رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

آبايل تشيسالا.. الفخر بالهوية


نصر عبد الرحمن
11/10/2018 10:50:18 AM

هي شاعرة أفريقية شابة، حققت شهرة عالمية علي الرغم من حداثة عمرها. ولدت آبايل تشيسسالا في جمهورية مالاوي (جنوب تنزانيا) عام 1994. تأثرت بالتراث الشفاهي لقبيلة الزومبا التي تنتمي إليها، وتعلمت رواية القصص الشعبية منذ طفولتها الأولي، ثم بدأت تكتب قصصاً قصيرة علي غرار الأساطير والملاحم الأفريقية. ولم تتعرف آبايل إلي الشعر إلا في السابعة عشرة من عمرها، بعد أن سافرت إلي الولايات المتحدة الأمريكية والتحقت بجامعة بالتيمور، ثم حصلت علي درجة الماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة أكسفورد في 2017.
قرأت آبايل أعمال شاعرات أفريقيات أثناء إقامتها في الولايات المتحدة وبريطانيا، واكتشفت أن الشعر يمتلك طاقة روحية هائلة، ويمنحها قدرة أكبر علي التعبير. وبدأت كتابة الشعر وهي طالبة في الجامعة، ولم تتردد في نشر ديوانها الأول »سحر ناعم»‬ عام 2015، ثم تبعته بديوانها الثاني »‬رحيق» عام 2017. ومن المدهش أنها حققت شهرة واسعة علي الرغم من طباعة عدد محدود من النسخ الورقية علي نفقتها الخاصة، ويرجع الفضل في ذلك إلي توزيعهما إلكترونياً علي الإنترنت، عبر منصة أمازون ومواقع التواصل الاجتماعي.
ولعل أكثر ما جذب النقاد والقرّاء في الغرب لقصائد آبايل هو فخرها الشديد بذاتها وهويتها الأفريقية، وإخلاصها لجذورها الريفية في قرية ليكوما، توازياً مع انفتاحها علي العالم الحديث وحرصها علي اكتساب خبرات جديدة. وتقول عن ذلك: »‬أنا كاتبة من مالاوي، مهما كان المكان الذي أُقيم فيه. بداخلي صراع بين التقاليد والحداثة، لكنه صراع من النوع المحمود».
ويتجلي الفخر بالهوية في قصائد آبايل ومقابلاتها الصحفية المتعددة بوضوح شديد، ولكنها تعتبر الخنوع لبعض التقاليد البالية نوعاً من الخيانة للتراث الأفريقي ذاته. وهي ترفض إغراق الجيل القديم من مبدعي القارة في مناقشة المرحلة الاستعمارية، كما ترفض محاولات المؤسسات الغربية لوصم أفريقيا بالتخلف واعتقاد الشباب الأفريقي أن دول الغرب هي المستقبل. وتحاول آبايل كذلك هدم التصنيف السائد عن الجمال الأنثوي في العالم، دفاعاً عن جمال المرأة ذات البشرة السوداء في قصائدها.
ويحتفي ديوانها الأول بجمال المرأة الأفريقية جسداً وروحاً، وتُبشر بإمكانية نجاح المبدعات الأفريقيات في التعبير عن أنفسهن وتعتقد أن انتشارهن علي الساحة الأدبية العالمية لن يتحقق إلا بحرص الدول الأفريقية علي الاحتفاء بهن. وتناقش قصائد الديوان الثاني صعوبات الحياة في دولة أجنبية والتقاليد الحاكمة للعلاقة بين الجنسين، إضافة إلي استعراض قضايا المُهمشين والثقة في جمال المستقبل.
ويمكن أن نرصد مدي تأثر آبايل بالسرد القصصي أثناء كتابة الشعر، إذ تعرض قصائدها تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية، وغالباً ما تستخدم الحوار بين شخصين، إضافة إلي حرصها علي الإشارة إلي تاريخ الشخصية وتحليل دوافعها. ونري كذلك تمكنها الواضح من التعبير عن ذاتها باللغة الانجليزية، وقدرتها علي اختيار كلمات دقيقة تعكس المشاعر والأحاسيس باقتدار. وتستخدم آبايل كلمتي »‬امرأة» و»‬جلد» في أغلب قصائد الديوانين؛ للتعبير عن المرأة الأفريقية ذات البشرة السوداء، وتقرنهما بالتحدي والشموخ، في محاولة منها للسخرية من كافة المواضعات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمرأة الأفريقية.
نجحت آبايل في النفاذ إلي عقول وقلوب القرّاء بلغتها المتميزة وطرحها الطازج الجسور لقضايا قُتلت بحثاً. وأكبر دليل علي هذا النجاح هو احتفاء النقاد والمجلات الأدبية الغربية بإبداعها، فضلاً عن انتشار مقتطفات من قصائدها علي وسائل التواصل الاجتماعي. ولا يزال أمام آبايل طريق طويل للاستكشاف والإبداع، ولكن تجربتها حتي الآن أثبتت عملياً أن التقاليد المتحجرة والحواجز الثقافية أصبحت، بالفعل، جزءاً من الماضي.