رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

صلاح عيسي الذي غادرنا ولن نغادره


شعبان يوسف
1/6/2018 11:50:21 AM

عندما يحاول المرء أن يضع تصنيفا قاطعا مانعا للكاتب الكبير الراحل صلاح عيسي، يستعصي الأمر عليه، فالذي يعود للتاريخ السياسي والثقافي والأدبي والفكري والصحفي منذ أكثر من نصف قرن، سيجد أن كاتبنا الكبير قد ضرب في كل مجال من تلك المجالات بفأسه الحادة والقوية، وترك علامات ذات أثر فاعل فيها، رغم أنه قد حصل علي شهادة بكالوريوس الخدمة الاجتماعية، ولم يكن قد درس في كليات الآداب، التي يتخرج منها الكتّاب والأدباء، وإن لم تكن ولم تصبح قاعدة، فغالبية الفاعلين في حقول الأدب والثقافة والفكر، لم يخرجوا من معاهد أو كليّات متخصصة.
وكان كاتبنا الكبير الذي ولد في محافظة الدقهلية مركز »ابشلا»‬، قد تعرّف علي الفكر اليساري منذ عقد الأربعينات والخمسينات، حيث أن الدقهلية كانت مجالا واسعا للثقافة وللمثقفين عموما، فهي المحافظة التي أنجبت علي محمود طه وابراهيم ناجي وأحمد حسن الزيات وغيرهم من أعلام الفكر والأدب والثقافة، وفي أواسط الخمسينات استطعت أن أعثر علي رسائل لصلاح عيسي إلي مجلة »‬ الرسالة الجديدة» التي صدرت عام 1954، وكان يرأس تحريرها الكاتب الروائي والضابط يوسف السباعي، وكان صلاح يكتب باسمه الرباعي »‬صلاح السيد متولي عيسي»، ويبدو أن الاسم الرباعي ذلك كان ظاهرة انتشرت بين شباب الجيل الذي ينتمي إليه صلاح، إذ كان مجايله عفيفي مطر يراسل المجلات باسم »‬محمد عفيفي عامر مطر»  وكان علي شلش كذلك، وكان آخرون يكتبون باسمهم الثلاثي مثل أحمد عبد المعطي حجازي ومحمد ابراهيم أبوسنة، وخيري أحمد شلبي إلخ إلخ.
ولا أريد أن تستغرقني تلك السمة أو الظاهرة، ولكنها تشير إلي أن هذا الجيل كان يؤكد علي ذاته بكافة الوسائل، وأبسط تلك الوسائل ذلك الاسم المطول، والفاحص لرسائل صلاح عيسي إلي يوسف السباعي سيلاحظ أن الفتي كان يسأل الكاتب بكل جرأة، والكاتب الكبير يجيب بكل أريحية، وكان الباب الذي أنشأته مجلة الرسالة الجديدة تحت عنوان »‬بيني وبين القراء» يحمل رسائل حادة إلي السباعي، ولكن الأخير كان يجيب بوضوح وحميمية، مما جعل تلك النافذة ديمقراطية ومحببة إلي القراء، ومازلت أنا شخصيا أعيد قراءتها لأحاول النفاذ إلي روح العصر من خلال ما أقرأه.
كانت تلك هي النافذة الأولي للشاب صلاح عيسي، والذي تطورت به الأمور ليصبح كاتبا ملء السمع والبصر والصحف والمجلات في خلال عقد واحد من الزمان، ويلتقي بنجوم جيله الشعراء وكتّاب القصة والنقاد، مثل: إبراهيم فتحي وصبري حافظ وجمال الغيطاني والسيدين حجاب وخميس وغالب هلسا وغيرهم، ومن قبل وبعد هؤلاء كان الكاتب والأديب والصحفي عبد الفتاح الجمل يرعي ذلك الجيل الذي صنع بستانا من الزهور، وكان الجمل يوفر كل مصادر الطاقة لتنمية ذلك البستان في صفحته العظيمة ثم ملحقه الأدبي بجريدة المساء، وكان صلاح عيسي النجم الأكثر سطوعا في ذلك الملحق، وفيه بدأ كتاباته الجادة والمهمة، بعد بضعة كتابات في مجلة »‬ الآداب» البيروتية، ومجلة »‬المجتمع العربي»، وقد نشر فيها بضعة تحقيقات صحفية.
ولم تكن كتابات صلاح عيسي تلك الكتابة الناعمة والمحايدة، بل إنه كان يكتب كثيرا حول مسألة الديمقراطية في مصر، وكان في العام 1966 مراسلا لمجلة »‬الحرية» اللبنانية، وكتب ثلاث حلقات في المجلة، متسائلا عن مستقبل الديمقراطية في ذلك العنوان العريض الذي كان يعيده صلاح عيسي مرارا وتكرارا، وكتب فيه أكثر من مرة، وعندما عاد في سبتمبر 1974 وفي مجلة الكاتب ، وكتب تحت العنوان نفسه ، قال : »‬ كانت الديمقراطية  ومازالت الحلقة الرئيسية في كل مايواجه بلادنا من مهام، إنها لا تشكل فحسب وعلي عكس ما يظن البعض حجر الزاوية في قضية تحرير الأرض المحتلة ، لكنها أيضا الوسيلة الوحيدة لذلك، والنجاح في صياغة هياكل ديمقراطية حقيقية لا يكفل فقط حماية السوق الوطنية من العودة إلي حالة التبعية للسوق الامبريالية وهو ماتلح وتدفع إليه شرائح اجتماعية مؤثرة في مصر الآن بل إن هذه الهياكل الديمقراطية هي الضمان الذي لا بديل له لحماية المكتسبات الاجتماعية المحدودة التي تحققت لجماهير الشعب».
إذن كانت مسألة الديمقراطية هي إحدي المعضلات التي تعرض وتصدي لها صلاح عيسي منذ بواكيره كتاباته الأولي، وكذلك اعتقل بسبب غياب تلك الديمقراطية، فبعد كتاباته في مجلة الحرية، تم القبض عليه هو ورفاقه اليساريين، والذين ذكرنا بعضهم سلفا، قبض علي صلاح في 4 أكتوبر 1966، وكانت هذه هي المرة الأولي التي يتم فيها اعتقاله، وكانت التهمة الموجهة إليه، هي قيادة تنظيم يدعي »‬ وحدة الشيوعيين»، أو »‬و.ش»، يهدف إلي قلب نظام الحكم ، من خلال حملات تجييش الطبقات ضد النظام، وكان صلاح يعمل في ذلك الوقت إخصائيا اجتماعيا، ويسكن في أكثر أحياء القاهرة شعبية وحميمية »‬السيدة زينب»، وإن كانت هذه هي المرة الأولي لاعتقاله، ولكنها لم تكن الأخيرة، بل ظل ضيفا دائما علي مختلف سجون ومعتقلات مصر.
ورغم تلك الاعتقالات المتكررة، إلا أنها كانت سنوات إبداع أدبي وإنتاج فكري وكتابات سياسية مدهشة، كتابات تظل حتي الآن فاعلة ومؤثرة وذات طابع سجالي، إذ كانت تلك الكتابات تطرح الأسئلة علي التاريخ والحاضر في وقت واحد، ورغم تلك الكتابات الغزيرة، إلا أن صلاح عيسي لم ينعزل ويعيش دور المثقف المفكر صاحب النظريات في البرج العالي مثلما كانت صورة المثقف التي صدرها لنا توفيق الحكيم ومحمود تيمور وغيرهما، ومن ثم كانت مشاركات صلاح عيسي في الاحتفاليات الثورية واضحة بشكل كبير.
لذلك كانت علاقته مع جيل السبعينات قوية ومتينة، وبعد جولة من الاعتقالات، استطاع أن يترك وظيفته كإخصائي اجتماعي ويلتحق بجريدة الجمهورية، وفي الجريدة يجد من يترصده أيضا، ويكتب عنه التقارير الأمنية، والتي تعمل علي تضييق حركته، ولكنه كان صلاح يتنفس من خلال رئات صحفية أخري، إذ كان يكتب في مطبوعات ثقافية عديدة منها مجلة »‬الآداب» البيروتية التي كانت تنشر له قصصا قصيرة، كذلك انضم إلي هيئة تحرير مجلة الكاتب، وكان انضمامه إلي هيئة تحرير المجلة سببا في ضيق شديد لكتّاب اليمين في ذلك الوقت، وعلي رأسهم الكاتب الصحفي إبراهيم الورداني.
وإذا كانت السنوات الأولي في شباب صلاح عيسي قد حملت بعض الذكريات الطيبة مع يوسف السباعي، علي صفحات مجلة »‬الرسالة الجديدة»، كانت سنوات السبعينات تحمل أحداثا خشنة بينهما، وإذا كانت مسألة الديمقراطية هي التي قادت صلاح عيسي ورفاقه في أواخر عام 1966، فكان مقاله »‬ مستقبل الديمقراطية في مصر» المنشور في مجلة »‬الكاتب»  في سبتمبر 1974 سببا لترصد يوسف السباعي ورجاله، والضغط علي المجلة ومراقبتها ورفع الدعم عنها، حتي أجبرت هيئة التحرير علي تقديم استقالتها إلي يوسف السباعي وزير الثقافة، ووقع علي تلك الاستقالة أعضاء هيئة التحرير وهم: لطفي واكد ، د محمد أنيس، رجاء النقاش، صلاح عيسي، بالإضافة إلي رئيس التحرير أحمد عباس صالح، وسكرتيريّ التحرير أحمد القصير و حسنين كروم، وتضمنت الاستقالة رصدا وافيا لكافة المضايقات والمطاردات التي عاني منها الكتاب وهيئة التحرير، وفي شهر ديسمبر 1974 استضافت مجلة »‬الطليعة» علي صفحاتها كتّاب وأعضاء هيئة تحرير مجلة الكاتب، بعد أن تم تشريدهم، وتسكين الشاعر صلاح عبد الصبور رئيسا للتحرير، وعبد المنعم صادق مديرا لتحرير المجلة، وفي تلك المرحلة بعد انفضاض هيئة التحرير، وانفرط عقد المجلة، أسس عيسي وكالة أنباء »‬ألوان»، ثم أصبح مراسلا لمجلة »‬الثقافة» العراقية التي كان يرأس تحريرها العراقي صلاح خالص، واستكتب عيسي عددا واسعا من المثقفين المصريين مثل جابر أحمد عصفور وغالب هلسا وخيري شلبي وعبده جبير ونجيب سرور، كما أن الفنان عز الدين نجيب كتب كتابه »‬الصامتون»، ونشره علي حلقتين في المجلة بتقديم من صلاح عيسي، وهو عبارة عن تجربته في مؤسسة الثقافة الجماهيرية في عقد الستينات.
ظل صلاح عيسي يكتب في المجلات المستقلة، بالإضافة إلي ماكان يستطيع تمريره في جريدة الجمهورية، كما أنه كان يشارك في كافة الاحتفاليات السياسية المعارضة للديكتاتورية الساداتية، وكان ينشر بعض قصصه في مجلات مختلفة، وفي عام 1975 تأسس اتحاد الكتاب المصري، والذي نشرت لائحته في شهر نوفمبر 1975، ورأي البعض أن ذلك الاتحاد ماهو إلا الالتفاف الحكومي علي الشعار القديم الذي رفعه المثقفون المصريون انحو اتحاد وطني ديمقراطي مستقل للكتاب والفنانين»، وبعد التصديق علي القانون من مجلس الشعب ونشره، جرت معركة ضارية بين الكتاب والمثقفين، وكان صلاح عيسي يري أن هذه المعركة غير صحيحة، وعلي الجميع أن يدخل ويعمل علي تغيير كافة البنود المجحفة بحقوق الكتاب من الداخل، ولكن المعركة جرت وسالت فيها اتهامات عديدة بالانتهازية وغيرها، ساعتها كتب صلاح عيسي مقاله الشهير »‬السلاح اليميني الفاجر والأسلحة اليسارية الفاسدة» في مارس 1976، ونشره في مجلة »‬الثقافة البغدادية»، وكتب في مستهلها : »‬انتهت الجولة الأولي من معركة اتحاد الكتاب المصريين، وآن الأوان لمرحلة دراسة متأنية وصبورة، تستهدف المستقبل فلا تقف عند ما مضي إلا بمقدار الحرص علي ما سيأتي ، تعقل العواطف الجامحة.. وتلجم الحزن الطارئ ... وتملك الشجاعة في مواجهة اليأس والعدمية»!.
وكانت كلمات صلاح قاسية في مواجهة ما يسمي باليمين، وكذلك في مواجهة اليساريين الذين أسماهم بالحنجوريين حسب الوصف الشهير لمحمود السعدني، ونادي بالتصرف بعقلانية، بعيدا عن الشعارات الرنانة والعبارات الجوفاء التي لا تجني سوي الحسرة، وتترك أهل اليمين ينعمون بتلك الغنيمة السمينة التي اسمها »‬اتحاد الكتاب»، وأيا كان اختلافنا أو اتفاقنا مع العم والأخ الأكبر صلاح عيسي، فهي وجهة نظر تحترم، وله فيها تحليلات مطولة، وأعتقد أنها كانت بذرة كامنة لديه للالتحاق ب أو تأسيس مؤسسات نقابية تخدم المثقفين وغيرهم، ولذلك لم أكن مندهشا لكونه أصبح رئيسا لتحرير جريدة القاهرة، فذلك كان امتدادا لفكرة قديمة، ولحلم مؤجل، بعيدا عن النتائج التي أدت إليها التجربة.
ورغم أنه نادي بالتغيير من الداخل، ومجاراة المؤسسات الرسمية والصراع ضدها في الوقت نفسه، إلا أنه لم يتأخر آنذاك عن المشاركة بكل طاقته للمشاركة في »‬أسبوع الجامعة والمجتمع»، الذي عقد في مدرج كلية الحقوق بجامعة القاهرة في أكتوبر 1976، ذلك الأسبوع الذي شاركت فيه كل أسر وجماعات الحركة الطلابية المصرية، ومازلت أتذكر صلاح عيسي وهو يخطب من علي منصة المدرج، وكانت كلماته بلا مبالغات ومجازات تهز أركان المدرج، وكان التصفيق يقاطع كلماته بين كل جملة وأخري، واكتشفت آنذاك أنه ليس باحثا كبيرا فقط، وليس صحفيا ماهرا فحسب، وليس أديبا يكتب القصص بجدارة تنافس جدارة أبناء جيله، بل كان خطيبا مفوها ووطنيا عظيما، وينتمي إلي سلالة مصطفي كامل ومحمد فريد ومصطفي النحاس، وهذا كان شعوري ورؤيتي له آنذاك، والتي مازالت سارية حتي الآن، بعيدا عن المرحلة التي أثارت الجدل حوله، وكتب فيها وعنها وفيه وعنه كل من هب ودب، وآسف لاستخدام العبارة الأخيرة، لأن ما أعطاه صلاح عيسي وظل يدافع عنه طوال حياته، سيظل مشرقا في وعي المصريين لأزمنة بعيدة.
كان أسبوع الجامعة والمجتمع أحد أشكال التحريض التي شاركت بقوة في التمهيد لانتفاضة 18 و19 يناير، وتم القبض علي أعداد وفيرة من الطلاب والكتاب والصحفيين، وكذلك تم تصنيف 176 عنصرا، وتوجيه الاتهام إليهم، علي اعتبار أنهم المحرضون والقائمون بقيادة أحداث الانتفاضة، وانقسمت قائمة المتهمين إلي ثلاثة أقسام، وكان صلاح عيسي المتهم 157، وقد وجهت إليه كمية اتهامات مرصودة باستفاضة في أوراق القضية 100 لسنة 1976، والتي خرج منها براءة بحكم من القاضي الجليل حكيم منير صليب، والذي رأي أن حق صلاح عيسي في التعبير عن غضبه، حق ثابت في الدستور، وخرج صلاح ليبدأ مرحلة جديدة في جريدة الأهالي، ويصبح مديرا للتحرير، ثم يترأس سلسلة »‬كتاب الأهالي» فيما بعد، تلك السلسلة التي أصدرت كتبا في غاية الأهمية، بعضها إعادة نشر مثل مذكرات محمد ابراهيم كامل ، والثورة والثورة المضادة لغالي شكري، وبعضها الآخر مؤلف مثل مذكرات محمد عبد السلام الزيات ومدرسة السادات السياسية للطفي الخولي، بالإضافة لعشرات الكتب التي تحتاج إلي قراءة خاصة ومستفيضة.
وجدير بالذكر أن كتابات صلاح التي كان يكتبها في يوميات الأهالي، والتي جمعها فيما بعد في كتابه البديع »‬تباريح جريح»، نستطيع أن نعتبرها استكشافا حقيقيا لنبض المرحلة، وكانت احتجاجات صلاح آنذاك تنطلق من وعي وطني ديمقراطي، ذلك الوعي يضاف إليه وجهة نظره اليسارية الممزوجة بأطياف الأيديولوجية الماركسية، تلك الفترة التي كتب فيها كتابه  »‬الثورة العرابية»، وحاول أن يطبّق وعيه بالماركسية ذات البعد المادي الجدلي علي كافة أحداث تلك الثورة، وربما لو استطاع صلاح عيسي أن يعيد صياغة ذلك البحث المهم، كان سيخفف كثيرا من بعض أحكامه الحادة.
انتهت تلك المرحلة بقرارات 5 سبتمبر 1981، ليوجه لصلاح عيسي مع مجموعة كبيرة زادت عن 1600 كاتب ومثقف، وضمت في إهابها كافة الأطياف السياسية، من فؤاد سراج الدين الوفدي الصديق، وعدوه اللدود محمد حسنين هيكل، جمعت تلك القرارات اليساري واليميني، كما جمعت الشيخ بالقسيس، وكانت نهاية دراماتيكية للمرحلة الساداتية، لتؤدي إلي اغتياله في 6 أكتوبر 1981، ويخرج بعدها صلاح عيسي مع رفقاء السجن ليبدأ مرحلة أخري، نأمل أن نتعرض لها، ونتعرض لقراءة مؤلفاته في القريب العاجل إن شاء الله، لنتعرّف علي إحدي المحطات الفكرية والسياسية والثقافية والصحفية المهمة والفاعلة في تاريخ مصر الحديث.