رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

بيتهوڤن.. بين بريق الحرف والنغم


غادة العبسي
2/3/2018 11:54:52 AM

»كان قصير القامة، غليظ البنية، بكتفين عريضتين وسمت رياضي، له وجه كبير ظل متورداً طوال حياته، فيما عدا أواخر أيامه، حيث تبدلّت تلك الحمرة بصُفرةٍ مرَضيّة، خاصةً في الشتاء عندما كان يُحرم من الخروج إلي الحقول بسبب ملازمته للفراش.جبهتُه عريضة بشكلٍ ملحوظ، بشعرٍ مجعد كثيف مُهمَل كأنما نبتت منه حيّات ميدوزا .عيناه تلمعان بقوةٍ غير عادية، حار كثيرون في لونها، فعندما كانت تبرق في ظلمة شديدة آتية من أعماقه الحزينة الكئيبة تبدو سوداء، ولكنها في الحقيقة رمادية تميل إلي الزرقة .عينان عميقتان تضيقان في أشد اللحظات دفئاً وعاطفةً، تتسعان بصورةٍ مذهلة وقت التأمل والإلهام، عيناه كانتا مرآة صادقة، تعكس ما بداخله بصورةٍ لافتة. تغلب عليهما تلك الصورة الشجية: التطلع إلي أعلي في حزنٍ مقيم. أنفه المميّز المفلطح قليلاً له منخرا أسد، له فم صغير بشفة سفلي بارزة، وفكّان قويّان لهما مفعول كسّارة البندق، ثم تري هذا الشّق الصغير في ذقنه الذي يقسم وجهه إلي نصفين غير متساويين، غير متشابهين. أما ضحكته فكانت ضحكة رجل غريب الأطوار، حادة، عالية، وعفوية، ضحكة رجل غير معتاد علي السعادة.»‬
آثر أن يستهل الأديب الفرنسي رومان رولاند كتابه عن بيتهوڤن والذي يحمل نفس الاسم »‬ترجمه إلي الإنجليزية بي كونستانس هال» بهذا الوصف البليغ والذي يركّز علي هيئته الجسدية بولاءٍ كامل للصورة، والتي اعتاد بيثهوڤن أن يقرأ العالم من خلالها، كرجلٍ أصم، أو كما نحسبه، لينهي الوصف بضحكة الرجل الساخر غريب الأطوار، هو نفسه بيثهوڤن الذي قال وهو يُحتضر:
-أخيراً! نهاية هذه المهزلة!
هناك قِران قديم وأصيل بين الأدب والموسيقي، الكلمة المكتوبة نثراً وشعراً ونغمةً، الأمر الذي دفعني لاختيار بيتهوڤن كنموذج حيّ لتجسيد حلقة الوصل بين دائرة الشعور والكلمة المكتوبة، ففي الورقة البحثية التي قدمتُها لجامعة الكتابة بآيوا بالولايات المتحدة وتحت عنوان: The unspoken language وصفتُ محاولات بيتهوڤن المضنية لكي يقترب من سماع الأصوات بكل حيلةٍ ممكنة، الأمر الذي أعتبره الأقرب كمثال لمحاولات الكاتب المستمرة في أثناء ترجمة لغة الشعور الغامضة ونقلها عبر لغة مكتوبة تخرج من مكمنها العقلي والوجداني إلي حيّز النور. الشيء الذي يتباري فيه أكثر الأدباء قدرةً ومهارةً وحرفة.
»‬لا أحب الكتابة، لأن الأشخاص الرائعين يعرفونني جيّداً من دون الحاجة إلي كلمات»..
إبتكر بيتهوڤن أكثر من طريقة لكي يتمكّن من الاحساس بالنغمات، لكي يتلمّس صداها البعيد، والإمساك بإهتزازاتها، التشبث ببقاياها الملتصقة بروحه وذاكرته، عندما كان يراقب بمسامعه توهج النغمة بمجرد ضغطة علي مفتاح البيانو ثم ركوزها وانطفائها. كان بيتهوڤن يضع طرف عصا خشبية بين أسنانه والطرف الآخر ينتهي عند صندوق الصوت أو ما يسمي ببيت البيانو، هنا اعتمد هذا الموسيقي البارع العبقري علي ما يسمي بالتوصيل العظميّ للصوت، حيث مقدرة عظام الجمجمة الفطرية علي استقبال الموجات الصوتية، استطاع أيضاً تطوير اختراعه باستخدام أبواق طويلة للأذن مكبرة للصوت صنعها له خصيصاً صديقه يوهان نيبوموك.

يقول رومان رولاند في كتابه الآخر عن بيتهوڤن »‬أجنحة الملائكة»:
»‬لقد تضافر كل شيء بداخل بيتهوڤن لجعل كلمته أصيلة ونافذة وعفوية، مثل ربيعٍ يتدفق من أعماق جبلٍ بعيد لا سبيل للوصول إليه،عاداته المتفرّدة نأت بعقله بعيداً عن رواسب الفكر الشائع وعواره، حتي إصابته بالصمم في سنٍّ مبكرة وهو في الثامنة والعشرين من عمره أضافت إلي حالة النقاء الذهني تلك، وأسلمت موسيقاه لبصمة لم تتأثر بسواه. حتي أن سُمك جمجمة بيثهوفن كان ضعف حجمها في الانسان الطبيعي كما أشار دكتور يوهانس ڤاجنر بعد تشريح جثته وذلك بعد يومٍ واحد من وفاته بناءً علي وصيته الشهيرة »‬هَايلِيچنْشتدت»، الأمر الذي يفسّر عزلةً دماغية من نوعٍ خاص لديه !”  
 نغمة أخيرة عزفها د.يوهانس ڤاجنر في دفتر بيثهوڤن الموسيقي، بعد تشريح جثته وذلك بعد مرور يوم واحد علي وفاته وبناءً علي وصيته والتي كتبها لأخويه في سن الثانية والثلاثين من عمره، راجياً منهما مساعدة الأطباء لكشف مرضه الغامض، ونشر تفسير طبي بعد وفاته علي مرأي ومسمع من العالم لكي يدرك حجم مأساته ولا يؤاخذ سلوكه المضطرب وطبعه الناري الذي كان خارجاً عن إرادته بسبب معاناته المرضيّة.
اكتشف د.ڤاجنر أن بيتهوڤن مصابٌ بمرض »‬باجيت» disease Paget والذي يصيب العظام، ويصاحبه زيادة مفرطة في نسبة الكالسيوم، وقد تركّز المرض في جمجمته فزاد من حجمها مرتين عن الحجم الطبيعي، بالإضافة إلي عظام الخد والجبهة والتي أضفت عليه ملامح شبيهة برأس أسد، أدي ذلك إلي ضيق الفتحة التي يمر من خلالها العصب السمعي فأصيب بالضمور في الوقت الذي تضخم العصب السابع علي حِساب جاره الثامن »‬السمعي»، ترسب الكالسيوم في الكلي والغدة جار الدرقية، وأصيب بتليف الكبد بسبب إدمانه علي الخمر،والذي تسبب في حالة الاستقساء التي عاني منها في أواخر أيامه واضطر الأطباء لعمل بزل متكرر للغشاء البريتوني وقد تسبب هذا في إصابته بتلوث نتج عنه تسمم بالدم وانتهي بوفاته.
كانت هناك مقدمات لمرضه الغامض حتي قبل ظهور أعراض الصمم عليه فكتب في دفتره هذه الكلمات المعبرة :
»‬ربي أسألك الشجاعة، أنا موقنٌ وبرغم ما يعانيه جسدي من ضعف أن عزيمتي سوف تنتصر، خمسة وعشرون عاماً! يا إلهي، هذا هو عمري الآن حيث يجب أن يكشف الرجل عن روحه كليّةً وبأفضل ما يكون!»
بين عامي ١٧٩٦ و١۸۰۰ بدأ الصمم يعرف طريقه لبيتهوڤن: كان يعاني من طنين دائم في أذنيه، ثم بدأ سمعه يضعف تدريجيًّا.لم يكن وقتها قد أنتج أكثر من أربعة أعمال موسيقية، وهذا معناه، أن غالبية المؤلفات الخالدة صنعها رجلٌ أصم.
كيف تأقلم هذا الفنان مع عزلته الإجبارية؟ ربما يعود ذلك إلي نمط حياته الصارم منذ صغره، يقول رومان رولان في كتابه بيتهوڤن:
»‬كان والده أميًّا، مجرد »‬تينور» كسول لا يتقن عمل أي شيء، مدمن علي الكحوليات، أراد استغلال مواهب إبنه الموسيقية ليكسب مالاً من ورائه، فمنذ سن الرابعة كان يجبر بيثهوفن علي التمرين علي آلة الهاربسيكورد لساعات طويلة، ويحبسه مع الڤيولينة بمفرده للتدريب، والعجيب، لم يتذمر الطفل أبداً، رغم معاملة والده القاسية لسنواتٍ طويلة والتي عادةً ما كانت تؤول إلي عنفٍ جسدي.أفني بيثهوڤن صباه في القلق بحثاً عن الكسب اليوميّ، في سن الحادية عشرة التحق بأوركسترا المسرح وفي عامه الثالث عشر أصبح عضواً بجوقة الكنيسة، وفي السابعة عشرة صار بلا أم، بعدما فقد والدته التي عشقها في وقتٍ كان من المفترض أن يبتسم له الحظ للمرة الأولي..»
ففي أيامه الأولي بمدينة بون التي ولد بها، حلم بيتهوڤن بالسفر إلي ڤيينا لملاقاة فنانه المفضل موتسارت، وبالفعل عندما بلغ السادسة عشرة بفضل الكونت ڤالدشتاين والأمير ماكس فرانز استطاع تحقيق حلمه وسافر إلي هناك لمقابلة موتسارت.وصل إلي بيته مع خطاب توصية من الأمير فرانز، استقبله الخادم وقاده إلي غرفة الموسيقي، كان موتسارت في ذلك اليوم متعكر المزاج، ربما بسبب تدهور صحته، كما أنه بالطبع لم يكن مرتاحاً لفكرة أن يتوقف عن عمله ويُدفع لمقابلة صبي مبتديء، حتي ولو كان فتي عاني مشقةً كبيرة من أجل ملاقاته.
قال له : اعزف شيئاً، فبدأ يعزف افتتاحية كونشرتو البيانو في سلم دو صغير، فقال مقاطعاً ، ليس هذا، أي شخص يمكنه أن يعزف هذا، اعزف شيئاً يخصك!
وقد كان، عزف بيتهوڤن، وفور انتهائه توجه موتسارت نحو الحجرة المجاورة حيث تجلس زوجته وبعض الأصدقاء يدعوهم إلي سماع هذا الشاب الصغير قائلاً:
 -يوماً ما سيغزو هذا الفتي أحاديثكم بشيءٍ جليل يقدمه للعالم.
»‬إذا امتلك عازف البيانو القدرة علي تحريك أصابعه بشكلٍ سليم، وانتظم إيقاعه بدقة، وعزف النغمات الصحيحة، فلا تهتم إلا بأسلوبه فقط، لا توقفه من أجل هفوات صغيرة ولا تعلّق علي عزفه إلا بعد إنهاء المقطوعة، هذا الفعل يُخرج عازفين رائعين، لأن الهدف هو أن يستخدم العازف أصابعه الرشيقة بحرية تامة، لا شكّ أن استخدام أصابع أقل أشبه بوضع لؤلؤة في مكانها الصحيح اللائق بها، ولكن في الوقت نفسه يحب المرء رؤية جواهر أخري في أوقات أخري».
أراد موتسارت أن يتخذ بيتهوڤن تلميذاً له واتفق معه علي البقاء في ڤيينا، ولكن تشاء الأقدار أن يعود الفتي إلي حجرته فرِحاً ليجد برقية من والده يحثه علي العودة إلي بون ليكون بجانب والدته التي تُحتضر فيرحل من ڤيينا دون أن يتعلم من موتسارت درساً واحداً. ولكنه يعود مرة أخري عام ۱٧۹۲ ليجد فنانه المفضل قد وافته المنيّة.
»‬لا أستطيع أن أجد أي فضيلة للانسان سوي عمل الخير. فإن لم يكن هناك إنسان عظيم فلا وجود لفنانٍ عظيم، وقتها لن نجد سوي الأصنام المفتضحة بسعيها الرخيص وراء التصفيق والمديح، ولحسن الحظ هذا كله قصير الأجل لأن الزمن وحده هو القادر علي طمسهم.النجاح هو أن تكون عظيماً بحق لا أن تبدو هكذا فقط.»
ولكن نجاحه كمؤلف موسيقي استثنائي لم يحصّنه ضد الإخفاق العاطفي، فكتب خطاباً لصديقه عام ۱۸۰۲ مفصحاً عن حبه لـﭼوليتا التي أهداها سوناتا ضوء القمر قائلاً:
»‬يمكنني الآن أن أري بوضوح! كأن نوراً مبهراً قد هبط علي كل شيء من حولي، أستطيع الآن أن أتواصل مع أناسٍ يشبهونني، هذا كله بفضل فتاة ساحرة أحبهّا وتحبني! تلك هي لحظاتي الأولي مع السعادة منذ حولين كاملين!»
ولكن بعد عام واحد تركته ﭼوليتا وتزوجت من الكونت جالينينبرج، انفطر قلبه وتمزقت روحه، وصار لأول مرة علي شفا الاستسلام، ولكنه تجاوز تلك المحنة إلي الحد الذي جعله يساعد زوج حبيبته عندما مرّ بضائقة مالية وكتب عن ذلك لصديق له في دفتر محادثاته والذي بات يستعين به طوال حياته :
»‬لقد كان عدوّي، وهذا سبب كاف جداً لكي أبذل ما بوسعي لمساعدته»، ثم كتب بالفرنسية قاصداً ﭼوليتا:
»‬لقد سعت إليّ، وجاءتني تبكي، ولكنني صددتُها كل الصدود!»
ولكن ما لا يعرفه بيتهوڤن نفسه عن ﭼوليتا أنها كانت تصرّح وتتفاخر بحبها له حتي أمام زوجها!
»‬أيتها العناية الإلهية، امنحيني السعادة، ولو ليومٍ واحد فقط!
يارب، متي سأسعد؟ هل سأشعر أبداً بالسعادة مرة أخري؟»
وكأن هناك مَن يرد عليه بلا..فيقول محدثاً نفسه:
»‬لا، لا، سوف يكون ذلك منتهي القسوة!»
أهدي بيتهوڤن »‬سوناتا أباشوناتّا» التي ألفها عام ۱۸۰۹ لحبّه الخالد علي حدّ قوله، يعتقد رومان رولاند أنها تريزا والتي طلبها للزواج ولم يوفق القدر بينهما أيضاً والمؤكد أنه أهداها رائعته : إلي إليز، كتب بيتهوڤن عن تريزا : Für Elise  

»‬عندما أفكّر فيها، قلبي يخفق بعنف، تماماً مثل أول يومٍ أبصرتُها فيه! أشعر به يقفز من موضعه عندما أستحضر جمالها، ولو لم تكن معي ولن تكون»..
كانت تريزا قد أهدته بورتريها خاصا لها وكتبت عليه:
»‬إلي العبقري الاستثناء، الفنان العظيم، والانسان الكريم».
 باغته أحد الأصدقاء ذات يوم فوجد صورتها بين يديه محدثاً إياها:
-»‬آه من هذا الجمال الملائكي!»
انسحب الصديق دون أن يشعر بيتهوڤن وعاد بعد قليل ليجده علي البيانو فسأله: ما بالي لا أري أمارات الحزن القديم علي وجهك اليوم؟
فردّ بيتهوڤن: »‬لأن ملاكي الحارس الطيب قد زارني اليوم».
ثم همس لنفسه :
كان الجرح غائراً..
مسكين أنت يا بيتهوڤن..لا سعادة لك في هذا العالم..في الخيال فقط»
يتبدّل الحال في حياته مئات المرّات، فكتب في دفتره يوماً :
»‬أوشكُ أن أتسوّل، ومضطر إلي التظاهر بأنني لا أفتقد ضروريات الحياة».
وكتب لصديقه في يومٍ آخر :  
»‬حسناً يا صديقي، إذا كنت تود معرفة شيء عن وضعي الحالي، فالحالة ليست سيئة، عادةً ما أجد لكل عملٍ أنجزه خمسة أو ستة موزعين، لا يجادلون معي في أيّ شيء، أنا أطلب وهم يدفعون» .
وعن معاناته الطويلة كتب في نفس الخطاب قائلاً:
»‬إنه فقط شيطاني الحسود المسلّط عليّ: صحتي التي تسوء يوماً بعد يوم وبدلاً من مساعدتي فإنها تضع العراقيل في طريقي، أضحي سمعي أضعف علي مدار ثلاث سنوات، يحاول الدكتور فرانك استعادة صحتي ببعض المقويات، يحاول معالجة ضعف السمع بزيت اللوز دون جدوي، نصحني طبيبٌ بالمواظبة علي حمام بارد، ونصح آخر »‬أكثر مهارة» »‬لعله يسخر منهما» بأن أستحم بماء نهر الدانوب الفاتر!.عامان وأنا أتجنب الناس تماماً لأنه من المستحيل أن يخبرهم رجل مثلي بأنه أصم!»
اللحظة الأكثر فرحاً وحزناً في مسيرته الإبداعية كانت عام ۱۸۲٤، عندما قاد الأوركسترا لتقديم السيمفونية التاسعة لأول مرة. وصلت الموسيقي إلي ذروتها من الجمال والجلال والروعة، وصل العازفون إلي أروع حالةٍ من الأداء، والمغنون إلي عنان السماء بأصواتهم الصادحة، انتهي مفعول السحر، انتهت السيمفونية، مازال بيتهوڤن في مكانه علي خشبة المسرح في مواجهة الأوركسترا، لا بدّ أن يحدث شيءٌ الآن، لا يعقل أن يكسر الصمت كل هذا الكمال، هنا أخذ أحد المغنين بيده لكي يستدير ويواجه الجماهير التي لم يسمعها، فقط يراها تحييه بالقبعات وتصفق بكل قوة وحماس وتأثر.
»‬سَلّم تسليماً تاماً، وضع مصيرك في يد القدر، لا حياة بعد الآن من أجل بيتهوڤن، فإن حياته ليست ملكاً له، هي للآخرين فحسب، أما تلك السعادة بعيدة المنال، فلن تتحقق إلا بالفن.يارب، هبني قوةً من لدنك أهزم بها نفسي.»
كتبت الروائية والمغنية والملحنة »‬بيتينا برنتانو» خطاباً لجوته عندما قابلت بيتهوڤن لأول مرة تقول فيه:
»‬لا يدرك ملوك وأباطرة هذا الزمان قوة ذلك الرجل الحقيقية.عندما رأيته للمرة الأولي تلاشي العالم الخارجي تماماً من حولي، جعلني بيتهوڤن أنسي العالم بأكمله..حتي أني نسيتُك أنت يا جوته !»
»‬يستطيع الشاعر أن يصف لوحة بأفضل ما يكون، ولكن لكي يفعل نفس الشيء مع فني، أقول :إن الدخول إلي مملكتنا ليس سهلاً».
وعن معرفته بجوته يقول بيتهوڤن:
»‬يستطيع الملوك والأمراء منح الألقاب والأموال لكنهم لن يقدروا علي خلق رجال عظماء أو عقول فذة ترتقي فوق صخب هذا العالم المضطرب.أمس كنا أنا وجوته في طريق العودة إلي البيت سيراً علي الأقدام فصادفنا موكب الامبراطور، أفلت جوته يدي وسارع ليأخذ مكانه بين الحشد علي جانب الطريق لتقديم التحية للامبراطور وعائلته، ناديتُه ولكنه لم يرد سماعي، أما أنا فزررتُ معطفي وارتديتُ قبعتي وشققتُ طريقي بين الزحام لكي أعبر الطريق، فحيّاني الدوق رودلف بقبعته وأشارت الإمبراطورة إليّ بالتحية أيضاً، عظماء الأرض يعرفونني جيدا، ولا أنكر استمتاعي بمشاهدة جوته واقفاً مع الحشود بقبعته في يده مشيراً إلي الملوك من أسفل».
هو نفسه الذي قال عن جوته:
»‬شعر جوته نبيلٌ وملكيّ ودوماً في سُلّم »‬ري» كبير».
داوم علي قراءة شكسبير بالألمانية، وعشق أوسيان وهوميروس، واحتفظ بتمثال لبروتاس في غرفة نومه تماماً مثل مايكل أنجلو، حلم بمدينة أفلاطون الفاضلة واتخذ من المسيح وسقراط مثلاً أعلي.
»‬فليبذل الانسان أقصي ما بوسعه حتي تكون الحرية أحبّ إليه من كل شيء ولو قايضوه بملك الدنيا.الانسان لا يخون حقيقته أبداً».
كتب إلي بلدية ڤيينا عام ۱۸۱۹ خطاباً شديد اللهجة يقول فيه :
»‬حتي الهواء من حولنا ثقيل، العالم نفسه تخنقه أجواءٌ كثيفة من الماديّة المملة، والتي تضغط علي العقول والقلوب، هذا الشيء يعوق عمل الحكومات والأفراد علي حدٍ سواء.. إننا نختنق..افتحوا لنا النوافذ ليدخل منها هواء الله الحر، فنتنفس ما يتنفسه الأبطال!»
يقول أحد أصدقائه:
لم أصادف في حياتي شخصاً عاشقاً للزهور والسحب والطبيعة بشكلٍ عام مثل بيتهوڤن، كان يعاملهم معاملة مَن يحيا بينهم ويفهم لغتهم.
»‬إن عشقي لشجرة يفوق محبتي لأي إنسان.»
تقول إحداهن وقد عرفت بيتهوڤن أثناء طفولتها:
أضمرتُ كراهيةً لا إرادية لبيتهوڤن لوقتٍ طويل، لأنه اعتاد أن يُقصيَ بمنديله كل الفراشات التي أردت اصطيادها.
أما عن علاقته بإبن أخيه كارل كتب يقول:
»‬رباه، حماي وملاذي الوحيد، أنت تقرأ أعماق روحي، أنت تدري عذاباتي، يريدون أخذ كارل بعيداً عني..كارل هو كنزي الوحيد، يا الله يا مَن لا أعرف اسمك الحقيقي، ارحمني وامنحني مغفرتك، كن في عَون أكثر مخلوقاتك تعاسة وشقاء».
وكتب يستعطفه في خطابٍ مؤثر للغاية قال فيه :
»‬إبني العزيز، لا مزيد من كل هذا، لا مزيد، تعالَ إلي أحضان والدك، وأنا أعدك بشرفي لن تسمع كلمة لومٍ واحدة، سأستقبلك بنفس حبي القديم، سوف نتحدث عما يمكنه فعله من أجل مستقبلك كصديقين، أعدك بشرفي يا بني لن تسمع كلمة لومٍ واحدة فلن يفيد هذا ! لن تجد سوي الحب والعطف كما اعتدنا..
تعال إلي قلب أبيك المخلص.
تعال بمجرد أن تقرأ هذا الخطاب.
عد إلي البيت..»
وكتب علي الظرف بالفرنسية :
»‬إذا لم تعد، فأنت هكذا تقتلني لا محالة.»
وعندما فشلت محاولاته وعرف أنه لا مفر من الوحدة كتب يقول :
لن يخيب الرب رجائي، لن يردني أبداً، سوف يرسل إليّ من يغلق عينيّ بعد موتي.
وقبل احتضاره وهو في السادسة والخمسين من عمره وعلي فراش الموت كتب في دفتره :
»‬أنا صابرٌ علي كل هذا، وأؤمن بأن سوء الحظ سوف يجلب البركة في النهاية».
عزفت سيمفونيتَه الأخيرة الرعودُ والعواصفُ الثلجية الشديدة، ويدٌ غريبة أغلقت عينيه..
»‬سأفرح بالموت إذا جاءني وإن لم أُمنح فرصتي الكاملة لعرض إمكاناتي الفنية، أعلم أنه بذلك سوف يكون قد أتي مبكراً جداً، في الحقيقة أتمني أن يأتي لاحقاً، ولكن لا هروب من هذا العذاب المقيم إلا بالموت، تعالَ إذاً متي أردت، وسأواجهك بكل شجاعة، الوداع، لا تنسوني بعد رحيلي، إنني أستحق ذلك منكم، لطالما كنتُ أفكّر كيف أجعلكم سعداء..كونوا سعداء.. ».