رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

نحو علاقة جديدة وتنمية متبادلة بين الثقافة والاقتصاد


د.هيثم الحاج علي
2/10/2018 9:55:17 AM

مدخل:
تقوم الدساتير العربية خاصة في نصوصها التي تتعلق بالثقافة علي فكرة نبيلة في جوهرها، فحواها أن الثقافة خدمة تحتاج إلي كامل رعاية الدول والأنظمة، وهي الفكرة التي تحكمت في بناء المؤسسات الحكومية التي تتعامل في الثقافة، وذلك ما يمكن أن نضرب عليه أمثلة من الدستور المصري، حيث تشير المادة 48 إلي أن: الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة وتلتزم بدعمه وبإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب، دون تمييز.
وهو الأمر الذي يتكرر في دستور الكويت، حيث تنص المادة 14 علي أن: ترعي الدولة العلوم والآداب والفنون وتشجع البحث العلمي.
والملاحظ في الخطاب السائد هاهنا، وفي غير هذين المثالين من الدساتير أن فكرة الكفالة والرعاية هي السائدة، وهي الفكرة التي تجعل من المنتج الثقافي قاصرا يستحق رعاية الدول، وهو الأمر الذي تتحكم فيه ظروف كثيرة، منها الاجتماعي والسياسي والتاريخي والاقتصادي عبر عصور ممتدة، وهي الظروف التي تغير كثير منها الآن بما يحتم علينا التوقف عند هذه الرؤية، وإعادة تمحيصها، وبناء رؤية جديدة للعلاقة بين المؤسسات الحكومية، والثقافة ومنتجيها ومتلقيها.
في مفهوم الثقافة
لا يمكن حصر مفهوم الثقافة- كما هو سائد علي المستوي الشعبي والإعلامي- فقط في كم المعلومات التي يمكن للفرد أن يستوعبها، أو يستظهرها كما تحاول وسائل الإعلام أن تروج، ولا حتي في الإبداع بمختلف فنونه، ولا حتي في المعرفة أو التفلسف.
 الثقافة في الأساس مفهوم يتكئ علي وعي الإنسان بذاته، وتطويره لهذا الوعي لكي يكون وعيا ذا وجهة نظر خاصة للعالم، وهو الأمر الذي تجلي في تعريف لسان العرب بالثقافة حين أشار إلي أن: التعبير (»ثقف نفسه»‬ أي صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا أي سواه، وثقف الرمح، تعني سواه وقومه، والمثقف في اللغة هو القلم المبري ،  وقد اشتقت هذه الكلمة منه، حيث إن المثقف يقوّم نفسه بتعلم أمور جديدة كما هو حال القلم عندما يتم بريه).
 ولعل الاشتقاق الإنجليزي من مادة لغوية لها علاقة بالزراعة غير بعيد عن هذا المعني، وإن توسع التعريف بها لتشمل الفنون وغيرها من مظاهر الإنجاز الفكري الإنساني، في إشارة إلي أهمية الوعي ودوام الممارسة للوصول إلي نتيجة واضحة ليست مجرد نتيجة لصدفة ما، وهو المفهوم الذي يمكن أن ينسحب علي المجتمع- ولا يقف عند حدود وعي الفرد- حين يمكن النظر إلي ثقافة المجتمع بوصفها: الأسس المعرفية والإبداعية التي يمكن للمجتمع أن يرتكز عليها حين يحاول تقويم نفسه، وحين يبدأ في التعبير عن هويته الخاصة.
من ناحية أخري فإن اقتران الثقافة بالمعرفة يتم علي مستويات ثلاث هي: إنتاج المعرفة، ونقل المعرفة، وتلقي المعرفة، وهو الأمر الذي يمكن حصر المثقف عن طريقه في سمة منتج المعرفة، وهو المستوي الذي يمثل ذروة الثقافة، أو من يمكن اعتبار المنتمي إليه منتميا إلي النخبة الثقافية، أيا كان نوع المعرفة التي ينتجها أدبية كانت أو علمية.
غير أنه من الضروري هنا الإلماح إلي أنه - في مجال حديثنا - تزول الحدود بين الفنون الإبداعية الأدبية والفكرية والقولية من ناحية، وبين الصناعات الثقافية الرسمية منها والشعبية، ليتسع مفهوم الثقافة هنا ليشمل هذه الجوانب كافة.
في معني الثقافة العربية والنظر إليها
ظلت الثقافة العربية ركنا أصيلا من أركان المجتمع العربي منذ بدء العلم به والتأريخ له، وقد كان العرب في عصورهم الأولي يعلون من شأن الثقافة والعلم والإبداع حسبما أتاحت لهم ظروفهم التاريخية، إلي أن هيأ الله لهم الإسلام الذي وحد رؤاهم ورسخ هويتهم الخاصة، ودشن دولتهم التي كان قوامها الأساسي متمثلا في المعرفة التي أتاحت لهم بناء حضارتهم ووعيهم الخاص بذواتهم.
وإذا كان من الممكن النظر إلي بعض صنوف الإبداع بوصفها معبرة عن الهوية العربية الجمعية-كالشعر مثلاً- حيث الشعر ديوان العرب الجامع لأمثالهم وأيامهم وكافة مناحي حياتهم، فإن التاريخ يحفظ لنا من المقولات ما يعبر عن عدم حصر الوعي بالجمال علي الشعر مثل قول المعري:
فالحسن يظهر في شيئين رونقه      
 بيت من الشعر أو بيت من الشعر
مثل هذه المقولات تجعل من النظر إلي صنوف الإبداع المختلفة بوصفها ركنا أصيلا في معرفة العرب بذواتهم، بل ركنا مهما من أركان حياتهم بما في ذلك الدعاية للقبيلة أو الحزب السياسي، غير أن التطور الواضح في النظر إلي مثل تلك الفنون قد وافق قيام الدولة الأموية، ومن بعدها العباسية حين صار الشعر مصدرا للتكسب، عندما صار كبار الشعراء يشتغلون بالشعر في بلاط الخلفاء والأمراء، وهو الأمر الذي توافق مع اهتمام كبير بالعلوم والترجمة حتي صارت وظائف يدر عليها الأمراء والحكام من أموالهم ومن بيوت المال، في تجل أول للمردود الاقتصادي علي الأفراد المشتغلين بالثقافة، وإن اقتصرت الفائدة علي مثل هذه الحالات ولم تتجل في حالة اقتصادية عامة.
وقد بقيت الثقافة داخل هذا الإطار الذي تقلص مع تفكك الدولة العربية، إلي أن صارت تعامل المبدعين بوصفهم أبناء هامش تعبيري خارج علي الأنساق المجتمعية العربية، وهو الأمر الذي توافق مع انهيار أسس الحضارة العربية في العصور الوسطي، كما توافق مع تضييق مفهوم الثقافة لتصبح محصورة في الفنون القولية دونما النظر إلي مجموعات من الفنون والصناعات التي تعبر بالضرورة عن الهوية، وهو – في ظني – السبب الأساسي في اعتبار الثقافة مجرد نتاجات لتأملات خيالية بعيدة عن الواقع، وهي الرؤية العامة لدي الشعوب العربية منذ بدايات العصور الحديثة.
للثقافة إذن دورها المعتبر والمتفق عليه في بناء الحضارات، وفي ترسيخ هوية المجتمعات والتعبير عنها، كما أنها تصبح في بعض الأحيان صنعة المثقفين والمبدعين، وربما يسهم الظرف التاريخي في جعل هذه الصنعة تتحول إلي صناعة بالمفهوم الاقتصادي، كما حدث مثلا في صناعة السينما في مصر منذ الثلث الأول من القرن العشرين، غير أنها تبقي صناعة ذات طبيعة خاصة يظل نظر المجتمع لها نابعا من كونها – في نظره بالطبع – تقبع في درجة أدني من الصناعات الحقيقية التي تنتج سلعا استهلاكية أو معمرة.
الثقافة والدعم الاقتصادي الحكومي
ومن هنا تم التعامل علي المستوي الاقتصادي مع مثل هذه الصناعات بوصفها خدمات يجب علي الدولة أن تدعمها كما كان يفعل الخلفاء والحكام مع الشعراء والعلماء، مرة لتزيين الصورة ومرة لأهمية غامضة تجعلها بالنسبة إليهم واجبا ربما يتعاملون معه علي أنه واجب ثقيل أحيانا ومزعج أحيانا، وواجب غير مبرر في كثير من الأحيان إلا تبعا لتلك الأهمية الغامضة والثابتة.
فكانت تجربة مصر في دعم صناعة السينما عن طريق إنشاء مؤسسة السينما، ثم عن طريق إنشاء وزارة للثقافة بدت وظيفتها الأساسية تعويض المجتمع عن فترات طويلة من التهميش الثقافي وإن كان لها أهداف أخري تمثلت في التوجيه والإرشاد رغبة في خلق نمط المواطن الواعي الصالح الــ (مثقف)، وهي الوزارة التي نمت عبر نصف قرن تقريبا لتشمل مجموعة من القطاعات التي تعمل في كل مجالات العمل الثقافي من مسرح وسينما وأوبرا وفنون تشكيلية ونشر وإنتاج فني، بالإضافة إلي التخطيط الثقافي والعمل الجماهيري، ولتصبح بذلك نموذجا للعمل الحكومي في مجال الثقافة يتم الاحتذاء به في باقي الدول العربية، وإن كانت بصور مختلفة تختلف تبعا للأولويات التي تضعها لنفسها كل دولة، وعلي اختلاف درجات الاهتمام من دولة إلي أخري، بل ومن وقت إلي آخر تبعا لظروف تاريخية وجغرافية واقتصادية وثقافية كذلك.
لكن التغير الأهم في النظرة العالمية إلي الثقافة بوصفها صناعة حقيقية مكتملة العناصر يمكنها أن تدر دخلا قوميا للدول بالإضافة إلي كونها خدمة، لكن الأهم في تلك المناحي كلها هو اعتمادها علي الفرد بوصفه العنصر الأهم في تلك الصناعة، بوصفه منتجا وبصفته متلقيا مستهدفا.
لدينا إذن إشكال واضح يتجلي في اختلاف النظر إلي إمكاناتنا الثقافية واحتمالات تطوير طرق الاستفادة منها، ليس فقط علي مستوي الوعي بالذات والهوية، ولكن كذلك علي مستوي تحقيق فوائد متنوعة منها الفوائد الاقتصادية للثقافة.
الثقافة والتنمية الاقتصادية
تتعامل الشعوب والحكومات العربية مع الثقافة كما أسلفنا بوصفها خدمة تقدمها الحكومات لشعوبها، وتقوم بدعمها لتكون بذلك عالة علي ميزانيات الحكومات وهي تقع في الغالب في ذيل الاهتمامات المالية لواضعي الميزانيات الحكومية العربية، علي اعتبار أن الحاجة إليها ليست طارئة مثل غيرها من المصارف، وهو الأمر الذي أدي إلي تباطؤ معدلات نمو المجالات الثقافية في البلدان العربية، أو معظمها علي الأقل، واعتمادها في كثير من الأحيان علي قدرات المثقفين والمبدعين أنفسهم، ودأبهم علي العمل في مجالها، وإمكاناتهم الخاصة في إقناع الحكام أو أصحاب الأموال بأهمية تمويل الأنشطة الثقافية.
غير أنه في عديد من بلدان العالم اتخذت الثقافة موقعا مهما بوصفها موردا من موارد الدخل القومي، فعلي سبيل المثال تعد الصناعات الثقافية في المملكة المتحدة، التي ضربت مثلا في استغلال الموارد الثقافية وتنميتها، حيث بلغت عوائد الصناعات الإبداعية لديها في العام 2001 حوالي 112.5 مليار جنيه استرليني، ومثلت صادراتها من الصناعات نفسها حوالي 10.3 مليار جنيه استرليني بما يعادل حوالي 5% من الناتج القومي الإجمالي للمملكة المتحدة.
وليس المطلوب بالطبع الاستنساخ الكامل للتجربة الإنجليزية، وإن وجبت الاستفادة من مفاهيمها الأساسية المعتمدة علي تنمية الصناعات الثقافية، بوصفها خالقة لفرص العمل، ومحققة لتفرد الهوية، بالإضافة إلي دورها الاقتصادي الواضح الذي يؤكد إمكان الاعتماد علي المنتج الثقافي بوصفه منتجا مجتمعيا كامل الوجود علي خريطة الاقتصاد القومي.
ويمكن لنا اقتراح مجموعة من المحاور التي تستطيع من خلالها الثقافة القيام بهذا الدور والتي يمكن أن يكون من أهمها:
أولا: التحول من نمط الراعي الداعم إلي نمط المنسق المتيح:
قامت المؤسسات الثقافية الحكومية العربية منذ بداية نشأتها علي فكرة التوجيه والإرشاد، وربما ارتبط ذلك بطبيعة الصحافة العربية منذ بداياتها في أواخر القرن التاسع عشر حين كانت تتوجه بالخطاب إلي مجتمعات تعاني في الأساس من الأمية واعتمدت في توصيل خطابها إلي المتعلمين الذين يقرؤون للآخرين، وهو الأمر الذي تلازم مع خطاب توجيه اجتماعي يحاول الحفاظ علي قيم الطبقة الوسطي الناشئة في ذلك الحين.
لكن التحولات التي طرأت علي أنماط الثقافة العالمية منذ القرن العشرين، منذ بداية ظهور أنماط الثقافة المسموعة في الإذاعة، ثم المرئية من خلال السينما والتليفزيون، ثم مع الانفتاح الطارئ بين الثقافات مع ظهور الأقمار الصناعية ثم شبكة الإنترنت، كل هذه التحولات غيرت من طبيعة الخط الفوقي الواصل بين مرسل الرسالة الثقافية ومستقبلها، بحيث صارت الرسالة تفاعلية مفتوحة علي خطابات متعددة، وصار المتلقي ذا تفكير نقدي لا يستقبل الرسالة كما هي.
كل ذلك يحتم علي تلك المؤسسات الثقافية أن تغير من طبيعة بنيتها الفكرية والعملية لتتحول من التوجيه والإرشاد إلي الإتاحة والتنوع، وهو ما يفرض عليها ألا تمتلك أدوات الإنتاج الثقافي التي سوف تصبح قاصرة عن أداء مهامها نظرا لطبيعة التنافسات الفردية، وتبدأ في تكوين غرض آخر يقوم علي أساس كونها منسقة للمكونات الثقافية الموجودة فعلا في المجتمع، ذلك التنسيق الإيجابي الذي يهدف إلي الحفاظ علي المكون الثقافي كما هو دون تدخل بوجهة نظر سياسية أو حتي اجتماعية، كما يهدف إلي توصيل المكون الثقافي من منتجه إلي متلقيه.
إن انسحاب المؤسسات بهذه الصورة من عملية الإنتاج الثقافي يضمن عدة أشياء أهمها عدم تغيير المنتج الثقافي لصالح أي توجه طارئ، وبقاؤه أصيلا معبرا عن الهوية الثقافية لمنتجه، كما أنه من ناحية أخري يعد مواجهة حقيقية، وإن بدت صعوباتها شديدة الوطأة، لأفكار هي مطروحة بالفعل علي الفضاء السيبراني، وتصل لمتلقيها بسهولة شديدة دونما أي تدخل، وخير مثال علي ذلك أن أي منع لمنتج ثقافي هو الوسيلة الأكثر نجاحا لانتشار هذا المنتج.
من هنا يأتي وجوب التحول في الرؤي الحكومية لتستطيع القيام بدورها في الرعاية المطلوبة للمكونات الثقافية ومنتجيها ولتقدر بالفعل علي توفير ضمانات وصول هذه المكونات إلي متلقيها الطبيعي والمفترض، وهذا التركيز علي دور المنسق سيتيح الفرصة لهذه المؤسسات لتوفير طاقاتها الموجهة إلي الإنتاج لكي يتم الاستفادة بها كاملة في أداء دورها الطبيعي المنوط بها، وبالإضافة إلي ذلك فإن هذه الرؤية ستؤدي إلي التخلي عن الرؤي المركزية التي توافقت مع دور المنتج لصالح الهوامش والحدود، مما سيؤدي إلي جعل المكونات الثقافية منتجا أساسيا في المجتمع يخلق لأجزائه مصالحهم الخاصة فيه، وينمي الشعور بالانتماء إليه نتيجة لتنامي الإحساس بالاهتمام والرفاهية.
ثانيا: توسيع أفق التعاون المتكافئ مع الأفراد ومنظمات المجتمع المدني:
يرتبط بالرؤية السابقة ما يمكن اعتباره تعاونا خلاقا بين المؤسسة وكل من يمكن تصنيفه بأنه منتج للثقافة أو المعرفة، وإتاحة الفرص لهولاء الأفراد أن يعملوا بحرية تتيح لهم الانطلاق في أفق الإبداع، وهو الدور الأصلي الذي كان من المفترض أن تكون عليه المؤسسات، كما أن هذه الرؤية تتفق مع التطور الحادث في نمط الثقافة العالمي الناتج عن وسائط الاتصال الحديثة التي ركزت علي فردانية الثقافة كنتاج من نواتج العولمة ووسائطها، كما أنها تضمن كذلك الحفاظ علي هوية المجتمع لا عن طريق تجميدها، ولكن عن طريق المرونة في التعامل مع مكوناتها.
وعلي نفس الدرجة من الوجوب يكون علي المؤسسات البعد عن محاولات تدجين المثقف ومنتج المعرفة والإبداع لصالحها، بل يكون الغرض الأساسي من ذلك التعاون هو الإتاحة للاتجاه والاتجاه المختلف، والحفاظ علي المثقف وشخصيته التي أتاحت له إنتاج مشروعه الخاص، وربما يكون لنا في المناظرات العلمية والفكرية التي شاعت في العصر العباسي بوصفها معبرا أصيلا عن عضوية هذه المعرفة، وهو ما بدا في اهتمام العامة بها علي اختلاف مناحيها، كما أنها من ناحية أخري كان لها إسهامها الكبير في الحضارة العربية عن طريق تأصيل فكرة قبول الاختلاف، وهو ما ميز تلك الحضارة وعبر عن قوتها في ذلك العصر.
ومن ناحية أخري وعلي الدرجة نفسها من الأهمية فإن ظهور الكيانات العاملة بالثقافة والمهتمة بها مع استقلالها عن المؤسسة يعد واحدا من أهم مظاهر الثقافة الحديثة، وهذه الكيانات بعضها احترافي مثل شركات الإنتاج السينمائي والدرامي والغنائي والمسرحي، ودور النشر الخاصة، والجرائد المستقلة، وهذا النوع يهدف ضمن أهدافه إلي تحقيق ربح يمكن هذه الكيانات من أداء الرسالة المنوطة بها، وبعضها الآخر لا يهدف للربح، ويعتمد علي الاهتمام والتطوع من قبل الأفراد المهتمين بمجالاتها.
وأيا كان الأمر، فإن أيا من النوعين يحتاج إلي العمل علي تمهيد الطريق أمامه للعمل، سواء عن طريق تعديل القوانين واللوائح الحكومية لتصبح أكثر مرونة في التعامل مع مجالات أنشطتها، مثل قوانين الجمارك مثلا، بحيث تزيد المرونة في التعامل مع مكونات إنتاج الكتب مثلا من ورق وأدوات طباعة، ناهيك عن الصناعات الأخري، وعلي الدرجة نفسها قوانين الضرائب وغيرها، مما يتحتم تعديله طبقا لهذه الرؤية، بحيث تكون المؤسسات شريكا متعاونا في هذه الصناعات، بما لا يؤثر علي توجهاتها، وبما يحفظ التكافؤ في العلاقة بين تلك الكيانات والمؤسسات الرسمية، وهو الأمر الضروري للحفاظ علي قوة هذه المنتجات ومنافستها في أسواق الصناعات الثقافية تبعا للاعتماد علي رؤي مبدعة واحترافية يتم تذليل العقبات وإزالتها من طريقها.
ثالثا: الاعتماد علي المعلومات في إنشاء خطط دعم بالرؤية الجديدة:
تمتلك مجتمعاتنا العربية العديد من العناصر التي تعد مكونات ثقافية، منها ما يعد ثقافيا خالصا، ومنها ما يدخل في باب الصناعات، كما تحتوي علي مهارات فردية بعضها يحتاج إلي تدريب، أو إلي أنواع مختلفة من الدعم، وهو ما يمكن أن تقدمه المؤسسات الحكومية، شريطة توافر معلومات تتيح لهذه المؤسسات التخطيط الجيد للحالة الثقافية.
غير أن العمل الثقافي العربي يعاني عموما من مشكلة نقص المعلومات، حيث يعد من الصعوبة بمكان الحديث بدقة عن مكونات المشهد الثقافي العربي أو في أي من دوله، وحيث لا توجد إحصاءات دقيقة عما يحدث داخل ذلك المشهد، بل مجرد رؤي وإحصاءات عامة، لا يمكنها أن تكون أساسا حقيقيا للتنمية.
 وإذا كان التطور المعرفي الأساسي في القرن العشرين يتمثل في التحول إلي المعرفة الرقمية بما تمثله من فيض معلوماتي ناتج عن التراكمات الأساسية المتعاقبة علي أنماط المعارف السابقة، كما هو ناتج عن سهولة الاتصال بين مصادر المعلومات ومتلقيها، بما يجعلنا في قلب عصر المعلومات، فإن كل ذلك يمكنه أن يمنحنا رؤية واضحة عن القصور الذي تعاني منه نماذج العمل العربية، حين تفتقر إلي المعلومات الدقيقة عن مجالاتها، لا سيما فيما يتعلق بالثقافة.
وعلي ذلك فإن الإجراء الأكثر أهمية يتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه »‬خريطة الحالة الثقافية»، وهي خريطة تفاعلية – أو يجب أن تكون كذلك – تعتمد علي بيانات إحصائية دقيقة تحصر فعليا ما يوجد من منتجات ثقافية في بقاع – مدن وقري – كل دولة، وتستغل فيها كل الإمكانات الإحصائية للدولة بما يمكنها من تحقيق الإحصاء الدقيق لكل هذه المكونات، ووضعها جميعا قيد الاسترجاع اعتمادا علي البقع الجغرافية، بحيث يمكن رؤية كل الإمكانات الثقافية في كل مكان علي حدة.
ومع توسيع مفهوم الثقافة ليشمل كل ما يمكن اعتباره نتاجا إبداعيا أو فكريا، فإن هذه الخريطة ستكون معبرة عن مجموعة كبيرة من العناصر، وتكون الخطوة التالية هي تقسيمها حسب فئاتها، إبداعا قوليا أو فكريا أو حركيا أو بصريا أو يدويا، ثم تقسيمها بعد ذلك حسب الاحتياج الفعلي لكل مكون، فمنهم من سوف يحتاج إلي تدريب، ومنهم من يحتاج إلي دعم فني وتقني، ومنهم يحتاج إلي تدريب لتطوير فنه، ومنهم من يحتاج إلي تسويق لمنتجه، ومنهم من يحتاج إلي دعم مادي.
رابعا: الثقافة التفاعلية والرقمية ومظلة النشر العربية:
في مواجهة العولمة وطغيان النزعات الفردية في الثقافة العالمية، حاولت الكيانات الاقتصادية مواجهة الذوبان والتفتيت السياسي بالاتحاد الاقتصادي، وهو الأمر الذي أدي إلي ظهور كيانات اقتصادية عملاقة نتجت عن اتحاد كيانات أصغر، في استراتيجية تحاول البقاء والنمو في ظل تغيرات متسارعة.
ومن ناحية أخري فإن صناعة النشر، في العالم كله أصبحت تعاني من مجموعة من الظروف التي أصبحت تؤثر بالسلب حتما علي بقائها، ومن ثم نموها، ومن هذه الظروف عوامل التضخم الاقتصادي المؤثرة علي الصناعات عموما، وارتفاع أسعار الورق والأحبار وسائر الخامات التي تستخدم في عملية الطباعة، التي هي أساس النشر، وإذا أضفنا إلي ذلك عوامل القرصنة علي حقوق الملكية الفكرية، فإننا نكون أمام صناعة مهددة بالفناء خاصة مع انتشار التعاملات الرقمية علي المعرفة، خاصة بين الشباب الذين يمثلون القوام الأهم لكتلة القراء.
كل ذلك وغيره من العوامل يجعلنا نوقن بأهمية التصدي للنشر الرقمي، لا كوسيط بديل لنقل المعرفة ولكن بوصفه وسيطا أساسا في العصر الحديث يجب علينا اقتحام مجاله، وهو الوسيط الذي تم السبق إليه من خلال شركات غربية وشرقية، وبقيت الكيانات العربية تقف أمامه محاولة تحسس طريقها في وجل شديد الظهور، حتي بات أمرا لا فكاك منه فبدأت في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تتحسس طريقها إليه في توجس من أثره علي أرباحها من النشر الورقي.
وإذا كان المحتوي الرقمي العربي علي شبكة الإنترنت يشكل ما يعادل 3% من محتوي الشبكة عموما، فإن الأمر يستدعي العمل علي تطوير هذه النسبة بشدة، وألا يكون العمل كما يحدث الآن عن طريق وجود محاولات فردية للنشر علي الشبكة من قبل شركات النشر الخاصة التي- وإن سعت للربح- فإن وجودها علي الشبكة العنكبوتية كان بحجم الـ3% القار فعلاً.
وإذا كنا في عصر الكيانات الكبري والتنافس بينها علي مناطق النفوذ الاقتصادي، وهو ما تجلي في التنافس بين جوجل وأمازون مثلا، فإن الأوان قد آن لكي تتحد الكيانات والمؤسسات الثقافية العربية لكي تنشئ لنفسها وجوداً خاصاً علي الشبكة، وهو الأمر الذي يشكل ضرورة اقتصادية كما هي ثقافية وسياسية.
خامسا: الطبع المتواقت في عدة أماكن:
إذا كان الكتاب هو العصب الأساسي في العمل الثقافي، وإذا كانت صناعة النشر العربية تعاني من مجموعة أزمات متتالية ناتجة عن معدلات التضخم، وطغيان ثقافة الصورة، وقرصنة حقوق الملكية الفكرية، وعدم تفعيل قوانينها في مجتمعاتنا بالقدر الكافي للحفاظ علي كامل حقوق الناشر والمؤلف، بالإضافة إلي انصراف كثير من متلقي المعرفة عن الكتاب الورقي إلي الكتاب الإلكتروني، وكل ذلك مما يعد صعوبات تواجه إحدي الصناعات الثقافية المهمة.
وعلي ذلك يمكن لنا أن نضيف في المضمار نفسه ضرورات أساسية منها ضرورة تعاون المؤسسات العربية فيما بينها للتعظيم من إمكانات المشروعات الثقافية لتتخذ طابعا اقتصاديا، أو تخفف علي الأقل من الأعباء الاقتصادية المحملة علي المشروعات الثقافية.
فعلي سبيل المثال، تتحمل صناعة النشر تكاليف الشحن والجمارك من أجل نقل الكتب المطبوعة من دولة إلي أخري، مضافا إلي كل ذلك اختلاف المعايير الاقتصادية بين هذه الدول، ويمكن أن يكون الحل المقترح لهذه الصعوبة أن تتعاون هيئات النشر في تلك الدول فيما يمكن أن نطلق عليه الطبع المتواقت، وهو أن يتم طباعة الكتاب في مكانه الأصلي في الوقت نفسه الذي يتم فيه طباعته في أماكن أخري وتبعا للظروف الاقتصادية لهذه الأماكن، علي أن يكون ذلك بالتبادل بين تلك الهيئات، وهو الأمر الذي يوفر كثيرا من التكاليف والإجراءات، وينتج الكتاب بأسعار تتناسب مع المتلقي في كل بلد، ويسهم في التواصل بين منتج المعرفة ومتلقيها في البلاد العربية كافة، بما يمثل حلا مهما من حلول أزمات النشر التي يتركز معظمها في التكلفة الاقتصادية.
ويمكن البدء في هذا المضمار بالمجلات الثقافية الأكثر انتشارا في البلاد العربية، بما يعزز من أواصر التعاون الثقافي بخلق مصلحة اقتصادية مشتركة بين تلك الهيئات، وهو الأمر الذي يمكنه ضمان استمرار تلك المشروعات إلي أمد طويل، خاصة إذا تم إشراك مؤسسات القطاع الخاص التي تعمل بالنشر في مثل تلك المشروعات.
علي سبيل الختام
تملك الأمة العربية الكثير بالفعل، لكن هذا الكثير أهمه هو أفراد هذه الأمة وتراثهم وإبداعهم، وهي الأشياء التي خلقت لنا تاريخا وحضارة استطاعت أن تترك في تاريخ الإنسانية علاماتها الفارقة والمهمة، كما استطاعت أن تجعلنا محملين بهوية خاصة علي اختلاف أقطارنا، هي الهوية التي تتخذ طابعها من كل تلك العناصر المتمثلة في القباب والمآذن والأرابيسك ونقوش جدران المساجد، كما تعبر عن نفسها في الشعر والمقامة، وتتزين في الفخار ومنسوجات الصوف اليدوية.
لكن ما علينا الآن – فقط – هو استغلال ذلك التراث، وقوفا علي العنصر البشري وإبداعه، واستثمار هذا الإبداع من أجل ترسيخ دعائم هويتنا من ناحية، ومن ناحية أخري سنجد هذه الهوية بعناصرها كافة وسيلة حقيقية وفعالة لتحقيق الرفاه الاقتصادي، وليس علينا لنحقق ذلك سوي أن نؤمن أن أثمن ما نمتلكه هو البشر وإبداعهم.
وبالطبع فإن الغرض الأساسي من عرض هذه  الرؤية وتلك الآليات ليس بأي من الأحوال الاتجاه إلي تسليع الثقافة، والتعامل معها بصورة اقتصادية- أو بالأحري رأسمالية-  لكن التحول في التعامل مع الثقافة من مجرد كونها خدمة إلي كونها موردا يمكنه توفير إمكانات تقديم الخدمة الثقافية، بالإضافة إلي تغيير النظر إلي الثقافة بوصفها هامشا وعالة إلي كونها معبراً حقيقياً ومفيداً عن الهوية الخاصة بالمجتمع، وهو الهدف الذي يمكن النظر إليه بوصفه هدفا أسمي في هذا المجال من أجل التوسيع من دائرة إنتاج المعرفة، ولتكون الثقافة فاعلة وفعالة في بناء المجتمعات العربية.