رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

يطبع فوراً


السمّاح عبد الله
1/26/2019 3:03:45 PM

لم أر في حياتي كلها شاعرا بهذه المقدرة علي الدأب والإصرار والإلحاح، التي رأيتها في هذا الشاعر.
كان شاعرا بوهيميا، يضع في حقيبته القماشية نصف رغيف، وبصلة، وفولا سودانيا بقشره، وملاءة مطبقة، ويأتي قبل الموظفين، يقف علي الباب، في انتظار أن نجلس علي مكاتبنا.

هو لا يكف عن الكلام، يتكلم في أي موضوع، فإذا تحدثت موظفتان عن طريقة طبيخ السبانخ، حدثهما عن أهمية تسبيك التقلية بالثوم، وإذا اشتكي موظف من أن سجائر السوبر غير متوفرة في الأسواق، وصف له عشرين دكانا وكشكا يبيع السوبر، هو في الحقيقة لا يفهم في الطبيخ علي الإطلاق، ولا يشرب السجائر السوبر، وإنما كيف يكون هناك موضوع مفتوح للكلام ولا يقول فيه القول الفصل؟ المصيبة الكبري ليست في كل هذا، لهان الأمر ساعتئذ، فالثرثارون كثر، والذين يفتون فيما لا يفقهون علي قفا من يشيل، أما أن يكون هذا هو سلوكه في الشعر، فهو أمر فوق طاقة البشر علي الاحتمال.
هو لم يكن صديقي، وإنما ابتلاني به الصديق الشاعر »أحمد الحوتي»‬، و»‬أحمد الحوتي» ليس زميلا لنا في هيئة الكتاب، هو كان موظفا في الهيئة العامة لقصور الثقافة، ويدير تحرير سلسلة »‬إشراقات أدبية» عندنا، ولا يفعل في حياته غير شيئين يحبهما جدا، الذهاب إلي عمله في قصور الثقافة، وانتظار السيدة زوجته علي كورنيش النيل كل يوم، لم أر في حياتي كلها رجلا ينتظر زوجته بكل هذا الحب والشوق كما كان »‬أحمد الحوتي» يفعل مع زوجته المذيعة في البرنامج العام.
سلمني »‬أحمد الحوتي» مخطوطة ديوان صديقه الشاعر البوهيمي، وقدمه لي بكثير من الترحيب به، والمبالغة في أخلاقه، مع توصية بسرعة فحص الديوان.
منذ تسلمت المخطوطة في أوائل عام 1988 وحتي بدايات عام 1992، والشاعر البوهيمي يأتي لنا بشكل يومي، حتي لتظن أنه لا يغادر المكان أبدا، وأكبر الظن أنه كان يأتي في أيام الجمع والعطلات الرسمية.
في البداية تعاملت مع الأمر بشكل طبيعي، شاعر يستعجل نشر ديوانه، حتي فوجئت أنه يمثل بالنسبة لي الماء والهواء وحروف الكلام، فلا جلسة أجلسها إلا وهو فيها، ولا مكتب أذهب إليه إلا وهو معي، حتي مواعيدي العاطفية مع زميلاتي الفضليات اللواتي يرطبن جفاء الأيام الوظيفية العجفاء، يسبقني إليهن فيها، ويجلس علي كرسي قريب منا في كازينو الشجرة، وربما يرفرف هواء النيل شعر صاحبتي الطويل، فينبهني إلي ضرورة اصطياد هذه الصورة الشعرية الطبيعية.
كنت قد قرأت الديوان، وكان في الحقيقة أقرب إلي الخواطر منه إلي الشعر، وكنت قد توصلت إلي حقيقة مؤداها عدم مناقشته في أمور الشعر نهائيا، فكيف أستطيع إقناعه مثلا بضرورة رفع الفاعل وهو أكثر أهل الأرض علما بقواعد النحو؟ أما إذا حاولت أن أنبهه إلي أن حروف الجر تستطيع جر قطار بضاعة ممتليء عن آخره بجميع أنواع البضائع، فسوف يحدثني لمدة ساعتين بلا انقطاع عن قدرة هذه الحروف علي الرفع والنصف بل والجزم، أما أمر الموسيقا الشعرية، فهو خارج عن نطاق الكلام أصلا، فالرجل قد اخترع لنفسه موسيقاه الخاصة، فهو ليس أقل من »‬الخليل بن أحمد الفراهيدي» في شيء.
لم أجد في نهاية الأمر غير أن أقوم بتسليم الديوان للشاعر »‬كامل أيوب» رئيس لجنة الفحص بالهيئة، ومعه تقرير برفض الديوان، ولما عدت لمكتبي، وجدته جالسا في انتظاري كعادته، أخبرته بأن ديوانه مرفوض، وقد قمت بتسليمه للإدارة، وأفهمته بهدوء، بأن ثمة أعمالا وظيفية مطلوبة مني، وبالتالي فأنا لن أكون جاهزا لاستقباله في الغد أو بعد الغد، فديوانه لم يعد في حوذتي، وعليه أن يراجع الأستاذ »‬أحمد الحوتي» في هذا الأمر.
طبعا، »‬أحمد الحوتي» كان مشغولا بانتظار زوجته، و »‬كامل أيوب» رئيس لجنة الفحص، زعق فيه زعقة أخرجته خارج الحجرة كلها، فلم يجد أمامه غير الدكتور »‬سمير سرحان» شخصيا.
في صباح اليوم التالي، وجدت استدعاء من الدكتور »‬سمير سرحان» رئيس هيئة الكتاب، عادة أنا لا أذهب إلي مكتب رئيس الهيئة إلا في حالة الاستدعاء، والاستدعاء مقلق، لكنني أتمتع بقدر غير قليل من القدرة علي مواجهة رئيس الهيئة، سلمت أمري لله، ودعوته أن يأتي بالعواقب سليمة، واتجهت إلي مكتبه بالطابق الأرضي.
ما إن دخلت، حتي وجدت الشاعر البوهيمي واقفا أمامه، معلقا علي كتفه حقيبته القماشية، وفي يده مخطوطة ديوانه، ما إن رآني داخلا حتي أعطي للدكتور »‬سمير سرحان» مخطوطة الديوان، وهو يقول له:
     الأمر بين يديكم وأنا راض بحكمكم.
فتح الدكتور »‬سمير سرحان» مخطوطة الديوان، وراح يقرأ، ثم رفع عينيه لي وهو يسألني:
لماذا رفضت الديوان يا أستاذ؟
أجبته بهدوء:
أسباب الرفض مكتوبة في التقرير.
مد إصبعه علي بعض سطور الديوان وقال:
كيف ترفض ديوانا يقول فيه صاحبه إن الأرض مخضرة في نهار القري؟، ألا تري جمالا في هذه الصورة الشعرية؟
الشاعر البوهيمي بدوره لم يسكت، وإنما طلب من الدكتور »‬سمير سرحان» أن يقرأ مطلع القصيدة الأخيرة في الديوان، فقرأ الدكتور »‬سمير» بصوت موقّع:
ما أكثر النجوم يا ليلي ولكن
أين تري يختبيء القمر؟
قبل أن أفتح فمي بأي رد، أسكتني الدكتور »‬سمير سرحان» بإشارة من يده، وأمسك بالقلم، وكتب تأشيرة علي الصفحة الأولي:
»‬يطبع فورا»
ثم طالبني أن أصحب الشاعر البوهيمي إلي مكتب الأستاذ »‬كامل شحاتة»، لأسلمه الديوان.
الشاعر البوهيمي وطّي علي يد الدكتور »‬سمير سرحان» وقبلها، كان في حالة امتنان كبيرة لموقفه منه، بينما أنا كنت في حالة من الدهشة لا أستطيع احتمالها، فهو حتي لم يسمح لي بالكلام، والديوان، لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن ينشر، وفوق كل هذا، عليّ أنا أن أقوم بتوصيله للسيد وكيل الوزارة.
عليّ أن أعترف بأن الشاعر البوهيمي تعامل معي في طريقنا إلي مكتب وكيل الوزارة بقدر من الكياسة، وظل يعتذر لي بأنه اضطر اضطرارا إلي أن يفعل ما فعل، لكنه في الحقيقة كان سعيدا جدا لما آلت إليه الأمور، وكان في حالة من حالات النشوة، بينما أنا كنت في حالة متناهية من حالات الخسران.
سلمت الديوان للسيد وكيل الوزارة، الذي قرأ تأشيرة رئيس الهيئة، وأصر أن يقدم لنا كوبي ليمون، فاعتذرت له بمشاغلي، وتركت الشاعر البوهيمي معه، واتجهت لمكتبي.
الذي حدث بعد ذلك أن الشاعر البوهيمي ظل لمدة سنتين كاملتين، هما 1989 و 1990، يلف علي كعوب رجليه علي جميع مكاتب هيئة الكتاب بحثا عن مخطوطة ديوانه الذي أصبح بقدرة قادر لا أثر له علي الإطلاق، وأخيرا قرر الذهاب لمكتب الدكتور »‬سمير سرحان» ليحل له هذه الإشكالية الغرائبية، فوضحت له السيدة »‬نجلاء السمرة» مديرة مكتب رئيس الهيئة، بشكل بيروطراقي عتيق، أنه لا بد من إيجاد المخطوطة أولا، لأن عليها تأشيرة النشر، بعدها يمكن الكلام في أي شيء، إذ ليس من المنطقي أن يأخذ الديوان الواحد أكثر من تأشيرة.
 الموظفون القدامي في هيئة الكتاب، يحفظون عن ظهر قلب ملامح ذلك اليوم الغائم الذي خلع فيه الشاعر البوهيمي قميصه الكتان، وأفرغ محتويات شنطته القماشية، فتبعثرت في الأرجاء أوراق كثيرة، وخيارة مقطوم نصفها، وحبتا طماطم، وقطع عديدة من عبوات »‬الواقي الذكري»، ووقف بصدر عار في الشارع الفاصل بين مبني هيئة الكتاب ومبني المطبعة، وهو يسب ويلعن موظفي الهيئة وعمال المطابع و »‬السمّاح عبد الله»، الذين ضيعوا حلمه بتضييع تأشيرة الرجل المحترم الدكتور »‬سمير سرحان» الذي يعرف أقدار النابغين.
كانت هذه المشاهدة للشاعر البوهيمي هي المشاهدة الأخيرة له، ليس فقط في هيئة الكتاب، بل في الأماكن كلها.
احتاج الأمر مني لسنوات وسنوات حتي أعرف المعني الدلالي لتأشيرات الدكتور »‬سمير سرحان»، فتأشيرة مثل »‬يطبع فورا»، معناها، الذي يعرفه من يوجه إليه الكتاب، أن هذا الكتاب لا يطبع إطلاقا، حتي لو انطبقت السماء علي الأرض، وتأشيرة »‬يطبع بسرعة»، معناها أن يؤجل للخطة القادمة، وهكذا.
بعدها بسنوات، كنت نازلا سلالم المطبعة، فقابلني صديقي الشاعر الذي ينتمي لجيل الرواد في قصيدة التفعيلة، ويعتقد أن »‬صلاح عبد الصبور» و »‬أحمد عبد المعطي حجازي» قد سرقا منه ريادة الشعر الجديد، كان فرحا جدا، ولما رآني وسّع من ابتسامته وهو يخرج من شنطته مخطوطة كتابه النقدي الذي تجاوز الألف صفحة، وأراني وهو في حالة متناهية من الزهو، تأشيرة الدكتور »‬سمير سرحان» علي الكتاب:
»‬يطبع خلال ستة أيام».
أنا من ناحيتي، لم أقل له الحقيقة، بل باركت له، وشاركته امتنانه للسيد رئيس الهيئة الذي يعرف أقدار الناس، بل وعقبت وأنا أربت علي كتفه:
أنت الرائد الحقيقي للشعر التفعيلي في مصر، وهو يدرك هذا الأمر جيدا، وهذا حقك الذي لا مراء فيه.
شكرني، ووعدني بأنني سأكون أول من يحصل علي نسخة من الكتاب، خاصة أن به فصلا عن ديواني »‬الواحدون»، وطلب مني موعدا بعد ستة أيام ليعطيني النسخة، فضربت له الموعد علي سلالم المطبعة.
مر علي هذا اللقاء ما يقرب من العشرين عاما، مات خلالها الدكتور »‬سمير سرحان»، ومات صديقي الشاعر الرائد، وجلس علي كرسي رئاسة الهيئة أكثر من ستة رؤساء، وقامت في مصر ثورتان متعاقبتان، ولكن الستة أيام لم تنته بعد، وأكبر الظن أنها لن تنتهي أبدا.