رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

سِرّ مونيه


دينا مندور [email protected]
1/27/2018 10:22:03 AM

لم يكن كلود مونيه »14 نوفمبر1840- 5ديسمبر1926»‬ أحد أهم مؤسسي تيار الإنطباعية فقط بل كان أكثر الفنانين التشكيليين سريّة فيما يخص مقتنياته الفنيّة.
انتبهت في زيارتي الأخيرة لعاصمة النور والتنوير إلي اللافتات الاعلانية العديدة المنتشرة في الشوارع وعلي محطات الاوتوبيس وتشير إلي متحف »‬مارموتان-مونيه» وإلي إقامة معرض موسمي به يستمر من منتصف شهر سبتمبر 2017 حتي منتصف شهر يناير 2018 لعرض مقتنيات الرسام الشهير مونيه الفنيّة. ومع خصوصية ودقة العنوان Monet »‬ollectionneur كان لابد من الزيارة واكتشاف ما يحتويه.
تبنّي القائمون علي متحف مارموتان-مونيه بحثًا دؤوبًا- يكاد يكون بوليسيًا- لتتبع الأعمال الفنية التي كان يقتنيها إبان حياته سواء بالشراء أو التبادل الفني أو الهدية وتركها للورثة الذين لم يحتفظوا بها بل تفرقت بين جدران المعارض في أنحاء العالم وعند التجار والوكلاء.  لم تكن محاولات دومينيك لوبستان – المؤرخة الفنية- وماريان ماتيو – مساعد مدير المتحف والمسئولة عن المجموعات الفنية –لتتبع وجمع مقتنياته بحثًا عن مشقة مجانية؛ بل كان إيمانًا منهما بأهمية عرضها لمتخصصي الفن التشكيلي ومحبي مونيه بل ومحبي معاصريه الذين اقتني أعمالهم الفنية. فلكل لوحة أو تمثال حكاية وسبب، وتعد كل لوحة تجليًا لعلاقة شعورية خاصة بين ذائقة مونيه وبينها، بين هَوَاه كمتلق وبين الأسلوب الفني لزميله أو صديقه المتجسد فيما اختاره من لوحات.  
عند دخولنا إلي المتحف وبعد اجتياز طابور الزائرين والمرور بإجراءات الأمن المعتادة، يتم تسليمنا مرشدًا صوتيًا وهو عبارة عن جهاز صغير يتحدث بالإنجليزية أو الفرنسية حسب تفضيل الزائر. يوجد بجوار معظم اللوحات رقم صغير وموجز لتاريخ اللوحة، عند ادخال هذا الرقم في الجهاز المحمول يبدأ في سرد قصة اللوحة بالتفصيل وباللغة المختارة.
بدأت الجولة التي شملت ثلاثة طوابق، وكان من المدهش اكتشاف هذا الجانب الخفيّ عند مونيه الانسان والصديق والفنان؛ فقد كان يجالس أصدقاءه ومعاصريه أمثال رينوار وسيزان ومانيه وغيرهم، ويعرف مشروعهم الفني الحالي أو القادم ثم يشتري ما يهواه من أعمالهم دون علمهم؛ لأنه كان يرسل صديقًا له وهو وكيل فني في ذات الوقت ليشتري اللوحة لحسابه فلا يعرف البائع صاحب الجاليري أن اللوحة لمونيه وبالتالي لا يعرف صاحب اللوحة أيضًا. احتوي متحفه الشعوري والخاص علي ما يقرب من مائة قطعة فنية بينها ستون لوحة، فُقِد الكثير منها أثناء الحرب العالمية الثانية. احتل سيزان المرتبة الأولي فيها بأربع عشرة لوحة، نجحت إدارة المعرض في استعادة خمس منها فقط، توزعت بين لوحات الطبيعة الميتة – موضوع سيزان المفضّل- والمناظر الطبيعية والبورتريهات، والتي باعها ورثة مونيه، من قبل، بمبالغ باهظةلتعرض في أكبر متاحف العالم الفنيّة.
ثم يأتي رينوار في المرتبة الثانية بتسعة أعمال تم اقتناء معظمها عن طريق الوكلاء والتجار كما ذكرنا ومن أهمها لوحته الحسيّة الشهيرة فتاة تستحم، وهو اختيار مثير للتساؤل بالنسبة لفنان اعتاد رسم المناظر الطبيعية دون الأشخاص. ثم بعض لوحات صديقه بارت موريسو لإعجابه بفنه ولدعمه ماليًا في أول معرض شخصي يقيمه موريسو لبيع لوحاته.
أما لوحات بيسارو فكان معظمها في اطار تبادل فني بين الفنانين أو كهدية منه مصحوبة بشكر لدعم مادي قدمه مونيه في مناسبة سابقة.
التبادل الفني أيضًا كان وراء اقتناء مونيه لبعض أعمال رودان –النحات الفرنسي الأشهر- وكان رودان هو من بدأ هذا التبادل حين أرسل لمونيه تمثاله أم شابة في الكهف، ورد عليه مونيه بإرسال لوحته جزيرة جميلة.
بداية من عام 1880 بدأت الثروة تعرف طريقها إلي مونيه، فتوجّه ببوصلته حينها نحو لوحات أساتذته فاشتري لوحات علي ورق لـ دولاكروا، ولوحة زيتية صغيرة وبديعة لـ كورو وبعض أعمال بودان والرسام الألماني جونجكيند الذي أثّر فيه كثيرًا في سنوات شبابه الأولي.
اللافت للنظر في تلك الجولة كان تأمّل الروح الفنية السمحة التي تمتع بها فنان رائد مثل مونيه، حيث تغلّب استيعابه لفن معاصريه علي احتمالات الغيرة الفنيّة. وحسّه الانساني تجاه الأصدقاء علي رغبته في توفير المال فكان يشتري ما يستطيع بدلًا من طلب الهدية.
هكذا يكون الفنان.. الصديق.
إنه سر وسحر مونيه.