رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

الرواية الأفريقية.. التأسيس والتجنيس


شوقي بدر يوسف
3/16/2019 12:54:14 PM


القارة الأفريقية تفاعل فيها الفن الروائي، وأخرج لنا العديد من الكتّاب الذين بصموا هذه المنطقة من الكتابة السردية بإبداعاتهم، ومنجزهم الروائي المتميز الذي نافس هذا الفن في أوروبا والأمريكتين وأصبح حالة من حالات المنجز السردي العالمي المشار ببصمته القوية علي المشهد العام في زمن الرواية الآني.

إن محاولة وصف الأدب الأفريقي كمصطلح يثير مشكلة فنية، وجدلاً كبيراً حول طبيعة هذا المصطلح. فما هو الأدب الأفريقي، وكيف نحدده؟ أهو أدب منطقة جغرافية بعينها؟، أم أن هناك بالفعل واقعا إبداعيا أفريقيا له أبعاد جغرافية قارية تدفعنا إلي البحث عن التعريف الواضح الشافع لهذا المصطلح الملتبس في معناه ومبناه؟. لقد وضعت هذه الإشكالية موضع البحث في مؤتمرات أفريقية كثيرة، كثر الجدل حولها دون أن تنتهي إلي حل مرض لها، ويخلص المرء من هذه المناقشات بأن صفوة المثقفين الأفارقة الجدد إنما يعنيهم الأدب الأفريقي القاري باعتباره فرضا من فروض البحث لا باعتباره واقعا له أبعاده الحقيقية، ومن الجلي أيضا أن مثل هذه المناقشات تتجاهل الأسس التاريخية، المرتبطة بالتأسيس لهذا الأدب، وهي وحدها القادرة علي تفسير ظاهرة »الأفريقية»‬. ويكفي هنا أن نقول إن الأدب الأفريقي هو الأدب الذي يصّور واقعا أفريقيا في كل أبعاده، ولا تشمل هذه الأبعاد أوجه الصراع مع قوي خارج القارة فقط، بل تشمل أيضا وعلي وجه الخصوص أوجه الصراع داخلها. وأقصد بأن كلمة الصراع هنا أنها تتمحور حول المعني الثقافي المتمثل في الملاحقة، والمتابعة وراء سلطة المصطلح ومحاوره المختلفة.
والأدب الأفريقي كما حدده الدكتور جوريس سيلينكس أستاذ الأدب الأفريقي بجامعة كارنيجي ميلون بالولايات المتحدة الأمريكية هو الإنتاج الأدبي للشعوب الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية الكبري، والذي بدأ زمانيا مع عهد الاستعمار الأوربي للقارة». وهو يتسم بالمحلية الشديدة، فهو أدب يتشرب من الميثولوجيا، والبيئة، والعادات، والتقاليد، والدين، والخرافات، والأساطير، هذه العوالم جميعها تصب دائما في كل أجناس الأدب الأفريقي بصورة أو بأخري، وهي دائما ما تكون محفزا علي تنضيد الموروث الأفريقي بكل أبعاده داخل أنسجة الإبداع أيا كان شكله أو صورته : ولعل أهم ما يميز الجيد من الأدب الأفريقي الحديث أن له شخصيته واهتماماته الخاصة، هذا بالإضافة إلي تلك الصفات التي تجعل منه أدبا عالميا يستمتع به الأفريقي وغير الأفريقي.
ومن المواضيع الهامة التي يعالجها الأدب الأفريقي فكرة غزو الحضارة الأوروبية للحياة الأفريقية وقضائها في كثير من الأماكن علي نوع متميز من الحياة له تقاليده ومعتقداته، وقد تكون له مساوئه ولكن له محاسنه وقيمه المتجزرة داخل القارة السوداء، التي لم يكن الأوربي المستعمر بقادر علي فهمها واستيعابها لأنه كان ينظر إلي القارة السوداء، نظرة ضيقة خاطئة».
والرواية الأفريقية تمثل الآن حالة من حالات التحولات السردية في المشهد السردي العالمي بفضل عدد من كتاب أفريقيا الذين فاز العديد منهم بجوائز عالمية، أبرزها جائزة نوبل للآداب التي فاز بها  كل من النيجيري »‬وول سونيكا» 1986، والمصري »‬نجيب محفوظ» 1988، وحظيت جنوب أفريقيا بهذه الجائزة مرتين الأولي علي يد »‬نادين جورديمير» 1991، والثانية فاز بها »‬جون ماكسويل كويتزي» عام 2003، كما فازت بها أيضا الكاتبة وروائييها الأمريكية ذات الأصول الأفريقية »‬توني موريسون» عام 1993، كذلك فاز كثير من الكتّاب الأفارقة وروائيها علي وجه الخصوص بكثير من الجوائز العالمية الأخري، مثل البوليتزر والبوكر والجونكور والأورانج النسائية، فضلا عن الإرهاصات الأولي للرواية الأفريقية التي بدأها الكتاب الزنوج في أمريكا وغيرها من البلدان الأخري – إبان عصر التفرقة العنصرية - بروائيين كانت لهم رؤية خاصة بهم، وبإنجازهم الأدبي نبعت من تلك الجذور التي قدموا منها، ومن التمرد علي نزعة العنصرية التي كانت سائدة خلال فترة من الفترات في هذه البلدان التي كانوا يعيشون فيها، كما كان لتشبثهم بالموروث الأفريقي المحلي، وتجديد الحياة في القرية، والأرض الأفريقية السوداء دوره المهم في إنجاز عدد من النصوص الروائية المتفاعلة مع هذه الخصيصة. إضافة إلي المرارة التي زرعها الاستعمار الأبيض في قلوب الأفارقة للاستحواذ علي الثروات والأرض والإنسان، كانت جميعها الرافد الحقيقي للأدب الأفريقي خاصة في مجال الرواية والقصة القصيرة والسرد علي إطلاقه، إضافة إلي فنون الشعر والمسرح في حداثتها الآنية.
 ويمثل الأدب الأفريقي والرواية الأفريقية علي وجه الخصوص الآن أيقونة مهمة في ساحة الأدب العالمي لما له من سمات خاصة،  في توجهه الإبداعي استحوذت في كثير من الأحيان علي  هويته الخاصة حيث يكتب عدد كبير من أدباء أفريقيا باللغات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والإسبانية، وقد عاشت أفريقيا وهي خمس مساحة اليابسة تقريبا حياة مريرة طوال تاريخها. وظهر أدبها أول ما ظهر خارج القارة علي يد الأفارقة الذين سيقوا منها عنوة إلي القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية، قبل أن يتمكن أبناؤها داخل القارة من تفعيل ورسم الخطوط العريضة للأدب الأفريقي المحلي فيها بانفعالاتهم وأقلامهم وأفكارهم ورؤاهم الإنسانية الخاصة.
من هنا نستطيع أن نسقط علي هذا المشهد السردي المهم ضوءا مبهرا يعّرف القارة الروائية (أفريقيا) والمنجز السردي فيها، وهو في أرفع حالات توهجه وتألقه وحضوره، ويعرّف العالم بأن الرواية في أفريقيا لا تقل حضورا وتميزا عن مثيلاتها في أي منطقة من مناطق العالم بكتابها ومبدعيها، وقضايا واقعها، وتقنيات كتابتها. وقد بهرت الرواية السوداء في أمريكا المجتمع الأمريكي علي يد العديد من الكتّاب الزنوج القادمة جذورهم من القارة السوداء (أفريقيا)، أمثال ريتشارد رايت (1909- 1960) صاحب رواية »‬ابن البلد» والذي وضع في روايته، وفي أدبه الصارخ اتهاما صريحا للمجتمع الأمريكي عبّر فيه عن غضبة الزنوج في أمريكا بقتل إنسانيتهم من خلال قوانين التفرقة العنصرية التي كانت سائدة آنئذ، كذلك الروائي رالف اليسون (1914-1994) صاحب الرواية الشهيرة »‬الرجل الخفي»، فقد علمّت هذه الرواية جيلين من القراء السود والبيض كيفية التفكير في أنفسهم، فما تزال الكلمات التي استهل بها رالف أليسون روايته ترن في أسماع القارئ بعد أكثر من خمسين عاما من كتابتها لأول مرة »‬: أفهم أني رجل خفي لسبب بسيط هو أن الناس يرفضون أن يروني». وقد كتب رالف أليسون روايته كقطعة هجاء روائية عن حي هارلم في مدينة نيويورك، والجنوب الأمريكي بصفة عامة. كذلك الكاتب الأسود جيمس بولدوين (1924-1987)، أشهر كاتب روائي ومسرحي زنجي في أمريكا، أعماله الروائية والمسرحية الساخطة علي المجتمع الأمريكي لفرط عنصريته، ومغالاته في الظلم والإرهاب تجاه الجنس الأسود العائش علي أرضه، والتي قدمت لنا الكاتبة الأمريكية (فيرن مارجا أكمان) دراسة عن حياته في كتابها »‬حياة جيمس بلدوين الساخطة» قدمت فيها بلدوين الثائر الذي عاش حياته كلها في ثورة مليئة بالمرارة والحماس، وانعكس ذلك كله علي رواياته ومقالاته الملتهبة التي اتهم فيها أيضا المجتمع الأمريكي بالعنصرية وقتل السود، والروائي الأسود الظاهرة »‬الكيس هيل» صاحب رواية »‬الجذور» الشهيرة والتي تحكي عن عائلة أمريكية سوداء من خلال حفيدها »‬كونتا عمر كنتي» الأفريقي الذي تحوّل إلي أسطورة. وقد مثل هؤلاء الكتّاب وغيرهم كثيرون، القارة الأفريقية في المجتمع الغربي الجديد في أمريكا بأعمالهم الروائية والسردية المبهرة في إرهاصات أولية قبل أن تبزغ شمس الرواية علي الأرض الأفريقية ذاتها. كما تمثل الكاتبة الأمريكية »‬توني موريسون» الحائزة علي جائزة نوبل عام 1993 حالة من حالات كتّاب الأدب المتفاعل مع الجذور الأفريقية، وهي علي حد قول أليسون فلود في صحيفة الجارديان البريطانية بأن توني موريسون تبقي أيقونة للخيال المبدع، والمعني الشاعري في هذا الزمان نسجا علي منوال الأكاديمية السويدية التي ذكرت عند منحها جائزة نوبل »‬أن رواياتها تتميز بقوة البصيرة والمضمون الشاعري الذي يمنح الواقع الأمريكي ملامحه الأساسية»، وتوني موريسون اسمها الحقيقي (كلون أنطون/دفورد) وكان فوزها بهذه الجائزة يعني فوز المبدعات الزنجيات السود جميعاً. والكاتبة »‬أليس وولكر» الحائزة علي جائزة البوليتزر الأمريكية عن روايتها »‬البشرة الأرجوانية» والتي تؤرخ زمنيا لحياة امرأة سوداء من الجنوب الأمريكي تعاني عنصريا من الإيذاء الجسدي والمعنوي. ولكنها تنتصر في النهاية علي الاضطهاد العنصري من خلال الحفاظ علي ثقافة السود في أمريكا وإرثهم التراثي وتواريخهم السائدة والثابتة.
علي الجانب الآخر نجد أن القارة الأفريقية قد تفاعل فيها الفن الروائي، وأخرج لنا العديد من الكتّاب الذين بصموا هذه المنطقة من الكتابة السردية بإبداعاتهم، ومنجزهم الروائي المتميز الذي نافس هذا الفن في أوروبا والأمريكتين وأصبح حالة من حالات المنجز السردي العالمي المشار ببصمته القوية علي المشهد العام في زمن الرواية الآني.
ويعد كل من النيجيريين وول سونيكا، وشينوا أتشيبي، وأموس تيوتولا، والسنغالي عثمان سمبيني، والصومالي نور الدين فرح، والكيني نفوجي واثيونجو، والغيني كامارا لايي، والكاميروني مونجو بيتي، والجنوب أفريقي أزكيل مفاهليلي، وأليكس جوما. من الأسماء التي كتبت أدبا إنسانياً عبرت به عن ذاتها، وعن هويتها الأفريقية، وطبيعة الأرض التي نشأت عليها وحافظت علي إرثها وموروثها الإبداعي من الضياع، والتمرد السائد في رؤيتهم وبحثهم عن الحرية للإنسان الأفريقي. إضافة إلي ذلك فإن: التجارب الأولي في كتابة الرواية باللغات المحلية المكتوبة قبل عقود من ظهورها باللغات الأوربية. وبالرغم من قلة هذه اللغات المحلية المكتوبة فقد أثبتت مرونتها الشديدة في استيعاب شكل فني، معقد، ومركب، مثل فن الرواية، وكانت البداية في جنوب القارة – حيث يوجد عدد من اللغات قام المبشرون بتدوينها – لأغراض دينية – منذ النصف الأخير من القرن الماضي، وترجموا إليها الإنجيل والكتب الدينية والمدرسية، ثم انتشر التعليم بها في مدارس الإرساليات وقامت مطابع هذه الإرساليات بطبع الإبداعات الأفريقية المكتوبة بها. وعلي رأس هذه اللغات لغة التونجا في زامبيا، ولغة الشونا في زيمبابوي، ولغة السوتو في ليسوتو، ولغة الزوسا والزولو في جمهورية الجنوب العنصرية». وعلي مستوي الريادة في هذا الفن يعد »‬توماس موفولو» أول روائي يكتب رواية فنية في أفريقيا وهي رواية ِ»‬مسافر إلي الشرق» كتبها بلغة قبيلة السوتو، لذا كانت له قصب السبق والريادة في هذا المجال، ولا ندري إن كان موفولو قد اطلع علي روايات أوربية قبل كتابته روايته هذه أم لا. وتوالت بعد ذلك الكتابة الروائية بلغات عدة في كثير من أنحاء القارة، وكلها تنادي بتحدي الاستعمار، والمطالبة بالاستقلال والتحرر من ربقته البغيضة  في شتي اشكالها ومظاهرها. وهو ما أشار إليه فرانز فانون عن المخاطر الكامنة في النظر إلي الثقافة كشيء ثابت جامد وذلك في البحث الذي تقدم به إلي المؤتمر الثاني للكتاّب السود الذي عقد في روما سنة 1959 والذي ضمنه بعد ذلك كتابه »‬المعذبون في الأرض». ولا شك أن دراسة الأدب الأفريقي، خاصة فن الرواية، وتحليل اهتماماته يعكسان إضافة إلي الموقف المضاد للاستعمار، والجهد الذي يبذله الكتّاب الأفارقة في سبيل تأكيد أصالة الثقافة الأفريقية من جهة، والرغبة في دفع أفريقيا علي طريق التقدم من جهة أخري، ويبدو الأدب في نفس الوقت بمثابة القاعدة الصلبة للوعي الثقافي، والأداة الفعالة في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي علي صعيد القارة السوداء.