رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

الروائي الفلسطيني يحيي يخلف :مكتبتي واجهت «مكر التاريخ»


الأردن: طارق الطاهر
1/26/2019 3:34:02 PM

لم يتمكن الطفل يحيي يخلف من أن يمكث طويلا أو قليلا في مكان ولادته، في بلدته سمخ الواقعة علي الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبرية في فلسطين، فقد وقعت النكبة 1948، وهاجرت أسرته إلي الأردن، هناك تفتحت مداركه علي وعي عميق ليس بسلب أراضيهم فحسب، بل إن التاريخ جردهم من موطنهم، بانحياز القوي الكبري آنذاك - لاسيما بريطانيا -  لخلق تاريخ جديد يزرع إسرائيل داخل الأراضي العربية في فلسطين.. لم ينس يخلف وهو يسير بخطوات واسعة نحو المعرفة، أن التاريخ قد مكر بأهله.. فجاءت كتاباته ومكتبته لتفضح هذا المكر، فقد جمع فيها المراجع والمصادر الأساسية حول تاريخ فلسطين وإبداعاتها وعاداتها وتقاليدها، لتتراص الأقلام المنصفة لهذا الحق، بجانب الأخري التي عبثت به، كأنه علي الدوام يضع نفسه في مواجهة ضد التزييف والتمييع لقضية بلاده، ومع الوقت تزداد المكتبة ليس بالكتب والمؤلفات، بل بالقضية التي نذر نفسه لها، فلم يرد أن تكون مجرد مكتبة عادية، بل مكتبة »مقاوم»‬ نذر نفسه لبلاده، التي أصبح واحدا من رموزها، فيخوض يحيي يخلف وهو وزير للثقافة الفلسطينية معركة كبيرة في اليونسكو، من أجل إقامة معرض للكتب في بلاده تحت مظلة المنظمة الدولية، وذلك في الوقت الذي يمنع قيد دولة الاحتلال »‬ إسرائيل» دخول الكتب إلي فلسطين، بحجة أن بها ما يحرض عليها.. لم يهتم بما تقوله هذه الدولة المحتلة، إنما اهتم بالدفاع عن حق وطنه في المعرفة، وبالفعل يتمكن من إقناع اليونسكو بهذا الحق، ليقام المعرض بتمويل من السلطة الفلسطينة آنذاك بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن المنظمة الدولية ذاتها.
مكتبته سواء في رام الله أو في عمان بالأردن، شاهدة بمقتنياتها علي مسيرة هذه الشخصية، فتختلط فيها أوراقه الخاصة، بمسودات أعماله الإبداعية، مع ثالثة تحوي أوراقا وقعها بصفته وزيرا لفلسطين، ورابعة لإهداءات ذات وعي بشخصية المهدي إليه وتنوع عطاءاتها.
عندما تأملت مكتبته في الأردن والأخري في رام الله بفلسطين (عن طريق الصور التي حرص يحيي يخلف – كما طلبت منه – أن تعبر عن المشهد كاملا لهذه المكتبة)، أدركت أنني أمام »‬ أرشيف وطني» في مكتبة روائي ومثقف وسياسي، يمتلك خبرات متنوعة، تكشف عنها مقتنياته بتنوعها وثرائها.. لكن يبقي دائما محفورا في الذاكرة كيف بدأ مشوار التكوين، بكل الخلفيات التي تقف وراءه، لاسيما وأنت تخوض معركة شرسة من أجل مواجهة »‬ مكر التاريخ».

في لحظات يتذكر يحيي يخلف قصة أول كتاب اقتناه: »‬أهداه لي أخي الأكبر وأنا في الصف السادس الإبتدائي، واذكر أنه كتاب »‬ دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران، فقرأته وأحببت اللغة والتعابير التي حواها، مما زاد من حبي وتعلقي بالقراءة، أما ثاني كتاب اقتنيته فكنت وقتها في المرحلة الإعدادية هو ديوان الشاعر الكبير إبراهيم طوقان.. شاعر الثورة الفلسطينية، الذي كتب نشيد موطني، وهو النشيد الوطني في العراق، والبعض يعتبرونه نشيدنا الوطني».
سألته: هل وسيلتك في القراءة كانت عند طريق الاقتناء فقط؟
أجاب: لا.. عندما هاجرت أسرتي من فلسطين، أقمنا في منطقة »‬ أربد» بشمال الأردن، وهناك ترددت علي مكتبة البلدية، وأصبحت هوايتي في هذا الوقت المبكر  »‬القراءة»، وبينما يلعب أقراني البلياردو والكوتشينة.. كنت أقرأ، مع ممارسة القليل من »‬رياضة المشي»، وأثناء ترددي علي مكتبة البلدية، تعرفت علي اثنين من باعة كتب الرصيف، لا أزال أتذكر اسميهما، الأول اسمه الزرعيني، والثاني عطية.. كانا يبيعان الكتب علي الأرصفة، من بينها سلسلة »‬كتابي» التي كانت تلخص روايات عالمية، وفي الحقيقة القراءة فتحت أمامي باباً عظيماً لمعرفة الحياة.. بدأت أشتري كتب الرصيف، واحتفظ بها.. في هذا الوقت قرأت ـ أيضا ـ روايات الهلال، وصار عندي في البيت كتب تتراص بجانب بعضها البعض، فماذ أفعل؟ جاءت الإجابة سريعا من أخي الأكبر الذي كلف أحد النجارين بإعداد مكتبة صغيرة لي، ولم تكن في اللحظات الأولي مكتملة تماما، مما حفزني علي المزيد من الاقتناء، وخلال مرحلتي الإعدادية والثانوية اكتظت ليس فقط بالمؤلفات العربية، بل كذلك بالأعمال المترجمة لـكافكا وديستوفسكي علي سبيل المثال.
هل أعطاك تعلقك بالقراءة منذ صغرك، دفعات معنوية للتميز؟
بسبب القراءة، أصبح لديّ قاموس لغوي – لاسيما في المرحلة الثانوية – مما مكنني من تشكيل صياغات تعبيرية جميلة، فبدأت أكتب الخواطر واحتفظ بها، وفي حصة الإنشاء فوجئت بمدرس اللغة العربية يقول لي انه عندي موهبة في الكتابة، وأنني سأصبح كاتبا معروفا، هذه العبارة كان لها مفعول السحر في داخلي، ولا أبالغ إذا قلت إنها دفعتني كثيرا للأمام، ومن بعدها بدأت أكتب »‬الخربشات الأولي» وأرسلها للصحافة، وكان المسئولون عن الصحف والمجلات آنذاك، ينشرون بعض ما أرسل في بريد القراء، وبعض القصص القصيرة وجدت طريقها إلي الصفحات الثقافية، وهنا أتذكر قصتي مع مجلة »‬الأفق الجديد» التي كانت تصدر في القدس، وتعد المجلة الأولي للضفتين »‬الشرقية والغربية»، وأذكر أنني أرسلت لهم قصة وكان من ينشر في هذه المجلة يصبح كاتبا معترفا به، أرسلت لهم في ذات الوقت الذي أنتظر فيه نتيجة امتحان الثانوية العامة ، وإذا بها تنشر يوم اجتيازي هذه المرحلة التعليمية، ولا أخفي عليك سرا أن فرحتي بنشر القصة، فاق سعادتي بالنجاح الدراسي، وتزامن مع هذه المرحلة، أنني أسست في البيت مكتبة »‬راقية»، خزانة لها زجاج وأبواب »‬شيء فخم»، وظلت هذه المكتبة سنوات طويلة، تركتها علي حالها حتي عندما تركت الأردن، وانضممت للثورة الفلسطينية، وكنت منتميا لحركة فتح واعتبر نفسي واحدا ممن ألزموا أنفسهم بالعمل الفدائي واقعا وكتابة، وكثيرا ما نشرت نصوصا عن المقاومة في مجلة »‬الآداب البيروتية»، وكنت أرسلها في ذلك الوقت لغسان كنفاني في بيروت، ولم أكن أعرفه في البدايات، فقد نشر لي قبل أن التقي به، وكان عندما يوصي غسان بقصة، يحتضنها د. سهيل الأدريسي وتنشر في الآداب، وكان هدفه من نشر قصصي أن يظهر أدب المقاومة، وله كتاب عن هذا الأدب.
أعلم أنك لسنوات طوال كنت تنتقل لأسباب مختلفة من بلد لآخر.. هل كنت تفكر في تأسيس مكتبات في البلدان التي تمكث فيها  لفترة ثم تتركها؟
بالتأكيد.. أنا انتقلت ما بين الأردن، دمشق، بيروت، الجزائر، تونس، ثم الوطن »‬ فلسطين»، في كل محطة أسست مكتبة، واحدة في دمشق ولم أنقلها معي لبيروت، ليصير عندي مكتبة أخري هناك، لكن مكتبة بيروت فقدتها في اجتياح 1982، مثلما فقدت مخطوط رواية، فقد خرجنا دون أن نأخذ »‬ أثاثنا وأرواقنا» فقط أصحاب البيت نقلوا لنا أغراضنا، مكتبة بيروت لازالت تمثل لي لغزا.. أين ذهبت وما مصيرها، لكن في الجزائر أهديتها لسكان العمارة التي كنت أقيم فيها، وهم خليط بين العرب والبربر، كانوا يقدسون فلسطين وقضيتها، أما مكتبة تونس فوصل عدد محتوياتها 3 آلاف كتابا، وعندما غادرتها أهديتها إلي مركز الطاهر حداد الثقافي، وكانت تديره السيدة خديجة كمون، وكنت أتردد دائما عليه وأعقد ندوات هناك، وحتي الآن عندما أزور تونس وأذهب إلي هذا المركز، أجد مكتبتي وقد دون عليها، أنها »‬إهداء من الأديب الفلسطيني يحيي يخلف».
إذن عندما عدت إلي رام الله.. لم تكن لديك مكتبة هناك.. فماذا فعلت؟
عندما استقريت في الوطن عام 1994، بدأت من جديد في تكوين مكتبتي في هذه البقعة الغالية، وكانت مكتبة ضعيفة، لكنها مع مرور الأيام سمنت وكبرت، حتي صارت سمينة وثمينة للغاية، ولم تعد تقتصر علي مكان وحيد في البيت، نعم هناك »‬ المركز» وهو غرفة مكتبي، أما الأطراف »‬أجزاء البيت» الأخري، فلها نصيب، ففي الصالة خزائن امتلأت عن آخرها بالمؤلفات، لتزحف علي حجرة النوم.
هل كان من السهل عليك تكوين مكتبة في بيتك في رام الله بفلسطين؟
لا.. فالكتب كانت ممنوعة من قبل الإسرائيليين، الذين يعتبرون الكتاب معرفة وهم غير معنيين بأن يكون لدينا هذه المعرفة، وكان يمنعونها بحجة أنها تحرض ضدهم، وهنا أتذكر ما فعلته حينما أصبحت وزيرا للثقافة في الفترة من 2003 – 2006، كانت معركتي الأساسية هي إتاحة المعرفة، ومن ثم شغلني كثيرا حال المكتبات الفلسطينية، فبعضها لم يتم تزويدها بكتاب واحد لمدة تزيد علي عشرين عاما،  مثل مكتبات الجامعات الفلسطينية، لذا قررت تنظيم معرض الكتاب الأول في غزة، وبالفعل نجح بمشاركة الغالبية العظمي من دور النشر العربية والمصرية، وأتذكر أن الحاج مدبولي مؤسس مكتبة مدبولي بالقاهرة، كان ضمن الناشرين العارضين وهو شخصية حازت علي محبة الجميع لدوره، وقد استقبله أبو عمار وأثني علي مشواره الكبير في نشر الثقافة، وأعتقد أن هذا المعرض كان من أنجح المعارض، و نقلناه من غزة إلي بيت لحم ورام الله، واستطعنا أن ندخل الكتب المشاركة في المعرض عبر معبر رفح المصري، واقعة ثانية أتذكرها في مشواري كي ينال المجتمع الفلسطيني حقه في المعرفة، وتزويد المكتبات، أنه بعد الانتفاضة الثانية في عام 2000 منعت إسرائيل دخول الكتب بشكل متعسف، وعندما توليت أمر وزارة الثقافة، ذهبت إلي اليونسكو، وطلبت عن طريق سفيرنا في هذه المنظمة أن يرتب لي موعدا مع مديرها العام آنذاك الياباني كوتيشيرو ماتسورا، وأبلغته بأن الإسرائيليين يمنعون عنا المعرفة، ولا يريدون إدخال لا المراجع  ولا الكتب إلي الجامعات، أي أن هناك جيلا تتشكل ملامحه، وهو بعيد عن وسيلة من أهم وسائل المعرفة »‬الكتب»، ذهل ماتسورا مما ذكرته، وأرسل لجنة تقصي حقائق، سأل أعضاؤها الجانب الإسرائيلي هل تمنعون بالفعل الكتب؟، فأجابوا نعم؛ لأن الفلسطينيين يدخلون كتبا للتحريض ونشر الحقد والكراهية ضدنا، بعد هذه اللجنة أرسل ماتسورا خطابا رسميا إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي، معترضا بقوة ومحذرا من عقوبات ستفرضها اليونسكو، وهدد بعرض الموضوع برمته علي المجلس التنفيذي للمنظمة، فرحت جدا بهذه التحركات، وانتهزت الفرصة وعرضت أن نقيم معرضا خلال ثلاثة أشهر تحت مظلة اليونسكو، لكنني أخبرته أن الدعم الذي سأحصل عليه من السلطة الفلسطينية لن يجعلنا نقيم معرضا كبيرا، وطلبت دعما من اليونسكو بقيمة 30 ألف دولار، وبعد مشاورات تحقق لنا ما أردنا، وتم تنظيم المعرض، الذي اشترك فيه المئات من دور النشر، محملة بآلاف الكتب، لكن المحاولات الإسرائيلية لمنع دخول الكتب تستمر بين وقت وآخر.
هل توقف دورك في إثراء حياة المكتبات الفلسطينية عند تنظيم المعارض؟
رغم أهمية هذه المعارض في مسيرة الثقافة الفلسطينية، وما حملته من مقاومة للإحتلال الإسرائيلي وغطرسته، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد استمرينا في دعم مكتبات الجامعات بأحدث المراجع والإصدارات، وخصصت جزءا من ميزانية وزارة الثقافة لشراء الكتب من المعارض العربية وغيرها، وفتحنا مكتبات البلديات ، ووزعنا كتب المعارض التي تمكنا من شرائها علي مكتبات المدارس الثانوية.
عـودة إلي مكــتبتك في رام الله، التي بــدأت هــزيلة – علي حد تعبيرك – ثم تم تسمينها.. ما قصة ذلك؟
ما ذكرته سابقا عن صعوبات إدخال الكتب للمكتبات سواء البلدية أو الجامعات، عن طريق العراقيل التي تضعها إسرائيل، ينطبق تماما، علي الكتب التي كنت أشتريها وأحاول أن أؤسس بها مكتبتي في المنزل، فحينما يفتشون حقائبنا، يحاولون مصادرة ما بها من كتب، ورغم ذلك مكتبتي أشبه ما تكون بدار كتب منفتحة علي جميع المعارف، وعلي رأسها ما يخدم قضية بلادي، فلدي نسخة كاملة من الموسوعة الفلسطينية، وجميع كتابات عبد الوهاب المسيري، وكذلك كبار المؤرخين العرب، الذين مثلت القضية الفلسطينية بمختلف تشعباتها محورا رئيسيا في دراساتهم وأبحاثهم، كما حرصت علي أن أزين مكتبتي بأسماء الأعمال العربية الروائية والقصصية من مخلف الأجيال، وهناك جزء مهم فيها، من إهداءات هؤلاء الأدباء، الذين يتحينون فرص اللقاء لكي يمدوني بأحدث إبداعاتهم، ولا أنسي هنا زياراتي للقاهرة، سواء في معرضها الذي أسعد بالاحتفال بيوبيله الذهبي في هذه الأيام، وكذلك في لقاءاتي التي لا تنقطع عنها، لاسيما في فترة التسعينيات أثناء تكويني مكتبتي الجديدة في رام الله، فاقتنيت أعمال الراحل العظيم مؤسس وزارة الثقافة المصرية ثروت عكاشة، الذي تعلمت الكثير من تجربته في الإدارة، كما استمتعت بمؤلفاته الرائدة التي لازلت أحتفظ بها في مكتبتي، فهو موسوعي العطاء وكتبه في مختلف المناحي سواء الموسيقية أو في الفن التشكيلي، وهو يذكرني بالمثقفين العرب من أمثال البيروني وابن رشد، لذا لا تستغرب عندما أقول لك أنني أضع مؤلفاته بجانب مؤلفات من ذكرتهم وبجوارها كتب ابن سينا وابن خلدون، فهؤلاء يمثلون ظهيراً قوياً لتأسيس ثقافي متنوع وعميق، فمن وجهة نظري أن ثروت عكاشة هو »‬أب»  للثقافة المصرية، بل والعربية بعد ثورة يوليو 1952.
يوجد عدد لا بأس به من كتب المبدعين، سواء في مكتبتك بعمان أو في رام الله؟
بالفعل، فقد حرصت علي أن أقتني – في كل مراحل تكوين مكتباتي المختلفة – أعمال نجيب محفوظ، لما تمثله من بنية صرحية في مسيرة الرواية العربية والإنسانية، وكذلك أعمال: غسان كنفاني، وهي مهمة في التأسيس والتأكيد علي فكرة المقاومة، كما تحوي مكتبتي أعمال: طه حسين، جمال الغيطاني، عبد الرحمن منيف، جابر عصفور، فيصل دراج، صلاح فضل، محمد شاهين، إبراهيم عبد المجيد، صنع الله إبراهيم، إبراهيم أصلان، يوسف القعيد، الطاهر وطار، محمود درويش، سميح القاسم، إبراهيم نصرالله، رشاد بوشاور وغيرهم.
وهل للأدب الفلسطيني في الداخل والخارج نصيب من مكتبتك؟
ببساطة شديدة تستطيع أن تعتبر مكتبتي، شاهدة علي الإبداع الفلسطيني بتجلياته المختلفة وبرؤاه وبشخصياته من شتي الأجيال، وكذلك الدراسات التي تتناول ليس فقط التاريخ الفلسطيني، بل تاريخ المنطقة والعالم، لتداخل الأحداث وتقاطعاتها معنا، فالقراءة الدقيقة لأوضاعنا تتطلب الإلمام الدقيق بالأحداث العالمية، التي تترك أثرها بلاشك علينا، ولا يعني ما ذكرته أن مكتبتي الحالية، مقصورة فقط علي الإبداعات العربية والدراسات الفلسطينية، بل يوجد جزء مهم للدراسات الإنسانية وللترجمات من مختلف اللغات، وكذلك هناك مساحة واسعة لكتب النقد والدراسات الإنسانية والموسوعات.
بالتأكيد لمؤلفاتك ركن في هذه المكتبة؟
نعم، فهي تاريخي ومسيرتي الحية، وأحرص علي أن أضع مختلف الطبعات للعمل الواحد، فعلي سبيل المثال، يوجد الطبعات الخمس من روايتي »‬ نجران تحت الصفر» الصادرة في الفترة من 1976 – 2006، »‬ تفاح المجانين» الصادرة في ثلاث طبعات من 1983 – 2008، »‬نشيد الحياة» طبعتان في 1985 و1990، فضلا عن أعمالي الروائية الأخري: تلك المرأة الوردة، تلك الليلة الطويلة، اليد الدافئة، فضلا عن المجموعتين القصصيتين:  »‬المهرة»، و »‬نور ما ورجل الثلج»، وكتاب توثيقي بعنوان »‬يوميات الاجتياح والصمود.. شهادة ميدانية»، وكذلك أعمالي للأطفال.
في مكتبتك.. أربع روايات بترتيب الصدور: »‬ بحيرة وراء الريح» 1991، »‬ نهر يستحم في البحيرة» 1998، »‬ ماء السماء» 2008، »‬ جنة ونار» 2011، هذه الروايات موجودة بشكل منفرد، ثم جمعتها في عام 2018 في »‬ صندوق واحد »‬ في إشارة إلي أنها يجب أن تقرأ دفعة واحدة، أي أنها عمل واحد صدر في أجزاء، أليس كذلك؟
معك الحق تماما، فقد أطلقت علي الروايات الأربعة »‬رباعية البحيرة.. عن ملحمة كفاح شعب»، وفي مقدمتي لهذه الأعمال،  ذكرت  أن هذه الرباعية نشرت متفرقة في دور نشر مختلفة، وقرئت كروايات مستقلة، وكتب النقاد عن كل رواية علي حدة، وقلة قليلة من المتابعين لأعمالي الروائية كانوا يدركون أن هذه الروايات هي عمل روائي واحد.. وهي جزء من مشروعي الروائي، وتمثل واسطة العقد فيما سبقتها وما تلتها من روايات، والبحيرة هنا هي بحيرة طبرية ومحيطها، تمثل جماليات المكان ومخزون الذاكرة لوقائع وأحداث وشخصيات وحكايات تتوالد وترصد دقات قلب شعب واجه مكر التاريخ، وامتلك قوة الروح والتضحية والفداء في معركة صراع البقاء واسترداد الحقوق. فروايات هذه الرباعية تغطي مراحل زمنية مختلفة، من النكبة إلي الشتات، ومن الشتات إلي الثورة المسلحة، ومن الثورة المسلحة إلي العمل السياسي والمفاوضات، ومن المفاوضات العبثية إلي المقاومة الشعبية الباسلة.
ألا تري معي أن هذه المكتبة تمثل تاريخك؟
بالقطع، ففيها أرشيف من الصحف والمجلات التي تابعت قراراتي في وزارة الثقافة، وهي القرارات التي هدفت منها إلي تعزيز مسيرة الوطن، كما تحوي المكتبة صورا مع زعماء دول وأدباء ومثقفين من مختلف أنحاء العالم، وكذلك الأوسمة والجوائز التي حصلت عليها خلال مسيرتي ومنها: جائزة دولة فلسطين في الآداب 2000، وسام الميدالية الذهبية من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم »‬ الأليكسو» 2012، جائزة كتارا للرواية العربية عن رواية »‬راكب الريح»، وسام الدولة فلسطين للثقافة والفنون بدرجة التألق وهو أرفع وسام ثقافي، وقد تسلمته 2018 من الرئيس محمود عباس »‬أبو مازن».
إهداءات بطعم المحبة
لم يتوقف ثراء مكتبة الروائي الفلسطيني يحيي يخلف عند ما دار بيننا من حوار، بل امتد للاطلاع علي إهداءات كتاب ومثقفين له، تشع بتقدير كبير لصاحب الرباعية، وكذلك تتسع لتمتد »‬وطن باكمله».
فيكتب له المثقف المغربي الكبير محمد بنيس علي كتابه »‬ عبور إلي ضفاف زرقاء»: ( إلي العزيز يحيي يخلف.. من أجل العبور إلي هذه الأرض.. الحرية)، في إشارة واضحة إلي التطلع لحرية الشعب الفلسطيني، وكما يظهر في الإهداء أنه في لقاء جمعهما في القاهرة، إذ حرص بنيس علي تسجيل المكان، ومن برشلونة يهديه كتابه »‬الحداثة المعطوبة»: ( إلي المبدع العزيز يحيي يخلف.. من أجل ألا تبقي الحداثة المعطوبة وحدها سيدتنا.. محمد بنيس.. برشلونة ).
وفي تأكيد إلي دلالة» الثورية» في تكوين يحيي، يكتب له الأديب الفلسطيني محمد علي طه، إهداء، علي كتابه »‬الضفة الأخري» وهو مجموعة مقالات كتبت من داخل رام الله عن الأوضاع الفلسطينية والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي: ( إلي الأخ العزيز يحيي يخلف.. روائيا كبيرا ومثقفا ثوريا وصديقا وفيا ).
ومن رام الله يهديه – أيضا – الشاعر الفلسطسيني إيهاب بسيسو ـ وزير ثقافة فلسين الحالي ـ ديوانه »‬كن ضدك مرتين»: ( الأستاذ والروائي المبدع والمميز.. الصديق العزيز الأستاذ أبو الهيثم »‬ يحيي يخلف» لعل تبصرنا أكثر وضوحا في المرايا.. مع صادق المودة والتقدير.. إيهاب بسيسو.. رام الله – فلسطين )، في إشارة إلي أن يحيي يخلف يمثل »‬ المرايا» التي يرون أنفسهم فيها، لما يمثله من قيم النضال والسعي حثيثا إلي أن تحتل الثقافة الفلسطينية المكانة اللائقة بها.
وفي إهداء لا يبعد كثيرا في مدلالوته عن الإهداء السابق، يجيء إهداء الروائي الفلسطيني ربعي المدهون  المقيم في لندن، وأول فلسطيني بفوز بجائزة البوكر العربية 2016 عن روايته »‬مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة» ، فيكتب له علي ذات الرواية الفائزة: (العزيز الأستاذ يحيي يخلف صديقا عزيزا ، ومبدعا تركت أعماله علي بداياتي بصمات أعتز بها .. رام الله)، وقد أعطاه هذه الرواية في إحدي زياراته لفلسطين، ويظهر الإهداء بوضوح تأثير الأعمال الإبداعية لصاحب الرباعية علي الأجيال الفلسطينية المختلفة.
وبلاشك يتجاوز التأثير الإبداعي ليحيي يخلف حدود وطنه فلسطين، إلي المحيط العربي فيكتب له الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد إهداء يصفه فيه بـ »‬ المعلم»، فيدون علي كتابه »‬ ما وراء الكتابة.. تجربتي مع الإبداع»: ( إلي الكاتب الكبير الأستاذ والمعلم والروائي الكبير يحيي يخلف.. محبتي الدائمة ).
وفي إشارة إلي الغيم الذي يسيطر علي الأراضي الفلسطينية، وأن هذا الغيم لا يقتصر علي فلسطين وحدها، بل البلاد العربية، مادام هناك احتلال لهذه الأرض، يجيء إهداء الكاتب المغربي حسن الوزان علي كتابه »‬ يتلهمون بالغيم.. حوارات مع شعراء العالم»: (العزيز يحيي يخلف من أجل الغيم الذي راجمنا).
وبذات الحس القومي والاعتزاز بالعمل المشترك في خدمة القضايا العربية، يهديه الكاتب المغربي محمد مصطفي القباج كتابه »‬مشاعل فكر في زمن العولمة» الذي يشير فيه – أيضا –إلي ريادته الإبداعية: (الأخ الكريم الأستاذ يحيي يخلف تنويها بريادته الأدبية واعتزازا برفقة طويلة في دروب الكفاح القومي والعمل والفكر).
وبإهداء مختصر، لكنه عميق في دلالته، يكتب له الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد علي ديوانه »‬لست جرحا ولا خنجرا أنت البكاء الطويل في الليل»: (الصديق المبدع يحيي يخلف.. رفيق الحياة والكتابة).
وفي زيارته لرام الله، يهديه الكاتب التونسي يوسف رزوقة روايته »‬ ريكامو» الفائزة بجائزة الإبداع في الرواية بالدورة الثانية والثلاثين لمعرض تونس الدولي للكتاب: (العزيز صديقا كبيرا ومبدعا، لاغبار عليه؛ عربون محبة وتواصل، مع أرق تقدير).
وعن الصداقة التي تجمع بينهما، جاء إهداء الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير علي ديوانه »‬ ديوان المكان»: (إلي يحيي يخلف.. بين موعدين في الكتابة والصداقة. للقاء دائم، مع عميق مودتي وتقديري).
وفي إطار ذات المساحة »‬الصداقة» يهديه الكاتب والمخرج السوري ووزير الثقافة الأسبق رياض عصمت كتابه »‬الكمبوشة» بقوله: (أخي وصديقي الوزير الأديب يحيي يخلف. مع محبتي القديمة المتجددة).
ومن سوريا – أيضا – يهديه الروائي محمد برهان روايته »‬كاهن الخطيئة»، لكن عن طريق البريد، فلم يسبق أن التقيا معا، إنما إبداعات ومسيرة يحيي يخلف حفزته علي كتابة هذا الإهداء: (لم نلتق وجها لوجه، لكني تعلمت منك ما يجعلني أعرفك كثيرا).
وفي دائرة التقدير للشخص وللمسيرة الإبداعية، يأتي إهداء الكاتب والروائي المصري سعد القرش، رئيس تحرير مجلة الهلال السابق، إذ أهداه روايته »‬أول النهار» الفائزة بجائزة الطيب صالح لعام 2010 بقوله: ( الكاتب الكبير يحيي يخلف. ربما تجد فيها بعض المتعة.. تحية لإبداعك ومودة لشخصك ).
أما هالة البدري المشغولة دائما بالأماكن في رواياتها، وتقديم تصوراتها لهذا العالم، فتكتب له إهداء علي روايتها »‬ مدن السور» : (إلي الصديق العزيز الكاتب الكبير يحيي يخلف.. هذه محاولة لتصور رؤية للعالم أتمني أن تعجبك).
بكل تأكيد الإبداع مشقة، في واحدة من إهداءاته ليحيي يخلف، يبوح الروائي الجزائري المقيم في باريس واسيني الأعرج، بمشقة هذا الإبداع، ولكن هذه المشقة تجمع بين القادرين عليها، ففي إهدائه لروايته »‬سيدة المقام» يكتب واسيني: (العزيز الروائي الكبير يحيي يخلف. آملا أن تجد في هذه الرواية مشتركنا الصعب. كل المحبة )، بينما في إهداء آخر عندما التقيا في رام الله في 3 / 2 / 2005 أهداه روايته »‬ سيرة المنتهي عشتها كما اشتهتني»: (العزيز الغالي الحبيب الروائي الكبير يحيي يخلف. دمت كبيرا وجميلا. كل الشكر والحب والتقدير آملا بلقاء اوسع).
وتقديرا لدوره في إثراء الحياة الفلسطينية، سواء دوره كوزير للثقافة، ومن قبلها رئاسته لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك إسهاماته الإبداعية، أهداه الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور ديوانه »‬أي بيت»: (الصديق الروائي.. حارس المشهد الثقافي. الأخ أبو الهيثم يحيي يخلف.. مع الحب والتقدير. غزة السبت 1 / 1 / 2005 ).
وبكلمات تحمل أبعادا سياسية وإنسانية، تهديه الأستاذة الجامعية و الشاعرة ربيعة جلطي، ديوانها »‬وحديث في السر» بكلمات علي عكس سرية الديوان، فهي تعلن أن حب الجزائر لفلسطين ليس سرا: ( معالي الوزير. قلب المثقف يحيي يخلف.. لم يكن.. لم يعد سرا.. ولن يضعه سرا.. حب الجزائر لفلسطين.. وهل هناك أسرار تخبأ بين توأمين؟!. مع عميق المحبة والصدق ).
ويهديه الكاتب المصري الكبير محمود الورداني، مجموعته القصصية »‬الحفل الصباحي» بكلمات تدل علي علاقة إنسانية عالية بين إثنين تربطهما صداقة عميقة: (إلي الصديق الكبير يحيي يخلف.. دمت لي كاتبا وصديقا كبيرا استند عليه).
يحيي يخلف دائم التردد علي الأردن، التي يمتلك فيها بيتا، منذ سنوات طوال، ويجمعه بأدبائها ونقادها ومثقفيها علاقات طيبة، ومن هؤلاء الناقد الأردني د.يوسف بكار، صاحب كتاب »‬النقد الأدبي داخل فلسطين في نصف قرن 1948 – 1998» وجه من خلال إهدائه تحية لصاحب الرباعية: (إلي الفاضل الأستاذ يحيي يخلف مع خالص المودة وفائق الاحترام).
وبسطر واحد يعبر عن محبته، يهديه الكاتب السوري الكبير ممدوح عدوان كتابه »‬حيونة الإنسان» : (الأخ يحيي يخلف مع محبتي).
وفي واحدة من زياراته للدار البيضاء للمشاركة في معرضها للكتاب، يلتقي مع الأديب صلاح بن عياد، الذي يهديه »‬براق أيها العنف الكامن في السواد» بقوله: (الأستاذ المبدع يحيي يخلف مع كامل السعادة بالتقائك وتمام الرد والشكر علي كونك أنت .
وفي المغرب – أيضا – أهداه الناقد الكبير والمبدع مبارك ربيع كتابه »‬القناص والقصر» بستة كلمات (العزيز الأديب الروائي الكبير يحيي يخلف).
وفي الدوحة التقي مع الأديب العراقي شاكر النوري، صاحب رواية »‬خاتون بغداد» الذي أهداه هذه الرواية بجملة (صديقي المبدع يحيي يخلف.. مودة كبيرة).
ويكتب له الروائي السوداني المتميز أمير تاج السر (الأخ العزيز الصديق الكبير يحيي يخلف. مع كل الود والتقدير)، وذلك علي روايته »‬العطر الفرنسي».
وتتوالي بالتأكيد الإهداءات من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين، إذ لم يشغله أي منصب تولاه علي التواجد المستمر معهم، والتعبير عن آمالهم، لاسيما أنهم انتخبوه عام 1980 أمينا عاما للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، من هذه العلاقة الطيبة، نجد إهداءات تعبر عن مشاعر حب صادقة جمعتهم به، فيهديه الكاتب الفلسطيني أحمد رفيق عوض روايته »‬ عكا واللوك» بقوله: (إلي أستاذي الروائي المبدع يحيي يخلف »‬أبو الهيثم» مع بالغ الحب والعرفان بالجميل)، وعلي ديوانه سيرة بالفحم يكتب له الشاعر غسان زقطان (الكاتب المبدع يحيي يخلف.. محبة كبيرة وتقدير).
جمعهما الإبداع المشترك، وكذلك العمل سويا في خدمة الثقافة الفلسطينية، من هنا جاء إهداء الشاعر المتوكل طه علي كتابه: »‬حدائق إبراهيم.. أوراق إبراهيم طوقان ورسائل ودراسات في شعره»: (معالي الأخ الكاتب الكبير يحيي يخلف صديقا مبدعا مع خالص المحبة والشكر والتقدير).