رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 40 ) في مديح يوسف إدريس


محمود الورداني [email protected]
12/23/2017 11:46:31 AM

في ذلك الوقت ،الذي حضرتُ فيه - بالمصادفة طبعا- المظاهرة أو المسيرة الصامتة التي قادها يوسف إدريس احتجاجا علي اغتيال الموساد الإسرائيلي لغسان كنفاني، أحد رموز المقاومة الفلسطينية، في ذلك الوقت لم يكن يوسف إدريس يعرفني شخصيا، كنت مجرد نفر صغير السن، نشر بالكاد عددا من القصص عند عبد الفتاح الجمل في المساء.
 صحيح أننا تعارفنا فيما بعد عام 1984 عندما صدرت مجموعتي القصصية الأولي »السير في الحديقة ليلا»‬، وتركتُ له نسخة منها في مكتب  استقبال الأهرام، وفوجئت به في نهاية العام يختارها كأفضل المجموعات القصصية الصادرة ( وقد شرّفني نجيب محفوظ باختيار المجموعة القصصية التالية في العام الذي تلاه دون أن يعرفني، فقد كنتُ أيضا مجرد نفر صغير السن يحضر ندوته الأسبوعية مساء الجمعة في قهوة ريش، ويحاول الإفلات من ثمن المشروب الباهظ آنذاك!)
بالطبع كانت سعادتي باختيار إدريس لمجموعتي بلا حدود، لذلك بحثتُ عن رقم هاتفه واتصلت به أشكره، ودعاني للقائه في الأهرام، والحقيقة أنه احتفي بي، وحدّثني عن تفاصيل فنية محددة في المجموعة التي نالت إعجابه مثل استخدامي لأفعال الشروع، أو تكرار حيلة »‬ثم إن» للربط بين جملة وأخري.. وما إلي ذلك مما أكدّ لي أنه قرأ المجموعة بعناية.
لم يتح لي في هذا اللقاء أن أكشف له علاقتي القديمة به، وأنه كان أحد الذين أطاحوا بصوابي، ولحُسن الحظ أنني قرأته في وقت مبكر، ربما عام 1968 أو 1969، عندما قرأت بالصدفة ثلاث مجموعات قصصية كان شقيقي الأكبر الراحل عبد العظيم الورداني قد أتي بها إلي البيت. المجموعات هي أرخص ليالي لإدريس والقاهرة لعلاء الديب وحيطان عالية لإدوار الخرط، ولم أفهم الكثير من قصص الخراط وعلاء الديب آنذاك، ولكن يقينا أن المجموعات الثلاث التي قرأتها في وقت متقارب أطاحت بصوابي، وأدركتُ علي نحو ما أن القصة يمكن أن تكون أمرا آخر يختلف عن سائر ما قرأته آنذاك.
أريد هنا أن أكتب عن هذا الرجل، أو بالأحري أن أمتدحه. كان واحدا من كبار الحكائين المصريين، راو، ضمير جمعي، رأي وعاش وتعلم من الناس، وخاض كل تجاربه الأولي باندفاع وحرارة من تفتحت عيناه علي شيء بالغ الخصوصية، لم يُقدّر لسواه أن يدركه, لقد أدرك يوسف بناء الحكايةب المصريةب, ونبرة الصوت »‬المصري», وشيّد عالما كاملا من القصة القصيرة وأنشأه إنشاءَ، عبر كل أولئك الذين اختارهم من المهمشين والدخلاء علي الكتابة السائدة: الخادمات الصغيرات والفلاحين الأجراء وبائعي دمهم ومرضي المستشفيات الفقيرة واصولات البوليس والمناضلون السياسيين و»‬السهرانين» و»‬الفرانين» والأسياد والعبيد.. عالم كامل من الدخلاء قادوا يوسف وقادهم ليقتحم ويغزو ويروي وينتصر وينهزم وينهض ويتعثر، باحثا عن يقين مفقود لابن الحركة الوطنية  منذ انتفاضة 1946في لحظات ازدهارها وانكسارها.
وعاش يوسف باحثا وكاشفا وحكاءَ بكل ماتحمله هذه الكلمة من دلالة. وإذا كانت الكتابة السابقة عليه تراثها المباشر أوربي، وأهدافها ـــ  طبعا باستثناءات قليلة مثل أعمال يحيي حقي- واضحة ولها مغزي ومؤطرة ومؤسلبة سلفا، علي الرغم من ريادة بعضها، لكن يوسف خاض في بحار ومحيطات وشيّد مدنا بكاملها. لقد صنع ببساطة عالما ورؤية وأداة معا، وعلي نحو ما ظل قادرا علي أن يدهشنا ويصدمنا بدربة وصدق مذهلين.
علي أي حال، أدرك يوسف إدريس، ومن اللحظة الأولي، وربما علي نحو غير واع أن جنونه الحقيقي وعشقه ومحبته الغامرة للناس والحياة، كلها أمور وثيقة الصلة بنبرة الصوت الذي يؤدي به، وببناء الحكاية الذي شيّده حجرا فوق حجر. لقد تشكّل برؤيته، وصنع حواره مع الكتابة عبر الكتابة ذاتها.
  أواصل الأسبوع المقبل إذا امتد الأجل..