رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الإلهام:لاعبون، عُمَّال مناجم، وغَرابة جميلة


محمد الفخراني
1/6/2018 11:36:29 AM

ربما يحب الواحد مِنّا أن يعتبر نفسه مُلَهَمًا، هكذا: يأتيه الإلهام، وفقط، وبهذا يكون مميزًا، لكني أري الأمر بطريقة أخري، فالواحد مِنّا لا بد أن يبذل من روحه وأغلي ما فيه كي يحصل علي الإلهام، هو في الحقيقة يخلقه، وبهذا ربما يكون مميزًا.

جميلة هي تلك اللحظة، ويراها البعض بهذه الطريقة: يسقط عليك الإلهام من حيث لا تدري، دون تَعَب، أو شيئًا تُقدِّمه، لكن، فعلاً؟ يسقط عليك؟ من حيث لا تدري، ودون أن تُقدِّم شيئًا؟ هذا ليس إلهامًا، بهذا الشكل يبدو الإلهام مجانيًا، غير مميَّز، حتي غير جدير بالاهتمام، وسؤال هنا، ماذا لو أن شخصًا لا يفعل أيّ شيء، هل يمكن أن يصل إلي أيّ شيء؟ لن يصل، ربما تأتيه بعض الأشياء، لأن العالم كما أفكر فيه كريم في جوهره، لكن، لن يكون الإلهام من بينها، وأكثر من ذلك، الإلهام من بين الأشياء التي لن نحصل عليها إلا بالبذل، بحب، وبشكل متواصل، إصرار علي البذل مهما تطلَّبَ الأمر، والإلهام مُتطلِّب جدًا، هذا لائق به، وبمن يحصلون عليه، الحقيقة أننا نُخلِّقُه من أنفسنا، بأجمل وأغلي ما فينا.
ما يستحق الفَرَح به هو ما ندفع لأجله من أرواحنا.
الإلهام، أحد أكثر الأشياء التي نتعمَّدها، لكن دون أن ندرك ذلك بشكل واضح، تُطعِمه من روحك، ماءك، دمك، أفكارك، أوهامك، أحلامك، عقلك، لحمك وعظامك، حزنك وفرحك، ليلك ونهارك، تُقدِّم هذا كله إلي مكان ما داخل نفسك، لاتعرفه، لكنك تعرفه، هناك حيث تعمل معًا كل هذه الأشياء، بجهد كبير متواصل، دون أن تشعر أنت، وبينما تكون منهمكًا بالتفكير في شيء ما أو العمل عليه، يكون ذلك المكان العميق منهمكًا بالعمل والتفكير فيما سيظهر إلي السطح فجأة، ويراه بعضنا بتلك الطريقة، كما لو أنه سقط علي رؤوسنا، أو تعثرنا به، وهو في الحقيقة روح أرواحنا، عملنا المتفاني، لكن فقط له طريقته الخاصة في التجلِّي، تلك الطريقة المُفرِحَة المُرْبِكة، والمُطَمْئنة.
يبدو جهد العمل المبذول للحصول علي الإلهام مثل عدد هائل من عُمَّال في منجم، يعملون معًا بتناغم، دون انقطاع، يحفرون عميقًا، حيث الضجيج، الصخب، والاشتعال، لكن دون أن يظهر أيّ من هذا كله علي السطح، لا أحد يسمعهم، أو يراهم، أو حتي يشعر بهم، حتي يصلوا إلي تلك الماسَّة الفريدة، الصافية، ويُخرجونها للعالم، أيضًا دون أن يعرف أحد شيئًا عنهم، وهم في الحقيقة روح هذه الماسة، لولا عملهم العظيم، غير المرئي، ما كان لها أن تري الوجود، أو يراها.
هو مثل مجموعة من اللاعبين يلعبون لعبة جماعيَّة في ملعب خفيّ بداخلنا، لا نشعر بهم إلا عندما يصلون إلي لحظة النشوة، فنسمع هتافهم وصراخهم المنتشي، وننتشي معهم، واللعب بالطبع يحتاج إلي مهارة طبيعية، وخططً داخلية سريَّة.
يبدو ما يحدث أيضًا مثل عصا سحرية تلمس شيئًا بداخلنا، وتُغيِّر كل شيء، لكنَّ السحر يحتاج إلي بيئة خاصة، والكثير من الأعمال السريَّة غير المرئية، العصا ليست إلا شكلاً أدائيًا، وجماليًا.
الأمر في جميع أحواله يعتمد علي موهبة طبيعية، وعمل داخلي عظيم صامت، وغير مرئي.
ربما يقول كاتب، والكل يقولها في وقت ما: فلتأتِ الكتابة وقتما تأتي، لا يهم، أو تكون الجملة أكثر حِدَّة: تأتي أو لا تأتي، لا يهمِّني، أسأل هنا: هل الأمر كذلك فعلاً؟ تأتي أو لا تأتي، لا نبالي؟ فلماذا نحزن كل هذا الحزن عندما فقط تعاندنا الكتابة؟.
عندما نقول: »لتأتِ الكتابة وقتما تأتي»‬ ونبدو لا مُبالين، فإننا في الحقيقة نتمني وقتها أن عُمَّال المنجم بداخلنا يعملون، وأن اللاعبين يلعبون، وأن العصا السحرية تحاول بكل طاقتها لتُخرِج أفضل ما لديها، ربما نُلهي أنفسنا بأيّ شيء، هو في الحقيقة لا شيء، وننتظر أن يُخرِج لنا عُمَّال المنجم تلك الماسة، ننتظر صيحة النشوة من اللاعبين، وظهور النجوم اللامعة عند طرف العصا السحرية، فتلك أيضًا طريقة لتخليق الإلهام، ألا نحاول مراقبته، هو لا يريد إزعاجًا وإلحاحًا، مثل شخص يحب العمل بمفرده، وسينجزه بهذه الطريقة، الفرديَّة، علي أجمل وجه.
جوهر الإبداع أن تكون وحدك.
الكتابة لعبة فرديَّة.
الإلهام ليس فقط لحالات الأدب والفن والعلم، يمكن أن يكون في كل شيء بالحياة، لمن يتفاني بقلبه وعقله وروحه وجسده، ويثق أن تلك اللحظة موجودة، وتستحق، تخيَّلْ شخصًا ينتظر الإلهام، دون أن يبذل شيئًا، فقط ينتظر، وشخصًا آخر يسعي لتخليقه من روحه ومشاعره وكل تفصيلة في عالمه، أيهما يحصل عليه؟ مَنْ منهما يستحق، ومستعد؟.
أن تحصل علي ما تستحق، هذا عدل، أن تستحق ما تحصل عليه، هذا جوهر العدالة.
ليس كل عمل أدبي أو فني يُعتبر إلهامًا، ربما يُنجِز شخصٌ ما عِدَّة أعمال فنية أو أدبية، ولا يكون فيها أيّ شيء له علاقة بالإلهام، وربما هناك جملة واحدة، موسيقي يعزفها موسيقيٌّ دون أن يتعمَّد شيئًا محددًا، رسم مُتسرِّع بقلم رصاص، أو حتي تصرُّف ما في حياة عادية، أو جملة، نظرة، كلمة، وتكون إلهامًا كاملاً.
الإلهام هو أنْ تشعر، تعرف، أنَّ وجودك في حدّ ذاته قادر علي أن يكون إلهامًا، تشعر بأن الضوء الذي أضاء بداخلك لن يضيع منك، وأنه حصل علي وقته كاملاً ليتشكَّل من روحك ونفْسِك، لن يمارس معك الألاعيب، هنا ليُفرحك، يكافئك، هو الهدية التي كنتَ تُعدِّها لنفسك، دون حتي أن تعرف، أو ربما كنت تعرف، فقط تعرف أنك لا تعرف متي ستحصل عليها، لكنها قادمة لا محالة، وستعرفها عندما تأتي، لا يمكن أن تخلط بينها وبين شيء آخر، هي ابنتك، روحك.
هناك فارق بين الإلهام والأفكار اللامعة البرَّاقة: الأفكار قد تهرب إن لم ننفذّها أو نُدوِّنها علي الفور، تبدو متعجلة كأن لديها مواعيد أخري، الإلهام لا يفعل ذلك، يبقي معنا، لا أحد غيرك في حياته، أنت قصة حبه، يمنحنا كل الوقت لنتأمله، هو لك وحدك، الأفكار البرَّاقة يمكن أن نتوقُّع بعض أوقاتها، وأن نصنع لها فِخاخًا، الإلهام يأتي دون توقُّع، يختار لحظته، نحصل علي الأفكار اللامعة في كثير من الحالات بسبب مؤثر خارجي، ربما تفصيلة صغيرة تضيء شيئًا بداخلنا، فتشتعل الفكرة، الإلهام تشعر أنه نابع منك بالدرجة الأولي، يندفع مثل بركان، يمرُّ مثل شعاع ضوء، يترقرق مثل نبع ماء، هو روح تولد داخل روحك، الأفكار اللامعة تمنحنا نظرة أفقية، حتي مسافة محدودة، وتشعر معها بأنك في حاجة إلي ما يُكملها، الإلهام يمنحنا رؤية من أعلي، كاشفة، تشعر معه بحالة من الكمال، وأنك حصلت علي خريطة الكنز، الأفكار اللامعة بها شيء عملي، صلب، الإلهام بطبعه رومانسي، وحالم.
الإلهام، اللحظة النور، سَمِّها ما تشاء، لكن لا تنس، ولا تتنازل عن أنها صنيعتك بالدرجة الأولي، تخلَّقَتْ منك، هي ابنتك، دفَعَتَ فيها من أجمل وأغلي ما فيك، ليست مجهولة النَسَب، لم تسقط علي رأسك من الفراغ، لم تتعثَّر بها في طريقك، لو كان الأمر كذلك، لكان من الممكن أن يتعثَّر بها غيرك، أيّ أحد، لكن، ما كان لك من إلهام لا يكون لغيرك أبدًا، لأنه نابع منك، أنت مَنْ خلقته.
رغم ذلك، أفكر في أسرار العالم، وأن هناك ما لا نعرفه، وسيظل هناك ما لا نعرفه، خاصة في الأمور التي تتعلَّق بممارسات الروح والقلب، أحب أن يبقي جزء من كل شيء بلا تفسير، فقط ألمسه بروحي ومشاعري، أفهمه بإحساسي، والإلهام لائق بهذه اللمسة، وهذا الفَهم.
أحب في العالم تلك الغرابة الجميلة، المُحَفِّزَة للروح كي تحلم، تطمح، وتتوقَّع كل شيء، وتُصدِّق أن بإمكانها أن تفعل كل شيء، حتي ما لم يخطر بأحلامها، أحب أن يحتفظ العالم بتلك المساحات غير المفهومة، فلولا ما لا نفهمه، ما كان لشيء أن يكون مفهومًا.
لا يصفو عقل الإنسان إلا بعد أن يمتلئ بالأفكار، ولا يصفو قلبه إلا بعد أن يمتلئ بالمشاعر.