رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

نوبل للأدب بين التحرش الجنسي والفساد المادي

ميلاد جديد أم ذهاب بلا عودة


جمال المراغي
5/12/2018 8:40:36 AM

لم تغب شمس جائزة نوبل للأدب إلا لأسباب تعجيزية خلال سنوات عمرها التي قاربت علي 120، ولكن الأكاديمية السويدية القائمة عليها أعلنت إلغاء جائزة عام 2018، وعللت ذلك بأن اتهامات الاعتداء الجنسي التي وجهت للمصور »جان كلود أرنو»‬ زوج عضو الأكاديمية والشاعرة »‬كاتارينا فروستنسون» من نحو 18 سيدة أثر علي ثقة الجمهور في الأكاديمية وهو ما يتطلب وقتا لاستعادتها، وقد تباينت ردة فعل وسائل الإعلام المقروءة والمواقع الثقافية.
رغم أهمية الحدث وغيابه، ولكن الصحف اكتفت في الساعات الأولي بنشر بيان الأكاديمية ولكن بعضها أخذ يسير في درب المواقع الإلكترونية، وتضمن البيان إلي جانب إعلان الإلغاء، أن الأكاديمية التي يعود تأسيسها لعام 1768 بصدد إعادة هيكلتها، وخاصة فيما يتعلق بالأعضاء وترك مقاعدهم فارغة إن استقال العضو حتي وفاته وغيرها من القواعد، وأيضا ما يخص عملية الترشح للجائزة وأن تكون الخطوات أكثر وضوح وشفافية ووفق قواعد ومعايير وخطوات معلنة، ومراجعة عملية الترشح واختيار الفائزين في السنوات الأخيرة.
تعد هذه المرة الأولي التي تلغي فيها الجائزة منذ عام 1944، حيث ألغيت قبلها 7 مرات، ستة بسبب الحربين العالمية الأولي أعوام 1915و1918 والثانية بين عامي 1940 و1943، وعام 1935 بسبب عدم التوصل لمن يستحقها.
واصلت العديد من الصحف تحفظها وخاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية ولم تتناوله رسميا، أو تتعامل مع الإلغاء كحدث كبير يستحق ملفا ساخنا أو حتي عدد من التحقيقات والحوارات الخاصة، واستعاض البعض منها عن ذلك بمقالات الرأي المزيلة بعبارة أن الآراء التي تتضمنها لا تعبر عن الجريدة.
وأبرزها صحيفة الجارديان البريطانية التي سمحت للكاتبة »‬كلير أرميستير» لتتناول الحدث ومما سجلت »‬ما حدث نتيجة طبيعية لتجاهل الكثير من الخطايا التي تتعلق بالأكاديمية وجائزة نوبل المسئولة عنها في السنوات الأخيرة، ولا أظن أن الطريقة التي يتم بها التعامل مع الأمر مناسبة، فعلي الأكاديمية أن تنشئ مؤسسة دولية مستقلة عبر قواعد صارمة تتولي إدارة جوائز نوبل بتاريخها الذي لا يمكن تجاهله وضياعه أمر مؤسف».
في حين دونت الكاتبة »‬أليكس كلارك» في ذات الجريدة »‬إن وراء البريق الأدبي قذارة كانت رائحتها المنبعثة تجرح الأنوف، لن تتوقف قط عند الاعتداءات الجنسية أو الفساد المالي، فهذه السلوكيات تخفي أخري أخطر»، وربطت كلارك في بقية مقالتها بين ما يحدث مع نوبل وما حدث في هوليود مؤخرا فيما يخص التحرش الجنسي، ونسبت ذلك لما اعتبرته نجاحا للحملة الدولية ضد التحرش والاعتداء الجنسي التي نشطت خلال العامين الماضيين، وشجعت النساء علي الصراخ واتهام من أجرموا في حقهن أيا كانت مكانتهم.
بينما تعاملت صحف أخري مثل جريدة سي بي سي الكندية مع الأمر بجدية أكبر، وبعثت برسالة معلنة للكتاب والأكاديميين ممن يرغبون في الإدلاء بآرائهم حول هذا الحدث الهام الذي لم يغب منذ أكثر من سبعين عاما، وكان الكاتب »‬راسل سميث» بين من أدلوا بدلوهم »‬أعتقد أن انهيار الأكاديمية السويدية المتوقع منذ سنوات طويلة بدأ بهذا الإعلان الذي كان حتميا»، وأضاف »‬ مازلت عند رأيي؛ هذه السرية والتعتيم لم تكن تميز جوائز نوبل، فهي وسيلة لخلق إثارة إعلامية مدت في عمر الجائزة لكن لن تضمن لها الخلود مطلقا».
وشاركت برأيها أستاذة علم الاجتماع بجامعة تورنتو »‬جوديث تايلور» فكتبت »‬بدأ الحدث منذ عدة أشهر بسيطا، ولكن الأكاديمية تعاملت معه بغرور وتكبر كغيرها من المؤسسات حول العالم التي تظن نفسها فوق القانون والمساءلة، ولم تدرك أنها ستدفع ثمن تسترها علي الجرائم الجنسية غاليا، وأن هناك مصائب أخري ستكتشف وستقضي تماما علي هذه المؤسسات التي تلوثت بوصمات لا يمكن محوها».
من ناحية أخري؛ وفي مجلة »‬فايف هوت نيوز» عارض الكاتب الأوكراني »‬سيرجي شيرفيشينكو» ومدير تحرير مجلة »‬أسئلة الأدب» قرار الأكاديمية بإلغاء الجائزة هذا العام »‬لم يكن علي الأكاديمية اتخاذ هذا القرار الذي لوث سمعة جوائز نوبل ولا يمكن تلافي عواقبه في وقت قصير خاصة أن هناك متربصين يعتبرونها أداة سياسية سيئة السمعة».
وبالمجلة ذاتها كتب الكاتب الروسي »‬ميخائيل بوفوف» الحائز علي البوكر الروسية عام 1999 »‬إنها حلقة من حلقات الفساد الذي يتكشف في كل مكان يحل فيه المال ولا يدرك القائمون عليه خطورة ذلك ولا يحترسون، وأمام الأكاديمية أحد خيارين إما التغيير الشامل ومراجعة آراء من انتقدوا قواعدها ومعاييرها بحثا عما يعيد الثقة فيها حقا خلال عام أو اثنين، أو المواءمة ومحاولة خداع الجمهور وهو ما يعني العناد والتعنت، ويعتبر انتحارا من قبل الأكاديمية ونهاية لجائزة عظيمة صنعت تاريخا جيدا رغم المآخذ والانتقادات التي تتعرض لها».
في ذات السياق جاء مقال مزيل بتوقيع المحرر بموقع »‬جيفس» الالكتروني وفيه »‬إنها فرصة رائعة للتأمل حتي تتطور جوائز نوبل وتعود أفضل مما كانت، ولكن يجب مراجعة أمر الثمانية عشر  عضوا سويديا بقدر من الموضوعية، وأن تكون اللجنة المنوط بها اختيار الفائز من جنسيات مختلفة تمثل العالم ثقافيا ولغويا، ووضع معايير لاختيارهم وتغييرهم دوريا».
وتعددت الآراء التي تناولتها المواقع الثقافية المختلفة، منها ما ذكره الكاتب »‬هايلي فيشر» بموقع »‬كالتشر 24» بأن المعالجة تحتاج لوقت ولا يجب العجلة بقدر ما يحتاج للدقة في اتخاذ الخطوات وأن ترتيب البيت أولا ومن ثم التفكير في الجائزة وما تحتاج، واعتبر الناشط الاجتماعي »‬مارك روفرين» أن تأخر الأكاديمية في اتخاذ قرارها بالاعتراف بالخطأ والعمل علي تصحيحه جعلها أمام فوهة مدفع كبير يصعب تفادي قذائفه وذلك بموقع »‬كاينيس».
كما نقل موقع »‬هوم ورد» رأي الكاتب »‬توم ستوبارد» بأن جائزة نوبل ليست أفراداً وأن فساد أو مشاركة بعضهم في أمور شائنة يجب ألا يمس قيمة الجوائز وجوهرها، فالأفراد ذاهبون والتاريخ الذي كتب لن يزول، ومن جانبها سجلت الكاتبة »‬شانون ديفيز» رأيها بموقع »‬ليتل درافت» بأن ما يحدث يجب ألا يمس أي كاتب ممن حصل علي الجائزة ويشكك فيه، ولا يجوز إقحام الفائزين في أمر الأكاديمية مسئولة عنه لعدم فرضها الرقابة اللازمة علي أعضائها وعملهم.
اكتنف ما ذكرته شانون ديفيز عن التشكيك في الفائزين وأليكس كلارك عن الفساد المالي بعض الغموض كشفته تقارير نشرتها بعض الصحف والمجلات السويدية والدانمركية مثل »‬داجبينز نيهتير» و»‬سفيسكا داجالديت» و»‬أوماها»، ونقلته عنهم صحيفتا »‬جلوبال نيوز» و»‬جلوب أند ميل» الكنديتان و»‬دويتشه فيله» الألمانية ويتعلق بتحقيقات نيابية وقضائية موسعة تجري في قضايا فساد مالي تتعلق بتسريب أسماء الفائزين بجائزة نوبل منذ عام 1996 واحتمالية تورط بعض من ظفروا بها.
ويبدو أن هذه الشبهات المحتملة قد بلغت عدداً من الفائزين بنوبل، وهو ما جعل بعضهم يتوقف عن التواصل مع جمهوره الذي لا يغيب عنه أكثر من يوم أو اثنين مثل »‬أورهان باموك» أو »‬باتريك موديانو»، وهو ما يفسر أيضا ما علق به بعضهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل »‬سفيتلانا أليكسيفيتش» وقولها »‬لم أنفق منها شيئا، ويمكن أن أردها»، و»‬بوب ديلان» بعبارة »‬سأتبرع بها»، بينما ذكر الصحفي »‬أليكس شيبرد» بجريدة »‬نيو بابليك» أن »‬كازو إيشيجورو» رفض التعليق علي الأمر.