رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

من يصنع الثورات.. الفرد أم الشعب؟


النساء تصدرن المشهد في ثورة ١٩١٩

النساء تصدرن المشهد في ثورة ١٩١٩

انتصار محمد
3/3/2018 2:55:13 PM

اقترنت بعض الثورات المصرية بأسماء معينة رغم أنها في المحصلة النهائية هي ثورة زعيمها هو الشعب؟
منذ سنوات مضت كنت في السنة التمهيدي للماجستير، وأعددت بحثاً عن مصر وثورة 1919، وبطبيعة الحال أطّلعت علي الكثير من المصادر التي تخدم موضوع البحث وأهمها مذكرات سعد زغلول، ولم أقف أبدا عند المقولة التي اعتدت سماعها وقراءتها كثيراً منذ صغري، »ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول»‬، ولكن عندما أنهيت بحثي وجدت نفسي أقف عندها وأمعن النظر، وأكّون رأياً آخر في داخلي، وبصراحة شديدة لم أملك من الجراءة والشجاعة وقتها  أن يزاحم رأييّ المتواضع العديد من الآراء الأخري المدّونة في الكتب والمراجع والأبحاث، لأنها حقبة بالغة الأهمية والخطورة
لا شك  في أن سعد زغلول هو زعيم الأمة لحقبة تاريخية هامة بدأت ويلاتها منذ الاحتلال البريطاني لمصر وحتي وفاته، فلم يتوقف يوماً واحداً عن النضال والمناداة بحق مصر في الاستقلال، ولا شك أن سعد بحركة التوكيلات أصبح زعيم الأمة دون منازع رافضاً أن يتنازل عن هذا اللقب طوال حياته وهي التوكيلات التي نصت علي أن الأمة المصرية قد وكلت سعد ورفاقه للسعي إلي الاستقلال للبلاد بالطرق السلمية، وبقي تشكيل الوفد المصري برئاسته، هو الحدث الأبرز في مسيرة سعد زغلول النضالية.
يتردد كثيراً أن سعد زغلول هو زعيم ثورة 1919م، وذلك انتقاص وأضح لدور الثوار الحقيقيين، فـنفي سعد زغلول ورفاقه كان سبباً وشرارة اندلاع الثورة، لكنه لم يكن زعيماً لها، بل كان زعيمها هو الشعب المصري بكل طوائفه من رجال ونساء، شيوخ وقساوسة، مسلمين وأقباط، طلاب المدارس، الأزهر الشريف والعمال، وغيرهم.
ولا ننسي نزول المرأة المصرية فيها مسجلة بذلك تطوراً اجتماعيًا في تاريخ مصر الحديث والمعاصر .
واشتعلت الثورة ولم تخمد في جميع أنحاء البلاد وانفجر بركان السخط، وكان الفضل لتصاعد الأعمال الثورية راجعا إلي تنظيم سري وطني صاعد من مجموعة من الشبان الوطنيين ومن طلاب المدارس العليا يقودهم أحد المناضلين هو عبد الرحمن فهمي.
كل هذا السخط والغضب كان في الأصل تنفيسا عن معاناة الشعب المصري من جراء الاحتلال البريطاني للبلاد الذي يعتبر محوراً ظلت تدور حوله الأحداث لتلك الفترة وما بعدها.
ولا مجال هنا للحديث عن تفاصيل الأحداث لثورة 1919، ولكن نقف عند السبب المباشر لاندلاع الثورة وهو نفي سعد ورفاقه إسماعيل صدقي باشا وحمد الباسل ومحمد محمود، فبمجرد انتشار خبر النفي لسعد وزملائه، أشعلت ثورة 1919 بزعامة الشعب المصري.
وفي ضوء مذكرات سعد زغلول والتي يقول فيها "مكثنا عدة أيام لا نعلم من حوادث مصر شيئا، ولكن أتت أخبارها شيئا فشيئا، من التلغرافات التي تنشر هنا، فاندهشت جدًا من هذه الحوادث لأننا لم نكن نتصور حدوثها خصوصًا بالكيفية التي حدثت بها".
ويقول أيضا "أن أعمال العنف في ثورة 1919 أمور تضر بقضيتنا"وهنا يتضح من أقوال سعد أنه لم يكن يستوعب تماما ما حدث في مصر من ثورة ولذلك لم يذكر كلمة "ثورة" كوصف لما حدث في مصر وإنما كان يستخدم كلمة "حوادث "وأحيانا "مظاهرات جريئة"
كما ذكر الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان، قائلا »‬إن سعد زغلول فضح نفسه واعترف بممارسته للقمار في مذكراته، وتابع: سعد زغلول قال إن داء الخمر والقمار تمكن منه، بل إنه كان يمارس لعب الورق علي سبيل التسلية في منفاه.
إن السبب الحقيقي لقيام الثورة هو تراكم الغضب داخل صدور الشعب المصري منذ الاحتلال، فقد اعتقل سعد زغلول مرة ثانية في 1921 وكانت منزلته عالية، فلم تقم ثورة مثل ثورة 1919.
أنا لا أهاجم ولا أشوه ولا أنتقص من دوره الوطني وكفاحه ضد الاحتلال البريطاني حتي وفاته في 23 أغسطس 1927، ولكن أقف لأرفض بشدة تلك العبارة التي رسخت في الأذهان وتوارثتها الأجيال "ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول"علامة استفهام أم تعجب؟.
وبرغم انحيازي المعلن للرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلا أنني هنا أقف علي  تحليل بعض الوقائع التي سردها التاريخ وتناقلتها الأفواه.
نحن أمام محاولة بالإيحاء دائما  بأن ثورة 1952 بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر عبارة وردت كثيرًا، فهو أبرزهم، وشاعت في الأذهان  مقولة "رغم أن زعيم ثورة23 يوليو 1952 جمال عبد الناصر إلا أنه عين اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسا للجمهورية لكونه من كبار ضباط الجيش المصري ومقبولا علي الجيش حيث أن زعماء الثورة كانوا من صغار الضباط، وقد اختلف زعماء الثورة مع محمد نجيب مما أدي إلي إقالته ووضعه تحت الإقامة الجبرية وتسلم منصب رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر سنة 1954».
إذا تأملنا ثورة 23 يوليو، فهي واحدة من أهم الثورات في التاريخ الحديث بما خلفته من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية غيرت وجه الحياة في مصر بل الوطن العربي كله، قام بها ضباط شباب في الجيش المصري سموا تنظيمهم باسم »‬الضباط الأحرار» للإطاحة بالملك فاروق، ضمت هذه المجموعه عدداً من الضباط المصريين وكان من أبرزهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وعبد اللطيف البغدادي وحسين الشافعي وكمال الدين حسين وغيرهم.
ثورة يوليو هي ثورة الضباط الأحرار بقيادة مؤسس التنظيم والقائد الحقيقي للثورة، وبطولة الشعب وعظمته تتضح في تأييده لها ومنح الضباط الرضا الطوعي والشرعية.
وأخيرًا نأمل بأن يسجل التاريخ  ثورتي 25 يناير و30 من يونيو، إنها كانت جسدًا ضخمًا واعيا بلا رأس، أملت إرادتها الحرة بالضغط الشعبي الهائل، فهي ثورة شعب يا عزيزي.