رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

حماية اللغة العربية واجب طبيعي وحصانة لهوية المجتمعات العربية


د.محمود الذوادي
12/16/2017 9:12:04 AM

ميثاق العلاقة الطبيعية مع اللغة
إن أي نقاش حول تردي وضع اللغة العربية في المشرق أو في المغرب يكون دون فائدة كبيرة ما لم يوضع في إطار فكري واقعي وصحيح يستند علي أبجدية ما نسميه هنا »إقامة علاقة طبيعية/ سليمة»‬ مع اللغة الأم أو اللغة الوطنية ألا وهي اللغة العربية. تلك العلاقة هي العمود الفقري الذي يضمن سلامة وضع اللغات في مجتمعاتها في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد. وبعبارة أخري، فهذه العلاقة ينبغي أن تكون القاعدة الكبري الثابتة والراسخة في حياة الأفراد والمجتمعات ودساتيرها وأعرافها الثقافية وقوانينها. فبدون الالتزام الكامل ببنود ميثاق إقامة العلاقة الطبيعية/ السليمة مع لغاتها، تفشل المجتمعات في الشرق والغرب في المحافظة عليها. فالنقاش الجاري في مصر حول سنّ قوانين لحماية اللغة العربية ينبغي أن يستفيد من بنود ذلك الميثاق. فما هي يا تري تلك البنود؟
اللغة والعلاقة الطبيعية معها
نطرح هنا نظريتنا التي ترتكز علي أبجديات بسيطة لإقامة الناس لعلاقة طبيعية أو سليمة مع لغتهم. نستعمل في هذا المقال كلمتيْ طبيعية وسليمة كنعتين مترادفين. نعتقد أن أبجديات منهجيتنا تتضمن معالم جديدة في الطرح تسهل الحكم بشفافية وبساطة علي وجود أو فقدان علاقة سليمة للناس والمجتمعات مع لغاتهم. تؤكد وتقول هذه الأبجديات إن العلاقة الطبيعية بين الناس ولغتهم تتمثل في ثلاثة معالم تندرج في ما يسميه العلماء القوانين الطبيعية. يتمثل سلوك التناسق والانتظام الطبيعيين في التعامل الطبيعي مع اللغة الأم أو الوطنية في سلوكيات الناس اللغوية التالية : 1- استعمالهم لها شفويا وكتابة في كل شؤون الناس الشخصية والاجتماعية.2 - من المسلّمات أن استعمال اللغة بطريقة سليمة يتطلب معرفتها الوافية والمتمثلة في معرفة مفرداتها والإلمام بقواعدها النحوية والصرفية وغيرها لاستعمالها بطريقة صحيحة في الحديث والكتابة .3 - تنشأ عن هذه العلاقة الطبيعية التفاعلية مع اللغة ما نسميها »‬العلاقة الحميمة» مع تلك اللغة والتي تتجلي أساسا في المواصفات النفسية والسلوكية التالية: حب للغة والغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها قبل أي لغة أو لغات أخري يمكن أن يتعلمها الأفراد في مجتمعاتهم.
 وبناء علي تلك المعالم يسهل التعرّف علي نوعية العلاقة التي يمارسها الناس مع لغاتهم. فالذين يلبون بالكامل تلك المعالم الثلاثة مع لغاتهم هم قوم يتمتعون بعلاقة طبيعية أو سليمة معها. أما الذين لا يلبونها، فهم أصناف متنوعة حسب مدي تلبيتهم لأي عدد من المعالم الثلاثة في التعامل مع لغاتهم الأمر الذي يؤدي إلي إعاقة ما للغات. سيسمح لنا النظر في حال اللغة العربية الفصحي في المجتمعات العربية بيان درجات فقدان العلاقة السليمة في هذه المجتمعات مع اللغة العربية الفصحي.
أبجدية العلاقة الحميمة مع اللغة
يساعد منظور علم اجتماع المعرفة علي فهم العلاقة الحميمة التي تربط الناس باللغة إن هم استعملوها هي فقط بالكامل شفويا وكتابة (1) في كل شؤون حياتهم الفردية والجماعية منذ الطفولة وعرفوا مفرداتها وقواعدها النحوية والصرفية وغيرها (2) يجوز القول بكل بساطة إن تلك العلاقة الحميمة (3) مع لغة الأم أو اللغة الوطنية هي نتيجة لعملية التفاعل/الاستعمال المكثف معها ولها الذي يُنتظر أن ينشئ مثل تلك العلاقة النفسية القوية التي تخلق علاقة وثيقة ومتينة ، أي حميمة مع اللغة. كل ذلك هو حصيلة لتنشئة لغوية اجتماعية طبيعية منذ الصغر تقتصر علي استعمال اللغة الأم أو الوطنية علي المستويين الشفوي والكتابي ووفقا لمفرداتها وقواعدها النحوية والصرفية الصحيحة في كل شؤون الحياة الفردية والجماعية في المجتمعات. يمكن صياغة مقولة أطروحتنا النظرية بخصوص العلاقة مع اللغة في معادلتين شبه حسابيتين: 1- الالتزام الكامل بالمعالم (1+2+3 )= علاقة سليمة مع اللغة و2- الالتزام الجزئي أو عدم الالتزام الكامل بالمعالم (1+2+3) =  علاقة غير سليمة كثيرا أو قليلا أو ما بينهما مع اللغة.
قياس العلاقة مع الفصحي لدي المتعلمين العرب
تفيد المعطيات التالية نوعية علاقة المتعلمين العرب مع اللغة العربية الفصحي:
1-فمثال الطلبة العرب الذين ليس لهم علاقة سليمة مع الفصحي في الحديث والمعرفة بها ( المعلمان 1+ 2) يعبر عنهما الدكتور محمود كامل الناقة الذي »‬ يري أن علاقات ضعف الطالب السعودي في الفصحي تتمثل في الآتي: »‬الضعف الواضح في مهارة الكلام والحديث أو ما نسميه مصطلحا التعبير الشفوي... بل يصل الأمر في كثير من الأحيان إلي إحجامه عن الحديث لعدم قدرته علي ذلك والضعف في مهارة القراءة. فالشكوي صارخة في عدم قدرة طلابنا حتي في التعليم الجامعي علي قراءة فقرة قراءة صحيحة وفهمها فهما واعيا... أضف إلي ذلك الضعف في القراءة جهرا » حيث نجد اللعثمة والتردد والحشرجة والنبرة النائمة والصراخ المزعج... »‬ (مجلة اليمامة 1983 )ونتيجة ل 1+2 فإن 3 ستكون ضعيفة لديهم.

2- تهيمن نفسيا في التعليم التونسي الثنائي اللغة الفرنسية وثقافتها في عهديْ الاستعمار والاستقلال مما يهيئ خريجيه للتعاطف عموما أكثر مع اللغة الفرنسية وثقافتها بدلا عن اللغة العربية/ الوطنية وثقافتها. وهو نمط التعليم السائد بعد الاستقلال والثورة. إذن، فعلاقة المتعلم التونسي باللغة العربية غير سليمة لأنه يدرس بالفرنسية بعض المواد أو كلها ويجهل الكثير من القواعد النحوية والصرفية ومن ثم يفتقد كثيرا نفسيا علاقة حميمة مع اللغة العربية (ضعف المعالم الثلاثة 1+2+3).
3 - إن أحد أصناف نظام التعليم التونسي في مطلع الاستقلال هو نظام شعبة (أ) الذي يدرس فيها التلاميذ كل المواد باللغة العربية فقط من السنة الأولي للتعليم الابتدائي حتي السنة الأخيرة من التعليم الثانوي /الباكلوريا. وهو تعليم يلبي معالم (1+2 و3) في العلاقة مع اللغة العربية. تفيد المؤشرات المتنوعة أن نمط تعليم شعبة(أ) يتميز عن نظام التعليم التونسي الثنائي اللغة بعد الاستقلال في كون أن خريجه حتي بعد دراساتهم بالفرنسية وغيرها من اللغات الأجنبية في الجامعات التونسية أو الأجنبية يظلون أكثر الخريجات والخريجين التونسيين ممارسة لما نسميه التعريب النفسي: أي أنه يغلب علي سلوكهم اللغوي ما نود تسميتها هنا بالثنائية اللغوية اللوامة التي تجعل الكثيرين منهم يلومون أنفسهم والتونسيات والتونسيين الآخرين علي استعمال الفرنسية بينهم وفي الشؤون الخاصة والعامة في المجتمع التونسي . يجوز القول إن هذا السلوك اللغوي يمثل أيضا معلما من معالم الوطنية في العديد من المجتمعات المتقدمة علي الخصوص.
تقنين اللغة عند الخطر
اطلعنا علي النقاش الجاري في مصر حول سنّ قانون لصالح حماية اللغة العربية. هناك من عارض هذا الأمر كما جاء في حوار أخبار الأدب (5 نوفمبر 2017) مع بعض المثقفين. وهو موقف لا يقبله لا المنطق ولا السياسات اللغوية في المجتمعات في حال تعرض لغاتها إلي الخطر. فمقاطعة كيباك في كندا مثال علي ذلك. نظرا لأن سكان كيباك الناطقين بالفرنسية يمثلون أقلية في كندا وفي شمال القارة الأمريكية بصفة عامة، فإن حكومات المقاطعة تبنت قوانين تنظم السياسات اللغوية داخل حدود كيباك لحماية لغتها وثقافتها وهويتها. إن أشهر القوانين هو قانون 101 الصادر في 1974. يهدف هذا القانون إلي جعل اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للتواصل في المقاطعة علي المستويين الشفوي والكتابي. فهذا القانون يتمتع اليوم بتطبيق حازم وحاسم في المقاطعة كما رأيتُ وشاهدتُ ذلك أثناء زيارتي لكندا في صيف 2016. فالفرنسية هي لغة اللافتات العامة والخاصة في الشوارع والمحلات والمراكز التجارية وغيرها من المرافق العامة والخاصة. فاللغة الفرنسية في شكليْها المنطوق والمكتوب هي لغة وسائل النقل. فعلي سبيل المثال، إن شبكة المترو في تنقلها في مدينة مونتريال لا تستعمل إلا اللغة الفرنسية في إعلاناتها بالصوت للراكبين عن محطات الوقوف القادمة. أما شبكة حافلات النقل في المدينة فتتبني هي الأخري استعمال اللغة الفرنسية فقط علي المستويين الشفوي والكتابي. أي أنه يُعلن بالصوت عن محطات الوقوف القادمة ويظهر الإعلان في نفس الوقت مكتوبا أمام الركاب في أعلي قسم لسقف للحافلة.
العربية الفصحي في خطر
فمجمع اللغة العربية في القاهرة ومعظم المثقفين وغيرهم يؤكدون أن اللغة العربية الفصحي في خطر في مراحل التعليم المختلفة ولدي وسائل الإعلام وفي لافتات الشوارع والمراكز التجارية ووو... فالحال عاجل بالنسبة للفصحي الأمر الذي يتطلب إصلاح تدريسها في كل مراحل التعليم خاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.
أما بالنسبة للعامية العربية المصرية أو غيرها في المجتمعات العربية في المشرق والمغرب فليس من الواقعية في شيء التفكير في عدم استعمالها لأن كل اللغات لها عامياتها قليلا أو كثيرا. وبالتالي، يُنصح في المجتمعات العربية بالتقليل من استعمال الكلمات الأجنبية في الحديث بالعامية واستعمال أكثر للكلمات الفصحي في الحديث بالعامية. وهي عملية تشجع علي رتق الفروق بين العاميات العربية واللغة العربية الفصحي.
طغيان العاميات العربية في الجامعات العربية
إن أول ما يشد الانتباه خاصة في الساحتين المشرقية والخليجية في العالم العربي هو الغياب شبه الكامل لاستعمال العربية الفصحي في التدريس بما فيه علي مستويا ت التعليم العالي.
فالعاميات العربية أصبحت هي وسائل التدريس في كل الجامعات العربية المشرقية والخليجية. ومن نتائج ذلك انتشار ظاهرة المتعلمين بكل أصنافهم الذين لا يقدرون علي قراءة نص عربي فصيح بدون أخطاء نحوية وصرفية لا تكاد تحصي وبلكنة قراءة هي أقرب إلي عامية بلدان المتعلمين والمثقفين منها إلي القراءة السليمة للعربية الفصيحة. فمنظور علم الاجتماع اللغوي يري أن انتشار استعمال العاميات العربية بدل العربية الفصحي أصبح هو العرف اللغوي الاجتماعي الذي يعتبر الانحراف عنه سلوكا لغويا شبه غير مقبول من طرف الأغلبية المتعلمة والمثقفة في المجتمعات العربية الخليجية والمشرقية. وهكذا لا يكاد هؤلاء المتعلمون والمثقفون يستعملون العربية الفصحي السليمة حتي في مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراة أو الندوات والمؤتمرات الفكرية. يمثل هذا الوضع بكل بساطة نوعا من الاغتراب بينهم وبين لغة الضاد من شأنه أن يضعف من حماسهم لصيانة اللغة العربية الفصحي عن طريق إتقان نحوها وصرفها وتبني موقف قوي يغار عليها ويدافع عنها لكي تكون لغة الاستعمال البارزة في المجتمعات العربية بما فيها تدريس العلوم في الجامعات العربية الذي عارضه الكثيرون في حوار »‬أخبار الأدب». فموقفهم هذا يتناقض مع بنود ميثاق العلاقة الطبيعية/السليمة المشار إليها. كما أنه انحراف عن السياسات اللغوية في البلدان القريبة والبعيدة عن العالم العربي.
الظاهرة الغريبة في الجامعات العربية
فإسرائيل وإيران وتركيا تدرس العلوم بلغاتها الوطنية وكذلك تفعل المجتمعات الأخري البعيدة عن البلدان العربية. ومن ثم، تمثل معظم مجتمعات الوطن العربي ظاهرة غريبة لغويا علي وجه الكرة الأرضية، لأنها لا تستعمل لغتها الوطنية (العربية الفصحي) - صاحبة الاستقلال الكامل بحروفها والمشهود لها بالثراء اللغوي المتميز- في تدريس العلوم. ولا بد أن يعود هذا إلي فرضية مقبولة تتمثل في أن النخب العربية الحاكمة والمثقفة هي أكثر تأثرا بالاستلاب اللغوي الثقافي الاستعماري من نظيراتها في معظم المجتمعات النامية الأخري. ويبدو هذا أكثر وضوحا في المجتمعات العربية في المغرب العربي نظرا لأن الاستعمار الفرنسي نجح في إقامة استعمار لغوي ثقافي استيطاني في الجزائر وتونس والمغرب.
تدهور اللغة العربية وأزمة هوية شعوبها
يشهد العالم العربي أكبر الأزمات منذ القرن الماضي. ويأتي تهميش اللغة العربية في الخليج العربي وفي المغرب العربي وفي بقية المجتمعات العربية لكي يزيد أزمة إضافية خطيرة للغاية تتمثل في أزمة الهوية لأن اللغات هي بطاقات تعريف لهويات الناس والشعوب. ورغم أهمية ذلك، لم يذكر أحد من عينة »‬أخبار الأدب» علاقة اللغة بالهوية.
وفي المقابل، يُجمع أهلُ الذكر علي الأهمية القصوي لتمسك الشعوب بلغاتهم لأن من يخسر لغته وثقافته يكتب غيرُه معالمَ مسيرة مستقبله. وهذا ما يعبر عنه قول الكاتب دايفس»‬فشعب بدون لغته الأصلية ما هو إلا نصف أمة. فينبغي علي الأمة حماية لغتها أكثر من حمايتها لأراضيها. يمثل ذلك أمتن وأهم حاجز حام لحدودها من الغابة أو النهر». فاستيعاب هذا القول من طرف الخاصة والعامة فيالمجتمعات العربية يُنتظر أن يجعل تحصين اللغة العربية قضية ذات أولوية سيادية عربية قومية تمس الهوية. تفيد معطيات هذه المقالة أنه لا يُؤمل أن يتم ذلك دون تحقيق ممارسة هذه المجتمعات للمبادئ اللغوية الطبيعية الثلاثة التي تنادي بها المقولة المطروحة في صلب السطور السابقة.