رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

من الأكوريل للاكريلك

الطراوي : الفنان لابد أن يكون في حالة تمرد


مني عبد الكريم
2/3/2018 11:51:09 AM

لا شك أن المرأة كانت ولا تزال أحد أهم الموضوعات التي تم طرحها تشكيليا علي مدار تاريخ الفن، حاملة الكثير من الرؤي التشكيلية والدلالات التي أجاد الفنانون توظيفها كل بأسلوبه وطريقته.. وعلي الرغم من تعدد ما تم طرحه فإن التحدي دائما يكمن في تقديم ما هو جديد.
ذلك التحدي الذي خاضه بجسارة الفنان محمد الطراوي في معرضيه الأخيرين »هي»‬ و»‬هن» واللذان  خصصهما بالكامل للمرأة كمفردة يعزف عليها منفردا ومتفردا ومتحديا نفسه في تقديم رؤية مختلفة عن المطروح وعن أسلوبه هو ذاته.
والحقيقة أن »‬هن» بدت وكأنهن لم يكن من قبل، حيث خرجت نساء الطراوي في معرضه الأخير مختلفات. لتبدو المرأة في معرضه وكأنها بناء أو مدينة، وبين البطولة المفردة والثنائيات والمجموعات، مال الطراوي للتجريد والرمزية تاركا حرية البوح للألوان حيث نشد الفنان التشخيص المشوب بلمحة تجريدية فتوارت خلف المشهد الظاهري طبقات تؤسس لعلاقات لتبدو أحيانا علي هيئة وجوه خفية تطل من وراء الطبقات اللونية.. حيث يصنع اللون هنا الأشكال وليس العكس تاركا بذلك مساحة للمتلقي لمحاورة العمل حسب مرجعيته الثقافية والفنية بل إن اللوحات تتسم كما ذكر الناقد عز الدين نجيب »‬بتفجير الكتلة وتحويلها إلي شظايا لونية وضوئية وتقدم بعيدا عن الغواية الجنسية لتبدو في هيئة كتلة غامضة بغير تفاصيل». ففي بعض اللوحات التي تشبه الموديل العاري اعتمد الطراوي علي الايحاء واللون المصنوع بضربات فرشاة محنكة، التي تبدو عشوائية إلا أنها مدروسة بعناية بين الألوان الساخنة والباردة في بناء العمل.
أما طرواي فيحكي عن نسائه قائلا: أشدو بـ (هن) تحولن إلي مجرد علامات وإشارات أقرب إلي التجريد فهن عوالم في ذاتي تدركها مشاعري، وبين موضوعات لوحاتي أتناول هذا العالم بخصوصيته وثرائه محاولاً تقديم طرح خاص بي لـ »‬هن» ذات المقام الرفيع لدي... فهي الأم ورفيقة الدرب والابنة والحفيدة والزميلة فضلاً عن نماذج كثيرة قد لا نعرفها بشكل شخصي لكنها تؤثر فينا من خلال الذاكرة البصرية التي سجلتها لحظات خاصة في حياتنا.
إلا أن التحدي الأكثر صعوبة في تجربة طراوي لم تكن في اختيار موضوع المرأة مجددا مبتعدا بذلك عن المنظر الطبيعي الذي لطالما كان هو منبع إلهامه، بل أيضا في اختياره خامة الأكريليك متمردا بذلك علي تربعه علي عرش الأكوريل الذي أثبت فيه تمكنه بجدارة من خلال أكثر من 15 معرضا وعشرات اللوحات التي تحمل اسمه وكأنه يؤكد أن الفنان الحقيقي لا يركن إلي اعتلاء القمة، وأنه  يصل إلي التمكن عليه أن يبحث عن مسارات بديلة يختبر فيها نفسه مستفزا قدراته الإبداعية.
الأمر الذي قال عنه طراوي: الفنان يجب أن يكون في حالة تمرد، ولذا فإن أحد رهاناتي تتمثل في التمرد علي القالب، وألا أبقي أسيرا لخامة واحدة، فلابد من التجريب والدخول في معترك جديد متزودا بأسلحة ثقافية وامكانيات مهارية، وللحق أنا أحسبها نقلة نوعية في تاريخي الفني، فخروجي من الطبيعة أحدث نقلة نوعية في التجربة.. أما المرأة فهي لغز لم يكتشف بعد.. ولذا قدمته في معرضين ففي معرض »‬هي» كانت المرأة المصرية في كامل دلالاتها الفنية، أما في »‬هن»  تميل أكثر إلي الإيجاز فهي المرأة بحالاتها وتنوعاتها ولم أقف عند المرأة الريفية أو الساحلية أو البدوية، أعالجها بشكل فني يميل إلي الرمزية محاولا ألا أقدم  نموذجا واقعيا، لذا فإن اللاشعور هو المتحكم في أدائي، وأنا أترك نفسي لارتياد عالم الشعور في بكل مفاجآته.
وربما كانت أحدي التجارب المهمة التي خاضها الطراوي في معرضه الأخير إعادته لصياغة لوحة »‬بنات بحري» للفنان محمود سعيد أو تلك المساجلة الإبداعية حسب التعبير الذي استخدمه الناقد د.عز الدين نجيب علي أرضية نفس الموضوع والقافية أو نفس التكوين لكن برؤية مبتكرة,حيث يقول الطراوي: هو حوار تشكيلي تقديرا لقيمة ودور الفنان محمود سعيد.
لم تكن تلك هي التجربة الأولي للفنان محمد الطراوي في مساجلة إبداعية مع فنان آخر, حيث سبق له وأن أعاد صياغة عمل للفنان العالمي تيرنر الذي قال عنه أنه مولع بأدائه في الألوان المائية، مشيرا إلي أنه معترك صعب، قائلا: كثفت كل جهدي الفكري والفني والثقافي في التعامل مع هاتين التجربتين من خلال مشهد كل منا جسده بتعبيراته وآلياته.. مضيفا: فكرة إعادة أعمال أحد أساطين الفن مجازفة ربما تصعد بك إلي السماء أو العكس لكنها تجربة مثيرة وبها تحد كبير.