رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

كهف تايلاند


د. ريم بسيوني
7/21/2018 12:23:52 PM

واقعة انقاذ اطفال كهف تايلاند تدعو للتأمل ولمحاولة إعادة فهم المواقف والاحداث في مصر وخارجها. كل ما يعرفه المصريين عن تايلاند هو السياحة والاماكن الطبيعية. ولو سألت مصري عن ديانة تايلاند بعضهم سيعرف أن معظم التايلانديين بوذيين، وبعض المصريين سينعتهم بالكفر طبعا.  ولكن بعيداً عن الدين مع أن هذا شأن هام، ما فعله الغطاسين التايلانديين والأطباء والساسة والمنقذين لابد ان يدرّس في العالم وخاصة في مصر للطلاب وللحكومات والشعوب بشكل عام.
الحكاية في بدايتها بسيطة عن مدرب كان يريد الاحتفال مع طلابه بعيد ميلاد أحدهم في رحلة إلي كهف، وشاء القدر أن يحدث فيضان فيضيع أثر الطلاب والمدرب لعدة أيام، وماذا تفعل الدولة في تلك الحالة؟  تفقد الأمل في عودة الطلاب المستحيلة؟ ام تبدأ رحلة صعبة وخطيرة من البحث و التخطيط.  
خطط التايلنديين بمساعدة غواصين من كل دول العالم للمجازفة ومحاولة إنقاذ الأطفال الـ 11 و كأن العالم يتوقف علي عودة هؤلاء إلي ذويهم سالمين.  في أثناء هذه المحاولة، بينما يحاول أحد الغطاسين أن يوصل الأكسجين للطلاب، لقي هو مصرعه.  هل ننحني الآن احتراما لرجل مات حتي يعيش 11 طفل؟ أيستحق منا هذا الرجل ان نتأمل حالنا ام لا؟  ماذا قدم هذا الرجل للإنسانية وماذا قدم غيره؟
في قصة إنقاذ الأطفال علي مدي عدة أيام الكثير من الحكم والدروس، ولكن أهمها هي روعة هذا الشعب وقدرته علي الصبر في المصائب ورباطة جأشه وصبره وتعامله الراقي مع الكوارث.  كتب المدرب رسالة اعتذار للاباء والأمهات علي الذهاب للكهف بينما هو محاصر بالماء، فماذا كان رد الآباء والأمهات؟ هل كان شتائم واتهامات للمدرب؟ هل كان رسالة يأس من رؤية أولادهم؟  لا، بل طلبوا منه ألا يلوم نفسه.  وانتظروا في صبر وأمل ممتزج باليقين. كيف جاء هذا اليقين لهؤلاء؟ ولماذا هذا الصبر وقت الشدائد؟  وماذا يعلمنا موقفهم عن الحكمة والتواضع والسيطرة علي الاهواء؟
رحلة الإنقاذ كانت مدروسة بعناية واستغرقت أكثر من ثلاثة أيام وفي كل يوم كان يمكن إنقاذ أربع أطفال فقط.  ولا يدري الآباء والأمهات كيف تم اختيار الأطفال ولا نعرف تحديدا من خرج أولاً ولماذا تم اختياره ولكننا نعرف أن ثقة المواطن في صحة قرار المسؤول كانت مئة بالمائة.  هل صادفنا هذه الثقة في بلادنا؟ وكأن هناك ميثاقا بين المواطن والمسئول، أن المسئول همه الأول هو إنقاذ كل طفل، وانه لن يتخلي عن الضعيف أو القوي.  في تلك الحالة صبر المواطن بيقين في سلامة النية والعمل المخلص.  
لا حيلة لي أمام هذا الموقف سوي طرح الاسئلة وربما النظر بعين الحسد لشعب ومسئول تصرفا بحكمة وشجاعة وتواضع. و لم استطع أن أمنع نفسي من تذكر حادثة أكثر تأثيراً واكثر ألما حدثت في مصر قبل ثورة يناير وهي حادثة غرق عبارة السلام علي مدي ساعات وأشاع حينها أن المسئول كان نائما ولم يجرؤ أحد علي إيقاظه، فأنتظروا حتي الصباح  وبالطبع لم يأت الإنقاذ علي قدر المصيبة علي الاطلاق، وفقد المواطن ثقته في حكومته وكان غرق العبارة من الاسباب الرئيسية لثورة يناير فقد كانت لحظة فارقة في حياة الشعب وقفت حينها حكومته عاجزة عن حمايته  وأدرك الشعب هذا بسرعة. فكما تعاطف العالم مع أطفال الكهف، أدرك المصري مصير غارقي عبارة السلام.
في كل الأديان يبقي انقاذ النفس اسمي هدف وغاية ولا يسعنا سوي ان ننحني احتراما للتايلانديين.