رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( ٤٢ ) قصة قصيرة طالت قليلا


محمود الورداني
1/6/2018 11:39:27 AM

 استأنف هنا محاولة الإلمام بالخطوط العريضة لمسيرة يوسف إدريس الحافلة. في وقت ما بعد منتصف الخمسينيات، عمل في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي منظمة دعائية ديكورية ترأسها السادات، لم يكن لها نشاط حقيقي، وكان الأخير هو الذي كلّف يوسف بترتيب موعد بينه وبين الراحل محمود أمين العالم، وهو مافعله يوسف علي الفور، ولم يحضر هو اللقاء، الذي دار حول مطلب حكام يوليو بأن يحلّ الحزب الشيوعي نفسه. استمرت المناقشات حتي وقت متأخر، وانتهت برفض العالم الحاسم لحل الحزب، فما كان من السادات إلا أن صرف العالم من منزله، واعتذر لأن السائق الذي جاء به غادر إلي منزله، وأنهي اللقاء ضاحكا بأن العالم رجل بروليتاري ويستطيع العودة سائرا علي قدميه!
  بعدها شنّ النظام حملة اعتقالات جديدة، وهو ما أغضب العالم بشدة، وعندما أخبر يوسف بغضبه، شاركه الأخير كما حرص العالم علي الإشارة إلي ذلك. لكنه بادر بنشر روايته »البيضاء»‬ في ذروة حملة عبد الناصر ضد الشيوعيين في الستينات، وصوّرت الرواية الشيوعيين كمجموعة من المسعورين جنسيا، ورأي البعض أن الرواية بلاغ لمن يهمه الأمر. ثم اشتغل بالصحافة، وواصل كتابة قصصه ومسرحياته رفيعة المستوي، ولقي احتفاء نقديا – يستحقه بالطبع- لم يحدث مع كاتب سواه.
  في السنوات التالية كانت له أياد بيض، ليس فيما يتعلق بإنجازه في القصة القصيرة وحدها، بل قدّم عددا من الكتاب مثل صنع الله ابراهيم ويحيي الطاهر عبد الله، وواصل تناقضاته عندما وافق علي قبول جائزة مالية معتبرة كانت تمنحها مجلة حوار المعروفة بتمويل المخابرات المركزية لها، وهو ما أغضب عبد الناصر، فيما يتردد، فأعلن يوسف رفضه لها، وأمر الرئيس بصرف قيمة الجائزة له!
  قبل حرب أكتوبر بعدة شهور، تعرض للفصل من الأهرام، بعد أن شارك مع عدد من الكتاب مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في التوقيع علي بيان يدين حالة اللاسلم واللاحرب التي امتدت لخمس سنوات.
  هذه الوقائع المتناثرة تشير في حقيقة الأمر إلي مظهر من مظاهر تناقضاته، فهم لم ينتم يوما بشكل حاسم للنظام القائم، وانتماؤه الحقيقي كان للشارع، إلا أنه كان مضطرا للتأرجح، وإخفاء ذلك الانتماء علي نحو أو آخر.
  ومن بين الوقائع أيضا ما جري عندنا توجهت جموع المتظاهرين في مطلع يناير 1977، احتجاجا علي رفع الأسعار، إلي مبني الأهرام، وفجأة وجد يوسف نفسه محمولا علي الأعناق والجماهير تردد الهتافات وراءه، وبعد أن راحت السكري، برر ما جري بأنه كان يبعد المتظاهرين خشية اقتحام الأهرام وتخريبه.
ومع تولي الرئيس المخلوع حسني مبارك، رحب به يوسف بشدة، وسارع بالظهور في برنامج تليفزيوني خصيصا لهذه المناسبة، وقدّم دعمه ومساندته له، وبدا متفائلا بشدة بالمرحلة الجديدة، وفي الوقت نفسه واصل معاركه من خلال »‬مفكرة يوسف إدريس» الأسبوعية في الأهرام، مثل معركته ضد وزير الثقافة عبد الحميد رضوان، والشيخ الشعراوي، وإن كان تراجع في المعركة الأخيرة، وانسحب انسحابا غير مشرّف.
  علي أي حال، لم تتوقف معاركه  التي كان يخسرها غالبا ويكسبها أحيانا. ووسط كل ذلك الضجيج، كان طوفانا هادرا وموهبة حوشية، أصدر 37عملا بين 1954 و1989 وهي أعمال لن يبلوها الزمن وشكلّت الإضافة الكبري لفن القصة القصيرة في العالم.
  السطور السابقة كانت محاولة لفهم واحدة من أهم الظواهر الأدبية المعاصرة بلا أي مبالغة. يتذكره الواحد في مثل هذه الأيام تحديدا، فهو كاتب الجموع والأحداث الكبري والتصدي للظلم والدفاع عن الحرية.
في لقاء تليفزيوني، أُجري معه قبل رحيله بشهور قليلة وصف نفسه بأنه: قصة قصيرة طالت قليلا.. رحل الرجل عن أربعة وستين عاما فقط، بعد أن غيّر وجه القصة القصيرة.