رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

بمناسبة ما يحدث في القدس الشريف: متي ننتقل لمرحلة العمل ؟


القدس الشريف

القدس الشريف

انتصارمحمد
1/6/2018 11:55:53 AM

في إطلاق مصطلح »دولة إسرائيل »‬ علي »‬ الكيان الصهيوني الغاصب» ، اعتراف بدولتهم وسيادتهم علي أرض فلسطين، وحقهم في الوجود علي تلك الأرض المغتصبة، وفي ذلك تطبيع للمواطن العربي المسلم علي تقبل الكيان المعتدي، ليصبح جزءًا في منظومة المنطقة العربية، واعتباره دولة لها سيادتها وقانونها واحترامها ، لدفع العقل العربي والإسلامي إلي القبول بطمس اسم فلسطين، ومحو رسمها من خريطة العالم.  

 حقيقة السلام الذي يبغيه اليهود هو الاستسلام، والذي يعني قبول العرب والمسلمين بالكيان الصهيوني كدولة مستقلة ذات حدود آمنة، وهذا اعتراف بحقوق اليهود في فلسطين، ولا يخرج هذا السلام المزعوم عن محاولة صهيونية لتكريس الاحتلال والاعتراف بالمحتل وإِعطائه الأمن والأمان، واستمراره تحت مسميات تتناسب ولغة العصر الحديث. فقد صرحوا  بمقولة »‬ الأرض مقابل السلام »، وسرعان ما تراجعوا وقالوا: »‬ الأمن مقابل السلام » ثم غيروا وبدلوا وقالوا »‬ السلام مقابل السلام » !!!. تقول رئيسة وزراء إسرائيل السابقة »‬ جولدا مائير» في تصريح لصحيفة »‬الصنداي تايمز» بتاريخ 15مايو 1969 بأنه لا يوجد شعب فلسطيني ولا وجود لهم.
لقد قامت الذي تدعي إسرائيل علي مجموعة من الأساطير والادعاءات الدينية والتاريخية، وجمّع قادة الصهيونية يهود العالم في هذه الأرض بناءً علي ذلك، وأخذوا يزيفون التاريخ، ويزعمون أن لهم حقًا تاريخيًّا في أرض فلسطين، وبهذا الحق يملكون شرعية العودة إليها وإقامة دولة لهم فيها، وحثت يهود العالم في أوروبا وأمريكا بزعم أنهم أصحاب الأرض المقدسة فلسطين.
   وإزاء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه الذي أعلن فيه نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلي القدس، قائلاً في كلمته: »‬قررت أنه آن الأوان للاعتراف رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل».
تأملت كلمات أستاذي ومعلمي الدكتور الراحل محمد علي حلة، الذي كان ولا يزال المعلم والسند والأب بالنسبة لي، في كتابه »‬ القدس الشريف حقائق التاريخ وآفاق المستقبل» و يتحدث عن عروبة القدس الشريف وإسلاميتها، فتعد ضربًا من حديث معلوم للجميع، بل إنه من الحقائق والمسلمات التي يجاوز العلم بها المنطقة الجغرافية للأمة الإسلامية ويتعداها إلي آفاق العالم.
   إنه من المسلمات التاريخية أن القدس الشريف تؤكد ونؤكد جميعًا أنها عربية الأصل في النشأة والتكوين، إسلامية الهوية في الحضارة، ولكننا بالنظر إليها نجدها تعيش صفحات مأساة حقيقية في تاريخ القضية الفلسطينية منذ أعوام وأعوام، تعاني وطأة السيطرة الإسرائيلية، التي لم تكتف باحتلالها فحسب، بل أخذت تضع خططًا توسعية لسلخها من واقعها العربي والإسلامي .
 كما تذكرت مقترحات الكونت فولك برنادوت الوسيط الدولي للجمعية العامة للأمم المتحدة والتعديلات الإقليمية التي رأي إدخالها علي مشروع تقسيم فلسطين، وقدمّها إلي هيئة الأمم المتحدة في 27 يونيو 1948 أي بعد إعلان قيام دولة اسرائيل، وكانت مقترحاته فيما يختص بالقدس، وهي ضم مدينة القدس إلي الإقليم العربي، ووضع تدابير خاصة لحماية الأماكن المقدسة، ولكن حكومة إسرائيل (المؤقتة) رفضت مقترحات برنادوت رفضًا مطلقًا. ورد برنادوت قائلا »‬تقع القدس في قلب ما يجب أن يكون إقليمًا عربيًّا، في أي مشروع لتقسيم فلسطين، وأية محاولة لعزل هذه المنطقة سياسيًّا أو غير ذلك تثير مصاعب كثيرة » . مؤكدًا أن أحدًا لم يفكر في أي وقت من الأوقات بإدخال القدس في الدولة اليهودية. ومن الغريب أن الوسيط الدولي برنادوت قد لقي حتفه علي يد العصابات الصهيونية في القدس جزاء شجاعته في إبداء رأيه بوجوب ضم القدس وغيرها إلي الإقليم العربي. إن التصلب الاستراتيجي الأمريكي لصالح إسرائيل هو السمة الأساسية التي يمكن أن توصف بها السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينة منذ إعلان قيام اسرائيل حتي الآن، فنجد الرئيس هاري ترومان يسارع إلي الاعتراف بدولة اسرائيل، بعد 11 دقيقة فقط من الإعلان، بل صدر الاعتراف قبل أن تطلبه حكومة إسرائيل المؤقتة. فلقد كانت أصوات اليهود الانتخابية وأصوات المتعاطفين معهم مؤثرًا قويًّا علي نهج ترومان إزاء القضية الفلسطينية ، وقد صرح بذلك ترومان للمندوبين العرب الذين قابلوه للاحتجاج علي سياسته المنحازة لإسرائيل. بينما جاء الجنرال دوايت أيزنهاور الذي دعم إقامة دولة كومنولث في فلسطين وحماية المصالح اليهودية، ومع بداية تولي الرئيس الأمريكي جون كينيدي، جاءت قراراته بعودة اللاجئين إلي موطنهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ولكن إسرائيل عارضت هذا القرار ووصفه ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه قرار يهدد أمن إسرائيل، ومر القرار رقم194 للجمعية العامة للأمم المتحدة وكأنه لم يكن و ليس له تأثير، هكذا تأتي قرارات الأمم المتحدة عندما تهدد المصالح الإسرائيلية.
نجد أن مرحلة ما بعد حرب 1967، وقعت القدس العربية في قبضة الاحتلال الاسرائيلي الذي استخدم مصطلح القدس الشرقية تسمية لها، وشاع هذا المصطلح والذي يجب علينا تداركه؛ لأن سجلات التاريخ لا تعرف سوي قدس واحدة هي مدينة القدس الشريف.
وقد اتسمت مرحلة مابعد 1967 بمرحلة الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، تلك المرحلة التي سخرت فيها الحكومة الأمريكية جميع طاقاتها للحصول علي تأييد دولي لفكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين. فقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية علي مراحل مختلفة وباختلاف رؤسائها تحجيم مسئولية المجتمع الدولي في لعب دور لوضع تصورات لحل القضية الفلسطينية، وخصوصًا الأمم المتحدة، وحصر مسئولياته في دائرة دعم الجهود دون التأثير في مسار الحل وبنوده، وخفض سقف المطالب الفلسطينية والعربية إلي القدر الذي يتماشي مع حاجة إسرائيل لضمان أمنها ووجودها، وبذلك تكون قد نجحت في جعل حل القضية الفلسطينية قضية العرب مسألة خارج القرارات الدولية، وبالتالي إبقاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما نشاهده الآن علي مرأي ومسمع الجميع مهمة تتولاها الولايات المتحدة الأمريكية.
لا جدوي من التباكي علي الماضي، بل يجب علينا العمل من أجل الحاضر، ولذا فإن عالمنا العربي لابد له من ترك مرحلة العيش علي الأمل إلي مرحلة العمل، ولن يتأتي ذلك إلا بأن يسارع العرب إلي تجاوز خصوماتهم وخلافاتهم، وأن يواجهوا العالم برأي واحد في قضية القدس. فهل من العدالة أن يُحرَم أصحاب الأرض الفلسطينيون من العيش بسلام علي أرضهم . وإلي متي سنكون أصحاب العبارات الرنانة بأن فلسطين عربية والقدس عاصمة لها ؟ أنكتفي بذلك؟ أنظل نندد بالاحتلال المشئوم عبر خطب وأحاديث؟ فكيف يتأتي لنا نحن العرب أن نترك القدس الشريف تحت حكم من لا يصون ؟.