رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

يا ولدي‮ ‬يا ولدي أنا حبيت وبنار الهوي انشويت

الريس متقال القناوي‮ .. ‬صوت الجنوب وأسطورة الغناء الفرِح


مسعود شومان‮ ‬
6/3/2017 10:16:39 AM

بشارب‮ ‬يقف عليه الصقر،‮ ‬ووجه منحوت كأنه انتزع من أحد المعابد،‮ ‬وأسنان من فضة تزيد الكلام الخشن رقة حين‮ ‬يعانق ربابه الذي قص سبيبه من ذيل أجود الخيول وأعفاها،‮ ‬إنه متقال قناوي متقال أو‮  "‬الريس متقال‮"  ‬الذي نصبته جماعته الشعبية ليصبح سفير أفراحها،‮ ‬حاملا تراث الغناء الشعبي في صعيد مصر،‮ ‬خاصة الغناء‮ "‬الفرايحي‮"‬،‮ ‬ربابه كان جزءا من جسده وصوته‮ ‬يأتي من قرون بعيدة عابرا السنوات حاملا جينات الرجولة حين ترق وتتغزل وترقص،‮ ‬بجواره جوقة من الرجال الذين‮ ‬ينتمون إلي سلالة قناوية تم تعميدها في نيل الفن‮ ‬،‮ ‬ها أنا أري عم شمندي متقال وفاوي القناوي وشوقي القناوي،‮ ‬جميعهم‮ ‬يحمل صوته ممزوجا بحضارات من الغناء المصري،‮ ‬فمتقال‮ ‬يغني الفرايحي،‮ ‬وشوقي في الموال المزهر،‮ ‬وفاوي القابض علي ربابة مداعبة شواربه الطوال،‮ ‬تجتمع صيحاتهم وغناؤهم الجماعي خلف الريس متقال الذي صار حديقة لأفراح المصريين حين‮ ‬يغني بص علي الحلاوة‮.- ‬البت بيضا‮ - ‬يا حلوه‮ ‬يا شايله البلاص‮ - ‬بتاع الفراوله،‮ ‬ياله من سحر حين تسارع الربابات والمزامير خلف صوته فنسمعها فرحة به‮ ‬،‮ ‬منسابة في حركتها كأنها تراقصه،‮ ‬وتتماوج مع حكمة مواله‮ :  ‬
يا ليل‮ ‬يا عيني‮ ‬يا ليل‮ ‬
خشيت وحبيت قالوا الخلي ماله بيه‮ ‬
حبل الوداد انقطع خده العزول ملا بيه‮ ‬
له فرع عالي وسط الكروم مال بيه‮ ‬
اللي‮ ‬يحوز البضاعه لازم‮ ‬يعرف‮ ‬يتاجرها‮  ‬
من حاز له عدرا صبيه جوه بيته‮ ‬يتاجرها ليطول مطاله لو ضيع كتير ماله بيه‮ ‬
إنه الريس متقال المعجون بتاريخ الجدود في الأقصر الذي استقبلته عام‮ ‬1929،‮ ‬ليكون صوت الفرح في صعيد مصر قبل أن تستقبله مصر والعالم بصوته العميق وقلب‮ ‬غنائه السعيد لنسمع أغنياته التي فارقت أغنيات الهجر والخصام البليدة‮ ‬،‮ ‬وها نحن نتذكر صوته النحاسي المبلول بقطرات العشق وهي تنسال لتملأ القلب بالخضار والجميع وراءه‮ ‬يردد‮ : ‬
البنت قالت لابوها ولا اختشت منه‮ ‬
توب الحياه داب‮ ‬يابوي والبرد كل منه‮ ‬
إذا كان ودك تصين العرض وتلمه‮ ‬
قوم جوِّز البت اللي عينها منه‮ ‬
‮...............................‬
وأنا مالي وأنا مالي‮ ‬
بناديكي بناديكي‮ ‬
حرام عليكي‮ ‬
شبيكي لبيكي‮ ‬
يا حواجبك‮ ‬يا عنيكي‮ ‬
ياغزالي‮ ‬يا‮ ‬غزالي‮ ‬
قوم اجلَّع‮ ‬يا‮ ‬غزالي‮ ‬
ألا ليله ألا ليله‮ ‬
الناس تضحك وأنا ليه‮ ‬
ألا دولا ألا دوله‮ ‬
دولا دولا حبايبي دولا‮ ‬
دي ظلومه‮ ‬ياواد‮ ‬ياواد‮ ‬
ياالعذاب‮ ‬يابوي‮ ‬يابوي‮ ‬
ياالعذاب اللي شوفته‮ ‬
صعبان علي عليَّ
إنه المغني الشعبي الذي حمل لهجته الصعيدية في جنوب مصر ليرددها أهل العواصم والقري في دلتا مصر ويرقص علي موسيقي‮ ‬غنائه أصحاب الكرافتات والخواجات حين راد بلدان أوربا،‮ ‬ويتمايل كل مستمع علي صوت رباباته وإيقاعات الدفوف التي تدق معه القلوب علي أغنيات‮ : ‬ليل‮ ‬يابو الليالي‮- ‬ضيعت مالي‮ - ‬الأقصر بلدنا‮- ‬سلامات‮- ‬يا جريد النخل العالي‮.‬
‮ ‬لقد زاوج الريس متقال بين أداء السيرة الهلالية والغناء الشعبي وإن كان شمندي متقال الأكثر حفظا وأداء للهلالية‮ ‬،‮ ‬لكنها كان‮ ‬يردد بعض مربعاتها خاصة الأشهر التي تصلح للغناء في الليالي،‮ ‬كمربعات الصلاة علي النبي أو المربعات المرتبطة بقصص الغرام والعشق في الهلالية‮.‬
إن صوت متقال وأقرانه‮ ‬يصنع سامرا لكل أنواع الغناء‮ ‬،‮ ‬فنسمع المربعات والمواويل والأغنيات‮ ‬،‮ ‬وها هو الموال‮ ‬
يا نازل السوق‮ ‬يا تشتري مليح‮ ‬يا بلاش‮ ‬
يا تعاشر راجل جد من أحسن رجال جد‮ ‬يا بلاش‮ ‬
وتجتمع الربابات بعد هذه الافتتاحية الموالية ليدخل للغناء ليخلي ساحة الموال لشوقي القناوي الذي كان‮ ‬يفوق متقال في الموال وبعده شمندي متقال الذي‮ ‬يقبض علي فن المربع بصوته الحكيم‮ : ‬
ياليل‮ ‬ياليل‮ ‬
المعني في الترتيب‮ ‬
كلامه أمر عجيب‮ ‬
المعني في السبيب‮ ‬
غاب السبع إلعب‮ ‬يا ديب
المعني في الترتيب‮  ‬
مسكين من حب جديد‮ ‬
طول النهار النار بتقيد‮ ‬
ها‮ ‬يعمل إيه كتر التعديد‮ ‬
هكذا‮ ‬يمسك شوقي القناوي الخيط من متقال ليعلن عن مساحة عالية من الارتجال ويشتد الغناء في السامر ليصبح ساحة عظيمة لكل فنون القول‮ ‬،‮ ‬فيقوم متقال راقصا بربابه مغنيا‮: ‬
ياليل‮ ‬يا عيني‮ ‬يا ليل‮ ‬
يارب من له حبيب ما تحرموش منه‮ ‬
ما تبهدلوش‮ ‬يا زمن إلا إن شبع منه‮ ‬
ضيعت مالي مالي وأنا مالي وأنا أعمل إيه‮ ‬
ضيعت مالي علي حلالي وأنا أعمل إيه‮ ‬
لقد كان الريس متقال أحد الكنوز البشرية الحية حيث استطاع أن‮ ‬يحمل فن القول الجنوبي إلي دلتا مصر وأوربا حيث وصف الأوربيون فنه وفنون أقرانه بأنه ذلك الفن المفارق الذي‮  ‬حوّل الخشبة إلي وليمة قروية‮ ‬،‮ ‬وحين اكتشف آلن ويبر الغناء الذي ورثته بعض الفرق من‮ ‬غناء متقال‮  ‬المغني وعازف الربابة الذي كوّن مع‮ ‬يوسف بكش متقال،‮ ‬وشمندي توفيق متقال،‮ ‬نواة‮ "‬الفرقة القومية للفنون الشعبية‮" ‬في الأقصر‮. ‬وواصلت الفرقة‮  ‬نسج الصوت الذي وصف بأنه‮ "‬مئة سنة من الروح المصرية في سلة واحدة‮". ‬
لقد تزوج الريس متقال‮  ‬تسع زوجات وأنجب ‮٢٥ ‬ولدا وبنتا،‮ ‬ومن ابنائه‮ "‬الريس حجازي القناوي‮" ‬الذي سار علي خطاه،‮ ‬وكذلك شقيقه‮ "‬الريس شمندي‮"‬،‮ ‬وبالرغم من أن متقال لم‮ ‬يجد‮  ‬القراءة والكتابة إلا أنه استطاع أن‮ ‬يكون مدرسة لفنون القول مازال ما تتضمنه من فنون تعلم عددا كبيرا ممن أتي بعده‮ ‬،‮ ‬فحين أسمعه أردد القول المأثور عندما‮ ‬يموت فنان شعبي قدير فكأنما احترقت مكتبة بها آلاف الكتب‮ ‬،‮ ‬لقد رحل الريس متقال عام‮ ‬2004‮ ‬عن عمر بلغ‮ ‬75‮ ‬عاما أمتع فيه الشعب المصري ومازال صوته معلقا علي سبيب‮ / ‬وتر ربابه‮ ‬ليغرقنا بالنور والفرح‮.‬