رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

عبر لغة تمنح قدرة التعبير بشكل مؤثر: هكذا هيمنت فرنسا علي الثقافة الروسية


محمد نصر الدين الجبالي
5/12/2018 8:42:59 AM

 لاشك أن تأثير الثقافة الفرنسية علي أوروبا بأكملها كان طاغيًا في القرنين 18-19 الميلاديين. حيث كانت اللغة الفرنسية هي لغة طبقة النبلاء في أوروبا، وكانت فرنسا تمثل قِبلةً لمشاهير الثقافة والفن والأدب. واحتلت اللغة الفرنسية مكانة مهمة في تاريخ وثقافة الشعب الروسي. وعلي الرغم من وقوع بعض الأخطاء التاريخية والأحداث المأساوية في العلاقة بين البلدين إلا أن الصداقة القائمة علي وجود سمات مشتركة وطبائع أخلاقية متشابهة بين الشعبين كالطيبة والكرم كان لها دور كبير في توطيد الأواصر بين الأمتين الكبيرتين الروسية والفرنسية. وبعد الإصلاحات التي قام بها القيصر بطرس الأكبر، اندمجت روسيا في الحياة الأوروبية، وشهد القرن الثامن عشر تسارعًا في التقارب بين الثقافة الروسية والأوربية، وكذا عمليات تعاون اقتصادي وتجاري واسعة.

 اهتم الروس علي وجه الخصوص بفرنسا، التي كانت في تلك الفترة تمثل المشرع لكل ما هوجديد ونافع وكل ما هو فرنسي سواء كان تاريخًا أوأدبًا أوفنًّا أوعلمًا أولغة.
 وأتاح القياصرة الروس الفرصة للشباب للسفر للدراسة في الخارج ليس فقط في هولندا وإنجلترا بل في فرنسا. وأغلب هؤلاء قام بدراسة علوم البحار في مدينتي تولون وبريست والتي بدأ التوافد عليهما من قبل الطلاب الروس في عام 1720. وفي منتصف ونهاية القرن الثامن عشر وصل عدد كبير من النبلاء الروس إلي باريس وليون ومونبوليه، ومنهم عدد من كبار الأدباء وأشهرهم تريدياكوفسكي وكارامزين وفونفيزين. وقد وصفت تلك الفترة بكونها فترة بناء وترسيخ العلاقات الثقافية بين روسيا وفرنسا.
كما أظهر الفرنسيون اهتمامًا بل وولعًا بروسيا، حيث أولع الفلاسفة فولتير وديدرو وغيرهما بروسيا، وأعربوا عن إعجابهم بمنجزات الإمبراطورة يكاترينا الثانية. كما قام معماريون وفنانون وفلاسفة فرنسيون بالسفر إلي روسيا وزيارة العاصمة سان بطرسبورج. اهتم فولتير بروسيا وهناك رسائل وخطابات متبادلة بينه وبين الإمبراطورة الروسية يكاترينا الثانية، وكذا مع عدد من المثقفين الروس. وفي عام 1746 تم اختياره عضوًا شرفيًّا في أكاديمية العلوم الروسية. ومن أعماله المعروفة “ تاريخ الإمبراطورية الروسية تحت حكم بطرس الأكبر” حيث أشاد كثيرًا بالإصلاحات التي قام بها القيصر. وفي عامي 1782-1783 صدر كتاب ضخم من 5 أجزاء في باريس يحمل عنوان “تاريخ روسيا” لمؤلفه ش. ليفيك. أعقبه كتاب في قواعد اللغة الروسية للمؤلف موردو. كما اهتم د. ديدرو كثيرًا بروسيا، وكان علي قناعة تامة بأن هذا البلد ينتظره مستقبل مشرق. وقام ديدرو بمتابعة التقدم الذي طرأ علي العلوم الروسية، وتعرَّف علي أعمال كبار الفلاسفة والعلماء الروس أمثال ميخائيل لومونوسوف، كما درس اللغة الروسية لكي يتمكن من قراءة أعمال الأدباء الروس في أصلها. كما قام الفنانان ج. بيرليوز وك. ديبيوسي بتنظيم حفلات موسيقية في روسيا.
 وفي الوقت نفسه اهتم أهل العلم والثقافة في روسيا بقراءة كتب الفلاسفة الفرنسيين من أمثال فولتير وديدرو ومونتيسكي، كما اهتموا كثيرًا بالإبداعات الأدبية الفرنسية، فعلي سبيل المثال حظيت أعمال بومارشي بنجاح وانتشار كبير في روسيا. كما شهدت تلك الفترة حركة ترجمة واسعة من الفرنسية إلي الروسية. حتي إن كل الأدباء الروس تقريبًا في القرن الثامن عشر قد اشتغلوا بترجمة أعمال أدبية فرنسية إلي الروسية، ونذكر منهم ميخائيل لومونوسوف وفلاديمير تريدياكوفسكي ود. فونفيزين وغيرهم. وفي بداية القرن الثامن عشر كان الكتاب الفرنسي يحتل المرتبة الثالثة في روسيا بعد الكتاب اللاتيني والألماني. فيما مثَّلت الترجمات من الفرنسية أكثر من نصف حجم الأعمال المترجمة في منتصف القرن الثامن عشر.
في الفترة بين عامي 1789-1812 كانت هناك منطقة لإقامة الفرنسيين وتجمعهم في موسكو. وبعد عام 1812 قام الفرنسيون بتأسيس جمعيات لرجال الأعمال والتجار في مختلف المدن الروسية الكبري.
 كما عمل عدد كبير من الفرنسيين في المؤسسات التعليمية الروسية مثل المدارس الثانوية والجامعات والمدارس الخاصة. كما اشتغل عدد كبير في مجال البحث العلمي ومنهم الدكتور إ. فوجيوي الأستاذ بجامعة سان بطرسبورج. وقد لعبت اللغة الفرنسية دورًا مهمًّا في الحياة الجامعية. وكان هناك عدد كبير من الفرنسيين يعملون أساتذه بجامعة موسكو، ومنهم الأساتذة لابون وراول وليفي وغيرهم. وكان هناك العديد من المقررات التي تدرس باللغة الفرنسية مباشرة، ومنها علي سبيل المثال التاريخ والجغرافيا؛ فضلاً عن اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي.
 وفي القرن التاسع عشر ارتفعت أعداد الروس القادمين إلي فرنسا بغرض الدراسة في السوربون وأكاديمية الفنون الجميلة وكوليج دي فرانس. وظهر جيل من شباب الرحَّالة الروس ذوي التوجهات الليبرالية.
 وفي مطلع القرن التاسع عشر زار فرنسا قادة ثورة الديسمبريين في روسيا ومنهم م. لونين وف. كوخيلبيكير. وفي عام 1828 صرح وزير التعليم الروسي س. اوفاروف بأن الأدب الفرنسي يمثل المصدر الأساسي والدافع الرئيسي لانتشار الأفكار الكاذبة للثوار الديسمبريين. ( ثورة الديسمبريين -1825) ومنذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر اختار مثقفو المهجر الروس فرنسا كمقر للإقامة الدائمة. حتي إن الأديب جيرتسين قام بإنشاء مكتبة للطلاب الثوريين في مدينة نيس الفرنسية، وقام الأديب تورجينيف بالأمر نفسه.
 وقد أدي الاهتمام الكبير من قبل الروس بالثقافة الفرنسية إلي ميلاد ظاهرة الفرانكوفيل أو الولع والتقدير والشغف بكل ما هوفرنسي. وسادت هذه الظاهرة في روسيا في الفترة بين منتصف القرن الثامن عشر إلي الثلث الأول من القرن التاسع عشر.
 كانت معرفة اللغة الفرنسية أمرًا واجبًا وإلزاميًّا علي كل إنسان مثقف في روسيا، وكان المجتمع يقيس بها درجة تعليم الفرد وثقافته. ويرجع السبب في ذلك ليس فقط إلي الدور الذي كانت تلعبه فرنسا في الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية في أوروبا، بل وإلي الدرجة العالية من التطور الذي اتسمت به اللغة الفرنسية حينها.
 وقد تحدث الأدباء الروس عن الدور المهم للغة الفرنسية في الحياة الثقافية للمجتمع الروسي، وتؤكد المواد الأرشيفية درجة الإتقان والكمال والصحة والدقة والسهولة، التي كان الروس يكتبون ويتحدثون بالفرنسية بها. وكانت اللغة الفرنسية تدرس بالمنازل قبل أن يتم تقريرها كمادة دراسية بالمدارس، كما اعتبرت معرفة هذه اللغة مكونًا وشرطًا أساسيًّا في تعليم كل مواطن روسي.
 وقد سعت طبقة الملاَّك والأغنياء في روسيا إلي تعلُّم الفرنسية، حتي إنها كانت تتقن الفرنسية أكثر من اللغة الأم الروسية. وكان هناك اعتقاد أن اللغة الفرنسية تمتلك وسائل بديع وجمالاً في التعبير تمنح المتحدث بها قدرة علي التعبير بشكل راقٍ ومؤثر عن أي شيء، 


سواء كان مهمًّا أوفي أدق التفاصيل الحياتية، كما أتقن الروس من طبقة الملاك والنبلاء طريقة الفرنسيين في التعامل وسلوكياتهم في المواقف المختلفة، كما التزموا بالصيحات الفرنسية في الأزياء وأبدوا اهتمامًا كبيرا بالأدب والفن الفرنسي. كل ذلك ساعد علي شيوع اعتقاد بأن معرفة الفرنسية هي شرط أساسي لمنح الشخص صفه الإنسان المثقف والمتعلم والناجح.
 كما استخدمت اللغة الفرنسية علي نطاق واسع في المؤلَّفات الأدبية الروسية. فنصف أشعار تريدياكوفسكي كتبت باللغة الفرنسية، وهناك عدد من القصائد الشعرية التي كتبها بوشكين وليرمونتوف بالفرنسية. كما شاع استخدام اللغة الفرنسية داخل النص الروسي وفي كثير من الأعمال الكبري ومنها “الحرب والسلام” و”انا كارنينا” وغيرها.
 غير أنه كان هناك رد فعل سلبي لظاهرة الفرانكوفيل من جانب بعض المثقفين الروس الذين يتقنون الفرنسية، ولكنهم انتقدوا طغيان هذه الظاهرة في المجتمع. كان شيوع استخدام اللغة الفرنسية في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ضرورة اقتضتها حاجة المجتمع الروسي حينها، حيث لم تكن هناك لغة روسية تصلح للاستخدام في المجتمع المثقف أوفي أفرع العلوم التي كانت أوروبية التوجُّه. كانت لغة حوار طبقة النبلاء والملاَّك في روسيا في القرن التاسع عشر تحتوي علي كمٍّ هائل من المفردات والتراكيب والتعابير والاقتباسات الفرنسية. وكان من الصعب علي هؤلاء التحدث باللغة الروسية في كثير من الموضوعات؛ ولذا فقد غلب استخدام اللغة الفرنسية في نقاشاتهم.
 حظيت اللغة الفرنسية باهتمام كبير، كما شاع استخدامها لدرجة أن ظهر تيار رأي في ذلك خطرًا علي الهوية الروسية، وتأثير سلبي علي اللغة الوطنية.
 وهكذا يمكن القول إن تأثير الثقافة الفرنسية علي الروسية كان قويًّا، وأن استخدام اللغة الفرنسية كان علي نطاق واسع في المجتمع الروسي، وخاصة بين الأثرياء والنخب المثقفة وشريحة المتعلمين. وقد دفع ذلك العديد من علماء التربية ورجال المجتمع إلي الدفاع عن ضرورة تدريس اللغة الروسية والأدب الروسي في المدارس.
 واختتمت عملية استيعاب الثقافة الفرنسية من قبل الروس بالاهتمام بالأدب، حيث زار فرنسا كل من بيلينسكي وجوجول وتولستوي ودوستويفسكي وتورجينيف. ويعتبر اللقاء الذي تم بين إيفان تورجينيف وب. ميريمي في عام 1857 حدثًا مهمًّا في تاريخ الحوار الفرنسي الروسي. كان ميريمي مولعًا بالأدب الروسي والثقافة الروسية، ولم يهتم فقط بالقضايا الأدبية بل والمشكلات التي تتعلق بتطور اللغة الروسية، وقد انخرط في النقاشات الدائرة عن اللغة الروسية، التي كانت علي أشدها في روسيا، وأطلق ميريمي علي اللغة الروسية لقب اللغة الأكثر ثراءً بين جميع اللغات الأوروبية.
 ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت أعمال دوستويفسكي وتولستوي وأوستروفسكي ونيكراسوف وسالتيكوف شيدرين قد ترجمت بالكامل إلي اللغة الفرنسية.
 وفي عام 1898 تم في باريس تأسيس الجمعية الفرنسية الروسية، التي ضمت أدباء وعلماء مع رجال أعمال وصناعة. كما ظهر عدد من دور النشر المتخصصة في طباعة الكتب باللغة الروسية.
 وفي الوقت نفسه، انتشرت اللغة الفرنسية في روسيا، وشاعت سمات الثقافة الفرنسية في المجتمع الروسي، وتم ذلك ليس فقط بفضل الكتب بل وبجهود الفرنسيين أنفسهم، حيث سافر عدد كبير من الفرنسيين إلي روسيا. وكان من هؤلاء رجال ثقافة مشاهير قدموا إلي روسيا وأقاموا بها، ومنهم ديدرو وديوما الأب والنحات فالكون الذي قام بإبداع تمثال بطرس الأكبر والمعماري مونفيران وفنان الباليه م. بيتيبا، الذي تعاون مع الموسيقار الروسي تشايكوفسكي. كما كان بينهم رجال مجتمع وأرستقراطيون وكتَّاب فروا من فرنسا ومن الثورة الفرنسية، ومنهم الكاتب والفيلسوف جوزيف دي ميسيتر وأخوه الفنان كسافي دي ميستر والأديبة مدام دي ستال والنبيل دي سيجيور والكاتب لويس فيليب دي سيجيور.
 ويمكن القول بثقة إن الروس قد تمكنوا خلال القرنين 18-19 من إرساء حوار بين الثقافتين الروسية والفرنسية، وكان الحوار يتسم بالتوازن في القوة بين الطرفين. حيث كان للفكر الروسي صدي وتأثير في فرنسا، وأصاب الولع والشغف بكل ما هو روسي ليس فقط لدي الشعب الفرنسي البسيط بل والنخبة المثقفة أيضًا والمبدعين.
 وفي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين خفتت حدة ظاهرة الفرانكوفيل؛ إلا أن المؤسسات التعليمية أبقت علي تدريس الفرنسية. واستمر الوضع حتي قيام الثورة الاشتراكية في عام 1917م، كانت اللغة الفرنسية حتي ذلك تحتل مكانة مهمة في النظام التعليمي، وتأتي بعد اللاتينية والألمانية في الترتيب.
 في نهاية القرن التاسع عشر، كانت دراسة الأدب الفرنسي من المتطلبات الإلزامية لفهم الأعمال الأدبية الروسية بشكل جيد. وقد اختارت لجنة الارتقاء بتدريس اللغات المشكلة في عام 1883 عدد من مؤلفات كبار الأدباء الفرنسيين، الذين كان لهم عظيم الأثر علي الأدب الروسي. ونذكر منهم مولير وراسين وكورنيل وباولو وفولتير ولافونتين وديدرو وبومارشي.
 ولعله من المهم أن نفرد مساحة للحديث عن ظاهرة نابليون بونابرت في الأدب الروسي نظرًا للتأثير الكبير والملاحظ في أعمال العديد من الأدباء والشعراء الروس بفعل تأثرهم بالأحداث التاريخية التي وقعت بين البلدين أوبفعل انبهارهم بشخصية هذا القائد الشهير الذي حوَّل مسار التاريخ العالمي، وكان لشخصيته تأثير كبير علي الوعي الروحي لكثير من شعوب العالم. ولم يكن الأدب الروسي استئناء من ذلك.
 ويعود تاريخ ظهور شخصية نابليون في الأعمال الأدبية الروسية إلي عام 1812. فبفعل تأثرهم الشديد بأحداث الحرب الوطنية، قام كبار الشعراء الروس حينها (بوشكين وديرجافين وكريلوف وجوكوفسكي وغيرهم) بتصوير شخصية الإمبراطور الفرنسي بوصفه شخصًا وحشيًّا طاغية محبًّا للسلطة، ويرجع السبب في هذه الصورة أحادية الجانب تجاه شخصية نابليون إلي الروح الوطنية التي سيطرت علي هؤلاء الأدباء خاصة في السنوات الأولي التي تلت الحرب، حيث كانت مشاعر الكراهية هي السائدة تجاه شخص اعتدي علي الأراضي الروسية والشعب الروسي. كان نابليون في تلك الفترة العدو الأول لروسيا؛ لذا فقد انبري الأدب الروسي مدافعًا عن الوطن، وأبدي استعدادًا كاملاً لتجاهل أي سمات شخصية، وقدرات يتمتع بها هذا القائد العظيم.
 فقد قام الشاعر الكبير ديرجافين بكتابة عدد من القصائد عن نابليون، ولعل أهمها قصيدة “ نشيد... نبذ الفرنسيين من الوطن” (1812). وفيها يصور القائد الفرنسي كحيه أونبوخذ نصر ثاني يفوح منه دخان ورائحة نتنة. كما صوَّره أنه “ مسيخ دجال”. وأصبح الوصف الأخير متداولاً وأصيلاً، نظرًا لأنه نقيض وعدوٌّ للمسيح ؛ لذا فإنه محكوم عليه بالقتل والفناء. ونلاحظ في قصائد الشاعر أنه قد التقط بصدق الدافع الأساسي لتصرفات نابليون ألا وهو الطموح الزائد.
 كما قام الشاعر كريلوف في عام 1812 بتصوير نابليون كمحارب، ويتناول المفاوضات التي دارت بينه وبين القائد الروسي الشهير كوتوزوف، التي باءت بالفشل، كما يصور في قصائده أحداث الحرب بالتفصيل ورد فعل الشاعر علي هجوم نابليون علي موسكووسعيه لاحتلالها، واتسمت كل قصائد كريلوف بانتقاد نابليون بشكل حاد، واتهام جيشه بالسطووالنهب.
 كما قام الشاعر جوكوفسكي في قصيدته “ رسالة إلي الإمبراطور الاسكندر” بهجاء نابليون بشدة. ووصف الإمبراطور الفرنسي بكونه نبتًا شيطانيًّا يبعث الرعب والفوضي والحرب. وفي قصائده عن حرب 1812 يتحدث الشاعر عن عجرفة نابليون وتعاليه غير المستحق ورغبته أن يهيمن علي العالم.
 ولا تختلف رؤية الكسندر بوشكين لنابليون عن تناول سابقيه لهذه الشخصية. ففي قصيدة بعنوان “نابليون علي شاطئ نهر الإلبا” (1815) رسم بوشكين شخصية الإمبراطور الطاغية المتعطش للسلطة، الذي تسيطر عليه أحلام المجد والقوة.
 وفي نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر، والسنوات اللاحقة شهدت العلاقات بين الأباطرة الروس ونابليون بونابرت كثيرًا من التناقضات؛ الأمر الذي أدي إلي تباين الآراء حول شخصيته، حيث لم تعد شخصيته سلبية علي الدوام. يشير الباحث جرونسكي إلي أن كتَّاب تلك الفترة في روسيا استوعبوا حقيقة أن الإنسان الواحد يمكن أن تكون لديه مناقب مثلما لديه مثالب وعيوب. وشهدت العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر ظهور أعمال أدبية وكتابات تصور نابليون كشخصية تاريخية عظيمة بعيدًا عن تناول الأحداث، والصدام مع روسيا.
 وفي نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، بدأ كتَّاب النثر الروس أيضًا في الكتابة عن نابليون، حيث تناول كل من زاجوسكين وبولجارين وبروتوبوبوف شخصية نابليون في رواياتهم وانطلقوا من فكرة وحقيقة مسلَّم بها ألا وهي عظمة الإمبراطور الفرنسي التي لا خلاف عليها.
 وهكذا يمكن القول إن المستوي العالي لتطور الثقافة والعلوم والتحولات الاجتماعية، التي شهدتها فرنسا والروابط الثقافية الوثيقة بين روسيا وفرنسا والاهتمام الكبير من قِبل روسيا بفرنسا تمثل عوامل وأسبابًا قوية ساعدت علي تحول معرفة اللغة الفرنسية إلي أحد أهم أسباب تضاعف وتنامي القدرات الثقافية والفكرية في روسيا، ودعم تطورها الثقافي.
 ولم يخفت الاهتمام بفرنسا وبالثقافة الفرنسية حتي اليوم في روسيا، حيث تلعب اللغة الفرنسية دورًا متناميًا في تطور علم اللغة الثقافي المعاصر في أوروبا ما بعد توحيدها، وينظر إليها الروس بوصفها اللغة الثانية في العالم، واللغة التي لها فضل كبير في تطور الحضارة الأوروبية، والتي تمثل قيمة كبري لدي الكثير من شعوب أوروبا.