رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

عادل ثروت وموال الأخضر


د. مصطفي الرزاز
3/3/2018 2:52:05 PM

عندما فاز الفنان عادل ثروت بالجائزة الأولي في صالون الشباب السابع وعلي جائزة الاتحاد العالمي لنقاد الفن التشكيلي AI»‬A عام 1997، دشن مكانته كمصور جاد صاحب تجربة فريدة وشخصية ثقافية في الوسط الفني ذي حضور فعال في الندوات والملتقيات الفنية والثقافية.
تمركزت مصادر إلهام الفنان عادل ثروت في نطاق التراث والمعتقدات الشعبية والتراث المصري بصفة عامة.

بلور منهجه الخاص للتعامل مع تلك المصادر التراثية ومزجها برؤيته ومعايشته للأحياء الشعبية العريقة في القاهرة الفاطمية ودمج كل ذلك بثقافته ومهاراته الفنية، وبتحديد أكواده الشكلية واللونية مع سجيته الصافية، الأمر الذي صنع منه مصدرا يتمتع بالفرادة الأسلوبية والجمالية والتقنية.
ومرت تجربة عادل ثروت عبر بوابات التصوير والأسمبلاج - تجمع عناصر سابقة التصنيع أو التواجد - ودمجها مع لوحاته، مختارا عناصر لها أبعاد رمزية وسيمياتية.
وظل  الفرمليون المتوهج مع الأبيض الساطع الحضور في لوحاته المبكرة التي زرع في بعضها عناصر من أدوات العالم الرقمي والآلي ليجمع بين فطرة السجية وبين الوعي  بأدوات العصر والتبشير بنوع التوافق فيما بينها - وفي فترات متقطعة قدم الفنان أعمالا فنية مفاهيمية ومركبة في المعارض العامة ودورات الصالون مستخدما الفوتوغرافيا التذكارية وملامح من سيرته الذاتية.
وفي سلسلة معارضه الأخيرة توصل عادل ثروت إلي نوعية جديدة من التكوينات والعلاقات اللونية التي أصبحت علامة علي أسلوبيته الجديدة قوام تلك الأعمال ودور البطولة فيها للانسان في تجمعاته ومصفوفاته وصياغته المستوحاة من الجذور البدائية لرسوم الكهوف وللشخوص الاحتفالية في الفن المصري القديم لحاملي القرابين وللنائحات وللصيادين والمزارعين، وهي المصادر ذاتها التي ألهمت من قبل العديد من فناني الخمسينيات والستينيات بمن فيهم وعلي وجه الخصوص الفنان حامد ندا.
بيد أن لوحات عادل ثروت فريدة في هذا المضمار فهي احتفالية ومبهجة نكاد نسمع أصواتا صادرة عنها للمزامير والدفوف وحركات الشخوص الراقصة، والتحليل البنيوي لحركات الأذرع والسيقان اتسمت بقدر من الاختزال والتجريد وتحولت الي ما يشبه العلاقات الموسيقية التي تصدح باتجاهات خطوطها والتقائها وتقاطعاتها فضلا عن حركية المجموعات البشرية علي خطو أرض وهمية في رقاع متفاوتة مع سطح الكانفاس. يعزز تلك الحركات الاحتفالية والطقسية مهرجان ألوان مشبعة ومشعة بدرجات واسعة من التنوع علي أرضيات فاتحة بها شذرات من الأبيض الصريح تتبدي كالأصداف التي تلمح في ضوء الشمس.
ومع تلك الأشكال المحددة  والألوان  المساحية الصريحة والمتعددة يغزل الفنان مساحات كالكليم الشعبي بألوان رائقة وتقاسيم تقليدية وأشجار رمزية ذات أوراق معلقة متعددة أطياف الأخضر والبرتقالي والبني وكأنها تنبثق من قوة دفع هوائية وطاقة مغناطيسية تحدد لها مناطق الانتشار.
ومن آن لآخر وفي مناطق متباعدة داخل التصميم يزرع الفنان علامات سحرية طقسية مجردة وملموسة وحروفيات السحرة وتخطيطاتها الجافية من الألوان اعتمادا علي تشابكات الخطوط والترابيع ومسار النقاط المتتابعة ومن ثم فإن لوحاته مركبة حقا وتتطلب قدرا وافرا وممتدا من التأمل للاحاطة بكل تلك المتغيرات التي ينجح دوما وبأستاذية في ترويض تباينها وألوانها المتصادمة واتجاهات الخطوط الموجهة للعين والاحساس الرمزي بطاقة صوتية صادرة عن اللوحة بصورة أثيرية، إذ يتحكم في مصالحة كل ذلك في هارمونية متآلفة.
المعرض الراهن
ولأسباب قهرية لم يتمكن الفنان عادل ثروت من إقامة معرضه السنوي كما اعتاد، عاقته تلك الأسباب من الرسم والتلوين لفترة ليست بقصيرة. ولكنه لم يتوقف عن حالة الشحن الإبداعي، وتخايلت أمام ناظريه ما لم يرسمه فعليا، وحينما أصبح من الممكن العودة إلي الألوان والكانفاس تفجرت ينابيع كانت محبوسة بأطياف لونية وتراكيب تكوينية وجسارة في التفكيك والتجميع وفي ترويض مناطق التكدس والخواء في علاقات بنائية بالغة الخصوصية متآلفة رغم تمردها وتباينها بفعل قوة الخيال وحرية الطرح.
بيد أن هناك قوة غامضة تحكم مصائر الألوان والأشكال والخطوط وتوازن بين الصارخ المتفجر وبين الأيقوني الرصين في سلاسة وتمكن ودون إعمال أي حسابات قاعدية، إنها السجية المثقفة والمعززة بالخبرة والمهارة والتمكن.
في هذا المعرض أكثر من أي من معارضه المميزة السابقة هناك حالة تفجر واضحة، حالة جمع فيها بحنكة بين غيبوبة الفوضي في نثر العناصر والمساحات والعلاقات اللونية الكروماتية مع قرائنها المونوكرومية، الألوان المساحية والتهويمات الظلية ومنظومات السلالم والدرجات اللونية في عوالم موضعية من السطوح والتهافت بين المساحات والخطوط والترقيطات والتقاطعات الخطية، ومساحات كالكليم الشعبي بتقاسيمه ودرجات ألوانه المتآلفة، ومصفوفات احتفالية صاخبة بوهج مزاميرها المعضلية التي تنصهر في إيقاع تجريدي تشعر بنبض وصخب موسيقي تصدح فيه النغمات النحاسية إلي أن تتماهي التفاصيل وتذوب في حمام لوني متألق.
وعلي مقربة وفي قطاع آخر من ذات اللوحة نتأمل ايقاعا قوامه مساحات الذهب والفضة علي أرضية محايدة من درجات الرمادي المخصبة بالدافيء والساخن، والأبيض الذي يشع من الخلف يحاصر ما يشبه ترانيم آلة القانون الشرقية الناعمة.
ثم جزيرة أخري وكأنها رقعة من صفحة مخطوط قديم بهوامشه ووريداته نشعر فيه بحفر سن الريشة علي السطح لتحدث أخاديد متعرجة ومتقاطعة. وتهشيرات هامسة من لون ورق البردي جزر كالعوالم المتباعدة في الطبيعة الشكلية والخطية واللونية يروضها الفنان بنوع من السحر الذي لا يخضع للقواعد الجمالية أو البنائية. حيث تتصالح التلقائية والسجية مع الأستاذية والحنكة في مزيج ناعم وإنسيابي رغم تفاوت مفرداته بقسوة.
الشخوص الاحتفاليون بالمزامير والدفوف والحركات الطقسية الراقصة يصطفون علي خطوط أرض افتراضية وكأنهم حاملو القرابين أو النائحات في جدران مقابر الأشراف بين الأقصر الغربي شخوصا تاريخانية طقسية ولكنها معاصرة. حركات الأذرع والسيقان والرءوس والأجساد تكملها الأدوات الموسيقية تتحول إلي إيقاع تكويني تتراقص فيه الخطوط وتحيط بمساحات فراغية محكمة التصميم.
مع صوت الموسيقي وحركات الرقص تتواتر الألوان في تتابع المساحات لتضفي نوعية مضافة من الايقاع الحركي.
حينما تكون الشخوص والحيوانات علي خلفية بيضاء تستدعي في الذهن عرائس خيال الظل في حركاتها خلف الشاشة البيضاء بألوانها القوية وحركاتها الآلية المفصلية. فتجمع بين التجلي الماثل أمام العين وبين الحركة الأثيرية في حمام الضوء الغامر، تحيطها علامات ورموز السحر الشعبية.. وبالرغم من دفء الألوان الحمراء والبرتقالية والصفراء في لوحات عادل ثروت، فإن هذه اللوحات يسكنها ضوء قمري فضي غالب الأمر الذي يكثف من الطبيعة الحالمة لتلك اللوحات التي تنبض بأصوات وألحان نحاسية ووترية، وبحركات راقصة طقسية وإيقاعية.
يستعير عادل ثروت الموال الأخضر في التراث الشعبي لما ينطوي علي حكايات القدر والحظ والأمل، وما يربطه بتجليات الحب والعشق والزواج. والاحتفال بالغيبيات وبالامتداد عبر الزمن مرتبطا بحالات احتفالية وطقسية كالزار والموالد وتراثها بالإشارات والرموز الظاهرة والمضمرة، عالم موحي ومصدر إلهام لأعمال هذا الفنان القدير الذي يحتفي بالحركة والبهجة والنشاط في عوامل ميتافيزيقية من بنات لاوعية المثقف وينثرها علي سطوح الكانفاس الأبيض، ليودع فيه نوعا فريدامن الطاقة الممغنطة للروح.
فالإيقاع والسجية هما سر عوالم الفنان القدير عادل ثروت الذي استمتعت كثيرا بتأمل معرضه الجديد المتميز بقاعة بيكاسو بالزمالك.