رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (٤٥ ) بقعة ضوء


محمود الورداني
2/10/2018 10:01:02 AM

أظن أيضا أن السنوات الثلاث التي أمضيتها في خدمة العَلَم من أخطر السنوات في تاريخنا الحديث، بل هي نهاية حقبة وبداية حقبة.أظن أيضا أن السادات استثمر النصر الذي حققه الجنود والضباط المصريون بدمائهم( حرفيا وليس من قبيل البلاغة) من أجل استكمال ماكان قد بدأه بعد انقلاب القصر في مايو 1971، ولم تكون حفاوته بصديقه كيسنجر وباقي الرؤساء الأمريكيين، حتي لوكان أكثرهم انحطاطا في التاريخ الأمريكي نفسه الرئيس نيكسون طبيعية أبدا، لقد ألقي بنفسه وبالبلاد في المجهول.
  عشنا نشوة النصر الخاطفة، وصنع المصريون جيشا وشعبا أسطورة لاتقل إعجازا عن أسطورة ثورة 25 يناير 2011، وبعد أيام قليلة سمعنا أنباء ثغرة الدفرسوار التي أودت بنا، وسرعان ماوردت أنباء مفاوضات الكيلو 101 بين عسكريين مصريين وإسرائيليين، بينما كنت أنا أواصل عملي في نقل جثامين زملائي من المستشفيات إلي مقابر الشهداء.
  ليس هنا مجال تناول حرب أكتوبر، ولاحتي تناول نتائجها وتأثيرها العاصف وتداعياتها التي لم تنته حتي بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1978،بل أريد فقط أن أستعيد تأثيرها الخاطف لحظة حدوثها.
  كنت قد ذكرت من قبل أن الوحدة التي كنت مجندا فيها ملاصقة لجامعة عين شمس، وكانت في الأصل أحد مقارات جيش الاحتلال الإنجليزي، وشغلت وحدتنا مثلا ماكان أحدي الفيلات المبنية علي الطراز الكولونيالي والمخصصة لإقامة الضباط بمدافئها المحفورة في الحائط وأسقفها بالغة الارتفاع. وكنت أيضا قد وجدت من دلّني علي دكان عم حسن المكوجي القريب من ميدان العباسية، واتفقت معه أن أغّير عنده ملابسي العسكرية بمدنية في الذهاب والإياب، وهو ماشكلّ انقلابا في حياتي، لأنني كنت أسقط عدة مرات أسبوعيا في شباك الشرطة العسكرية  بسبب عدم حملي لتصريح بالغياب، أثناء رحلتي اليومية من البيت إلي الوحدة والعكس..
  وفي السنة الدراسية التي تلت حرب أكتوبر، عاود الطلاب اليساريون نشاطهم السابق علي الحرب من مقاومة سياسات السادات في التقارب مع أعدائنا التقليديين أي الولايات المتحدة وإسرائيل، وبدا لاهثا يركض وراء سراب التوصل إلي أي حل علي الرغم من النصر الخاطف، ولاهثا أيضا من أجل تسويق صورته الجديدة في الغرب بالبايب واللسان الإنجليزي الذرب.
  وكنت أنا قد فقدت صلتي التنظيمية بالمنظمة التي كنت قد انتميت لها قبل ذلك، وبالتالي فقدت التوصل إلي فهم متماسك لماجري. ربما لايكون واضحا الآن حجم التناقض المذهل الذي عاشه جيلي بسبب تداعيات حرب أكتوبر، لكن الحقيقة أننا عشنا أقصي مايمكن من الاضطراب والحيرة بسبب تلك النتائج الظاهرة الهزيلة لحرب كنا قد انتصرنا فيها بالفعل، وبسبب الانحراف المخيف الذي كنا نراه أمامنا .. يكفي فقط ذلك الاستقبال المخجل لمجرم من طراز نيكسون الذي استقبلته علي أبواب قصر الطاهرة كوكبة من الحرس الجمهوري بعد جولة طويلة في شوارع القاهرة في سيارة مكشوفة، ويكفي ذلك التأييد غير المسبوق لمن أطلق عليه بطل الحرب والسلام. لقد نجح السادات نجاحا ساحقا وحقيقيا، وهو مامكنّه من مواصلة لهاثه المحموم لانقلابه علي كل الثوابت مشفوعا بتأييد جماهيري كاسح.
  وهكذا وجدت نفسي أتردد، بملابسي المدنية، بعد أن أغيّرها عند عم حسن المكوجي، علي كلية الآداب بجامعة عين شمس، فلي فيها عدد من الأصدقاء ، وسبق لي أن ترددت عليها قبل تجنيدي وحضرت فيها بعض المؤتمرات الصاخبة. كنت أبحث عن بقعة ضوء في مواجهة الاضطراب والحيرة الجاثمين ،فالعلاقة التنظيمية مفقودة،واستعادتها في ظروف كتلك بدت بالغة الصعوبة، والأخبار الشحيحة التي كانت تصلني حول الوضع في الجامعة كانت تدعو للخوف.. لذلك غامرت بالتسلل ..
  في الأسبوع القادم أواصل إذا امتد الأجل ..