادو‭ ‬طالبي‭ ‬سيسوخوب‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬إعداده‭ ‬للدكتوراه‭ ‬بلندن،‭ ‬فجاءت‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬ونشرها‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬معهد‭ ‬إيفان‭ ‬مجلد‭ ‬رقم‭ ‬37‭ ‬لعام‭ ‬1975،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬أنها‭ ‬نسخة‭ ‬أكبر‭ ‬وأكثر‭ ‬إيضاحا‭.‬
4‭ - ‬النص‭ ‬الرابع‭ ‬نقلناه‭ ‬عن‭ ‬كتاب‭ ‬شهير‭ ‬في‭ ‬السنغال‭ ‬وأنحاء‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭ ‬وهو‭ ‬ازهور‭ ‬البساتين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السوادينب‭ ‬للحاج‭ ‬اموسي‭ ‬كمراب‭ (‬1863-‭ ‬1945‭) ‬يستعرض‭ ‬فيه‭ ‬تاريخ‭ ‬الممالك‭ ‬وأساطيرها،‭ ‬فأخذنا‭ ‬عنه‭ ‬أسطورة‭ ‬اوجدوب،‭ ‬وهو‭ ‬حكاء‭ ‬تأثر‭ ‬بزياراته‭ ‬لمصر‭ ‬وبلاد‭ ‬المغارب‭.‬
وقد‭ ‬نشرنا‭ ‬المخطوط‭ ‬بخط‭ ‬يده‭ ‬عبر‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬إيفان‭ ‬قسم‭ ‬الإسلاميات‭ ‬رقم‭ ‬42‭ ‬ص‭ ‬190،‭ ‬مع‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬الأستاذة‭ ‬توحيدة‭ ‬لرقمه‭ ‬بالحرف‭ ‬الحديث‭ ‬لتسهيل‭ ‬قراءته‭ ‬ولم‭ ‬يتيسر‭ ‬لنا‭ ‬الاطلاع‭ ‬علي‭ ‬النسخة‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬البابطين‭ ‬أخيرا‭ (‬2010‭).‬