رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي (39 ) المظاهرة التي قادها يوسف إدريس

كتابة


محمود الورداني
12/16/2017 9:30:09 AM


بعد عدة شهور من الانتفاضة الطلابية، وما رافقها من أحداث جسام حقا، حدث مايشبه النهوض في حركة المثقفين والكُتّاب في مصر، بعد عقود من استيلاء الضباط الأحرار علي الحركة المستقلة وتسييد الصوت الواحد. ويستطيع القارئ أن يرجع مثلا لرواية مالك الحزين لإبراهيم أصلان، ورواية خديجة وسوسن لرضوي عاشور وشعر أمل دنقل، علي سبيل المثال فقط، ليتبين مدي تأثير الانتفاضة الطلابية.
من جانب آخر، وبعد شهور قليلة، وبالتحديد في يوليو 1972 اغتال الموساد الإسرائيلي الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي كان يعد رمزا من رموز المقاومة الفلسطينية وأحد أبرز الكتاب الفلسطينيين والناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو مكتبها السياسي. في قلب بيروت، وعلي مرأي ومسمع من العالم كله، اغتيل غسان الذي كان برفقته ابنة أخته لميس ، غير أن أحدا لم يتحرك، والموساد يختال ويزهو بعمليته القذرة.
  بعد الاغتيال بيوم واحد، وأثناء جلوسي علي مقهي ريش بعد الظهر، فوجئت بيوسف إدريس الذي لم يكن يتردد كثيرا علي ريش. وكان أيامها نجما من نجوم المجتمع، خلفه كل هذا التاريخ من الكتابة، ووكيل مجلس نقابة الصحفيين وصفحة أسبوعية يكتبها في الأهرام. كنا مجموعة قليلة من الكتاب، وكان إدريس مثلنا ننتفض غضبا من استفزاز الموساد واستهدافه لكاتب فلسطيني، ومن رد فعل الأنظمة العربية المخجل، ومن عجزنا وقلة حيلتنا في مواجهة التوحش الصهيوني.
  أظن أن يوسف هو الذي بدأ وعلي نحو تلقائي في التفكير في تلك الخطوة المجنونة، واقترح أن يقوم هؤلاء النفر المحدود الموجود بالصدفة علي المقهي بمظاهرة للتعبير عن غضبنا. كان التفكير في مثل هذه الخطوة ضرب من الجنون المطلق في ظل فرض حالة الطوارئ، وظروف الحرب والاحتلال، لكن يوسف أصرّ وأعلن أن الاشتراك في المظاهرة أمر شخصي، وسوف يقوم هو بالمظاهرة ممثلا للوجه البحري، ومعه يحي الطاهر عبد الله ممثلا للصعيد!!
  استغرقنا الوقت التالي في شراء الورق والأقلام الفلوماستر لكتابة اللافتات، وكان أكثرنا اهتماما بهذا الأمر نجيب سرور وكتب بخطه المميز أغلب اللافتات، أما أنا فاصطحبتني رضوي عاشور إلي محل خردوات مازال قائما حتي الآن في شارع طلعت حرب وبه تليفون. راحت تتصل من أجندتها الخاصة بمن تعرفهم لتطلب منهم الحضور فورا إلي ريش للاشتراك في المظاهرة.
  كان كل شئ وليد اللحظة دون تخطيط أو استعدداد من أي نوع، ومع ذلك تجمع في نهاية الأمر وبتلك الوسائل البدائية عدد يتراوح بين 30 و40 كاتبا، أتذكر منهم نجيب سرور ويحي الطاهر عبد الله وبشير السباعي ورضوي عاشور وسعيد الكفراوي وربما إبراهيم منصور.
  المثير للدهشة أن أجهزة الداخلية لم تمنع المظاهرة قبل أن تتحرك، علي الرغم من أننا كنا نعرف المخبرين الملازمين لريش معرفة جيدة، بل إن أحدهم أصابه الضجر في أحد الأيام والملل ، من تنصته علي مايقال دون أن يفهم شيئا يكتبه في تقريره، واضطر أن يميل علي إبراهيم منصور الذي كان أطولنا وأعلانا صوتا وسأله علي نحو مباشر: » سيادتك في تنظيم سري؟»‬
لذلك مازلت متعجبا من تقاعس الداخلية عن منع المظاهرة قبل تحركها. والحقيقة أنها لم تكن مظاهرة بل مسيرة صامتة سارت بأقصي قدر ممكن من الانضباط والنظام  تحمل اللافتات عاليا من شارع طلعت حرب إلي قصر النيل إلي عبد الخالق ثروت وحتي نقابة الصحفيين، ولم تظهر الداخلية إلا متأخرة حيث ظهرت سيارة للشرطة وبعض الضباط الذين كانوا يبلّغون رؤساءهم، وسمعتهم يذكرون اسم يوسف إدريس، ولكن لم يعترضنا أحد حتي تفرقنا من أمام باب نقابة الصحفيين، بينما كان هناك ضابط كبير يدخل من الباب متوجها إلي يوسف إدريس باعتباره المسئول عن هذا الشغب الذي قمنا به.