رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

القاهرة‭.. ‬كلّموني‭ ‬تاني‭ ‬عنها


لميس في زيارتها لمنطقة الأهرامات

لميس في زيارتها لمنطقة الأهرامات

لميس‭ ‬سعيدي
3/3/2018 2:59:17 PM

بعد‭ ‬السابعة‭ ‬مساءً،‭ ‬تحطّ‭ ‬الطائرة‭ ‬علي‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬مدينة‭ ‬تستعد‭ ‬للنوم‭. ‬تتمدّد‭ ‬تحت‭ ‬لحاف‭ ‬أسود‭ ‬سميك،‭ ‬تطفئ‭ ‬جميع‭ ‬الأنوار‭ ‬وتترك‭ ‬ضوء‭ ‬الأباجورة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬السرير‭ ‬ليستدلّ‭ ‬به‭ ‬النوم‭ ‬عليها،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬ليستدلّ‭ ‬‮«الأمل‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الولاد‮»‬‬‭ ‬أو‭ ‬حتّي‭ ‬‮»‬‬وجوه‭ ‬الفيوم‮«‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أصحابها‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألفي‭ ‬سنة‭. ‬الإضاءة‭ ‬خافتة‭. ‬ستلاحظ‭ ‬صديقة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬التالية‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬الإضاءة‭ ‬خافتة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬القاهرة‭.‬

ينير‭ ‬مسجد‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬بأضوائه‭ ‬الخضراء‭ ‬والصفراء‭ ‬وبالكُتل‭ ‬الروحية‭ ‬الضئيلة‭ ‬التي‭ ‬تتسرّب‭ ‬من‭ ‬مسام‭ ‬مبناه‭ ‬ومن‭ ‬الوجوه‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تركن‭ ‬إلي‭ ‬جواره،‭ ‬مدخلَ‭ ‬القاهرة‭ ‬الفاطمية؛‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬هذا‭ ‬النور‭ ‬النابع‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬ملتَبِس،‭ ‬كوكب‭ ‬القاهر‭ ‬الذي‭ ‬سُميتْ‭ ‬المدينة‭ ‬باسمه‭ ‬لأنّه‭ ‬طلع‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬يوم‭ ‬وُضعتْ‭ ‬أساساتها‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عالقا‭ ‬هناك‭.‬‮ ‬
علي‭ ‬يسار‭ ‬‮»‬‬سيّدنا‭ ‬الحسين‮«،‭ ‬يقبع‭ ‬جامع‭ ‬الأزهر‭ ‬ساكنا‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬قرون،‭ ‬وقبالته،‭ ‬علي‭ ‬بعد‭ ‬خطوات‭ ‬قليلة،‭ ‬مبني‭ ‬‮»‬‬تكيّة‭ ‬أبو‭ ‬الدّهب‮«،‭ ‬حيث‭ ‬سيُفتتح‭ ‬قريبا‭ ‬أوّل‭ ‬متحف‭ ‬للروائيّ‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭.‬
في‭ ‬طريقي‭ ‬إلي‭ ‬معهد‭ ‬‮»‬‬ثربانتس‮«‭ ‬بالجزائر‭ ‬العاصمة،‭ ‬أفتح‭ ‬الإنترنت‭ ‬ثم‭ ‬اليوتيوب‭ ‬مغامرةً‭ ‬بالشُحنة‭ ‬الضئيلة‭ ‬المتبقية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬بطارية‭ ‬الموبايل،‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬أغنية‭ ‬‮»‬‬كلّموني‭ ‬تاني‭ ‬عنك‮«،‭ ‬أغلق‭ ‬شبابيك‭ ‬السيّارة‭ ‬فأجد‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النيل‭ ‬رفقة‭ ‬صحبة‭ ‬نادرة‭ ‬وأحدنا‭ ‬يصرخ‭ ‬‮»‬‬النيل‭ ‬ده‭ ‬كلو‭ ‬بتاعنا‮«؛‭ ‬علي‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬كنّا‭ ‬القارب‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يتقدّم‭ ‬وسط‭ ‬النهر‭ ‬العظيم،‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬جرحا‭ ‬مفتوحا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬دماؤه‭ ‬طازجة‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬والمحاط‭ ‬ببنايات‭ ‬عالية‭ ‬معظمها‭ ‬فنادق‭. ‬يحكي‭ ‬لنا‭ ‬الشاب‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬توازن‭ ‬القارب‭ ‬متربعا‭ ‬علي‭ ‬إحدي‭ ‬دفّتيه،‭ ‬قصّة‭ ‬صاحب‭ ‬الفندق‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تخلّص‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المشروبات‭ ‬الكحولية‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬النيل،‭ ‬أفكّر‭ ‬في‭ ‬الخَدَر‭ ‬اللذيذ‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬القارب‭ ‬الشراعيّ‭ ‬ولا‭ ‬يدفعه،‭ ‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬الخفيّ‭ ‬الذي‭ ‬يحملنا‭ ‬وتصحبه‭ ‬وشوشة‭ ‬بلغة‭ ‬قديمة‭ ‬لا‭ ‬نفهمها‭ ‬لكن‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬يركن‭ ‬إليها‭.‬
أسأل‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬من‭ ‬الأهرامات‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يرتفع‭ ‬أذان‭ ‬الظهر‭: ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬جهة‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬تقع‭ ‬الجيزة؟‭ ‬يجيب‭ ‬بعد‭ ‬تردّد‭ ‬خفيف‭: ‬الجهة‭ ‬الغربية‭. ‬قبل‭ ‬وصولنا‭ ‬إلي‭ ‬قلعة‭ ‬صلاح‭ ‬الدين،‭ ‬كنّا‭ ‬قد‭ ‬مررنا‭ ‬أيضا‭ ‬بسلسلة‭ ‬مقابر‭ ‬لعائلات‭ ‬أرستقراطيّة‭ ‬تطلّ‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬أسوارها‭ ‬قباب‭ ‬كثيرة‭. ‬هل‭ ‬اختار‭ ‬المصريون‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬مختلفة،‭ ‬قديمة‭ ‬وحديثة،‭ ‬جهة‭ ‬الغرب‭ ‬لدفن‭ ‬موتاهم،‭ ‬لتصحبهم‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬غروبها‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬شروقها‭ ‬علي‭ ‬أراض‭ ‬مجهولة؟
تشبه‭ ‬القاهرة‭ ‬الفاطمية‭ ‬حلقة‭ ‬ذِكر؛‭ ‬يطوف‭ ‬الداخل‭ ‬إليها‭ ‬حول‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أزقّتها‭ ‬وشوارعها‭ ‬المتشعبة،‭ ‬مرتقيا‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬النشوة‭ ‬حتي‭ ‬تجد‭ ‬القدمان‭ ‬ذاتيهما‭ ‬طريحتي‭ ‬شِبشِب‭ ‬رجالي‭ ‬واسع،‭ ‬نشتريه‭ ‬علي‭ ‬عجل‭ ‬ويحملهما‭ ‬إلي‭ ‬غاية‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬الفندق‭. ‬تنتقل‭ ‬بين‭ ‬شارع‭ ‬المعزّ‭ ‬والجمالية‭ ‬وزقاق‭ ‬المدق‭ ‬الذي‭ ‬تسأل‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬تعرف‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬مررت‭ ‬به‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬ثمّ‭ ‬الكُتَّاب‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬فيه‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ،‭ ‬جامع‭ ‬الحاكم‭ ‬بأمر‭ ‬الله،‭ ‬جامع‭ ‬الأقمر،‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬تستغرب‭ ‬من‭ ‬أنّهم‭ ‬يعيشون‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الصخب‭ ‬والنور،‭ ‬المشربيات‭ ‬المقفلة‭ ‬والأسوار‭ ‬التي‭ ‬تحصِّن‭ ‬ذِكرا‭ ‬قديما،‭ ‬ترجمة‭ ‬لنجمة‭ ‬كاتب‭ ‬ياسين‭ ‬صادرة‭ ‬سنة‭ ‬1997‭ ‬عن‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬لقصور‭ ‬الثقافة‭ ‬تشتريها‭ ‬من‭ ‬محل‭ ‬بيع‭ ‬كتب‭ ‬قديمة،‭ ‬شراب‭ ‬اليانسون‭ ‬الذي‭ ‬يريح‭ ‬القدمين،‭ ‬محلاّت‭ ‬الفضّة‭ ‬والنحاس‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬ينجو‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الصينية،‭ ‬ثم‭ ‬علي‭ ‬الأعتاب‭ ‬‮»‬‬المومبار‮«‭ ‬الذي‭ ‬تأكله‭ ‬بحذر‭ ‬والرزّ‭ ‬بلبن‭ ‬الذي‭ ‬يضمّد‭ ‬جروحا‭ ‬جديدة‭ ‬ويجعلك‭ ‬تنطلق‭ ‬خفيفا‭ ‬محاولا‭ ‬العودة‭ ‬إلي‭ ‬زمنك‭ ‬الحالي‭.‬
يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬صباحا،‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬الجديدة‭ ‬إلي‭ ‬المتحف‭ ‬المصري،‭ ‬تذكّرني‭ ‬القاهرة‭ ‬بمشهد‭ ‬الصبيحة‭ ‬الخالية‭ ‬التي‭ ‬تلي‭ ‬أحداث‭ ‬يناير‭ ‬1977‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮»‬‬زوجة‭ ‬رجل‭ ‬مهم‮«‭ ‬للمخرج‭ ‬محمد‭ ‬خان‭: ‬رجل‭ ‬وامرأة،‭ ‬جنبا‭ ‬إلي‭ ‬جنب،‭ ‬ثم‭ ‬سيارة‭ ‬شرطة‭ ‬أو‭ ‬جيش‭ ‬ثم‭ ‬طرقات‭ ‬فارغة‭. ‬تتقدّم‭ ‬سيارة‭ ‬التاكسي‭ ‬ويتوقّف‭ ‬نظري‭ ‬عند‭ ‬يافطات‭ ‬الإعلانات‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تجثم‭ ‬علي‭ ‬بنايات‭ ‬قديمة‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬شعبي‭ ‬ويفوق‭ ‬ثمنها‭ ‬ثمن‭ ‬البنايات‭ ‬ذاتها،‭ ‬أسأل‭ ‬السائق‭: ‬‮»‬‬هي‭ ‬المنطقة‭ ‬دي‭ ‬اسمها‭ ‬ايه؟‮«‭ ‬يجيب‭: ‬‮»‬‬غمرة‭ ‬وبعدها‭ ‬عندك‭ ‬شبرا‮«‭. ‬في‭ ‬طريق‭ ‬العودة،‭ ‬بعد‭ ‬ارتفاع‭ ‬أذان‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة‭ ‬يقود‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬بسرعة‭ ‬هائلة‭ ‬ليلحق‭ ‬بملائكة‭ ‬مستعجلين‭.‬
أوّل‭ ‬‮»‬‬مشوار‮«‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬كان‭ ‬ميدان‭ ‬طلعت‭ ‬حرب،‭ ‬قلب‭ ‬القاهرة‭ ‬الباريسية‭. ‬قبيل‭ ‬الوصول،‭ ‬أشار‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬إلي‭ ‬ميدان‭ ‬آخر‭ ‬وقال‭: ‬‮»‬‬ده‭ ‬الميدان‭ ‬إلي‭ ‬كانوا‭ ‬عاملين‭ ‬فيه‭ ‬مشاكل‮«،‭ ‬قلت‭ ‬بعفوية‭: ‬‮»‬‬قصدك‭ ‬رابعة؟‮«‭ ‬فأجاب‭ ‬بسرعة‭: ‬‮»‬‬لأ،‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‮«‭.‬
الوقت‭ ‬متأخر،‭ ‬ومكتبة‭ ‬مدبولي‭ ‬الشهيرة‭ ‬مقفلة‭ ‬أبوابها،‭ ‬سأعود‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لأجدها‭ ‬مفتوحة،‭ ‬ولأزور‭ ‬أيضا‭ ‬مقهي‭ ‬ريش،‭ ‬أتليه‭ ‬القاهرة،‭ ‬مقر‭ ‬دار‭ ‬العين،‭ ‬مكتبة‭ ‬تنمية،‭ ‬وأمرّ‭ ‬من‭ ‬مقهي‭ ‬البستان؛‭ ‬القاهرة‭ ‬الثقافية،‭ ‬حيث‭ ‬تشعر‭ ‬بأن‭ ‬النصوص‭ ‬تطلع‭ ‬من‭ ‬جماعات‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬كتابتها‭ ‬وتصحيحها‭ ‬وقراءتها‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬فردية‭ ‬منعزلة‭.‬
عليك‭ ‬أن‭ ‬تلتقي‭ ‬أهرامات‭ ‬الجيزة‭ ‬وجها‭ ‬لوجه‭ ‬لتدرك‭ ‬حجمها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فكلّ‭ ‬ما‭ ‬عرفته‭ ‬أو‭ ‬رأيته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وعلق‭ ‬بذاكرتك‭ ‬يشبه‭ ‬‮»‬‬الماكيت‮«‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭. ‬تخيّل‭ ‬للحظة‭ ‬أنّك‭ ‬أمام‭ ‬مدافن‭ ‬بنيتْ‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬لكي‭     ‬ تضل الروح‭ ‬طريقها‭ ‬إلي‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭. ‬مدافن‭ ‬تقفز‭ ‬علي‭ ‬فكرة‭ ‬البرزخ‭ ‬وتشرّع‭ ‬أبواب‭ ‬الأبدية‭.‬
في‭ ‬مقهي‭ ‬‮»‬‬ريش‮«،‭ ‬أقف‭ ‬أمام‭ ‬صورة‭ ‬نادرة‭ ‬لأم‭ ‬كلثوم،‭ ‬أقصد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجدها‭ ‬السيّد‭ ‬جوجل‭ ‬بسهولة؛‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬تضع‭ ‬ِرجلا‭ ‬علي‭ ‬رِجل‭ ‬وتفرد‭ ‬ذراعيها‭ ‬علي‭ ‬كنبة‭ ‬جلدية‭ ‬كبيرة‭ ‬وتنظر‭ ‬إلي‭ ‬الكاميرا‭ ‬بالحدّة‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬شبابها‭. ‬أتخيّل‭ ‬‮»‬‬سمِّيعة‮«‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يحجزون‭ ‬مقاعدهم‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ذاته‭ ‬ب15‭ ‬قرشاً‭ ‬للاستمتاع‭ ‬بالتواشيح‭ ‬والوصلات‭ ‬الغنائية‭ ‬التي‭ ‬تؤديها‭ ‬المطربة‭ ‬الشابّة‭.‬
بيني‭ ‬وبين‭ ‬الصورة‭ ‬جهاز‭ ‬جرامافون،‭ ‬أتقدّم‭ ‬قليلا‭ ‬نحو‭ ‬القاعة‭ ‬الكبيرة‭ ‬داخل‭ ‬المقهي‭ ‬وأتوقف‭ ‬أمام‭ ‬صورة‭ ‬أخري‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬–‭ ‬ككل‭ ‬صور‭ ‬المكان‭- ‬لمظاهرة‭ ‬رُفعت‭ ‬فيها‭ ‬صور‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وشارك‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬والأدباء،‭ ‬يُلفت‭ ‬انتباهي‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬وجهه‭ ‬هادئا‭ ‬ومبتسما‭ ‬ومحتفظا‭ ‬بكامل‭ ‬أبّهته‭ ‬كأن‭ ‬صورته‭ ‬التُقطتْ‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬فارغ‭ ‬ثم‭ ‬أضيفتْ‭ ‬إلي‭ ‬الجماعة‭ ‬بتقنية‭ ‬الفوتوشوب‭.‬
المتحف‭ ‬المصري‭ ‬ممتلئ‭ ‬بالسيّاح‭ ‬وبعائلات‭ ‬مصرية‭ ‬تصطحب‭ ‬أطفالها‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬لهم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬التاريخ‭ ‬المذهل‭ ‬الذي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بكامل‭ ‬نضارته‭ ‬رغم‭ ‬الزمن‭ ‬والغبار‭ ‬والرطوبة‭ ‬وفلاشات‭ ‬الكاميرا‭. ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الملل‭ ‬يتسلّل‭ ‬إلي‭ ‬عيون‭ ‬أطفال‭ ‬سُحبوا‭ ‬بصعوبة‭ ‬من‭ ‬أسِّرّتهم‭ ‬صبيحة‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬ثمّة‭ ‬ما‭ ‬يوقظ‭ ‬الحواس‭ ‬والفضول‭ ‬والحلم‭ ‬ويجعل‭ ‬الأطفال‭ ‬سعداء‭ ‬برحلتهم‭ ‬الصباحية‭. ‬أنا‭ ‬أيضا‭ ‬سُحبت‭ ‬من‭ ‬سريري‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬الباكر‭ ‬ورغم‭ ‬التعب‭ ‬الشديد‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬السعادة‭ ‬كانت‭ ‬صافية‭ ‬تحديدا‭ ‬حين‭ ‬اكتشفت‭ ‬بورتريهات‭ ‬الفيوم،‭ ‬تلك‭ ‬الرسومات‭ ‬الرومانية‭ ‬التي‭ ‬يقارب‭ ‬عمرها‭ ‬ألفي‭ ‬سنة،‭ ‬الخطوط‭ ‬الحديثة،‭ ‬ولمسة‭ ‬الرّقة‭ ‬والهشاشة‭ ‬التي‭ ‬تذكِّرنا‭ ‬بإنسانية‭ ‬الآلهة‭.‬
قال‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بعد‭ ‬عودتي‭ ‬من‭ ‬القاهرة،‭ ‬بأنّ‭ ‬‮»‬‬جاردن‭ ‬سيتي‮«‭ ‬صمِّمت‭ ‬علي‭ ‬شكل‭ ‬متاهة‭. ‬أذكر‭ ‬أننا‭ ‬تُهنا‭ ‬ونحن‭ ‬نحاول‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬رحلتنا‭ ‬النيلية‭. ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬قضينا‭ ‬وقتا‭ ‬نادرا‭ ‬في‭ ‬شقّة‭ ‬هدي‭ ‬شعراوي‭ ‬والتي‭ ‬تُعرف‭ ‬الآن‭ ‬بنادي‭ ‬ساويرس‭. ‬الأثاث‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬مكانه،‭ ‬بستائره‭ ‬وأباجوراته‭ ‬وحتّي‭ ‬أبوابه‭ ‬الخشبية‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬شقوقا‭ ‬فاتنة،‭ ‬أثاث‭ ‬بسيط‭ ‬وأنيق‭ ‬وعنيد،‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬كنبات‭ ‬الجلد‭ ‬أو‭ ‬الصالونات‭ ‬المذهَّبة‭. ‬أضغط‭ ‬بإصبعي‭ ‬علي‭ ‬أحد‭ ‬مفاتيح‭ ‬البيانو‭ ‬المفتوح‭ ‬لتفلت‭ ‬نغمة‭ ‬ناشزة‭ ‬تعيدني‭ ‬إلي‭ ‬الآن‭ ‬الذي‭ ‬يفلت‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬كهذه‭.‬
قلعة‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬مُحاطة‭ ‬بمساكن‭ ‬شعبية،‭ ‬وقبل‭ ‬الدخول‭ ‬إلي‭ ‬منطقة‭ ‬الأهرامات‭ ‬زقاق‭ ‬ضيق‭ ‬يعيد‭ ‬إلي‭ ‬ذاكرتي‭ ‬تفاصيل‭ ‬فيلم‭ ‬‮»‬‬بعد‭ ‬الموقعة‮«‭ ‬ليسري‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬وتفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬يسكنون‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومنطقة‭ ‬الحسين‭ ‬محاطة‭ ‬بالدراويش‭ ‬والقاصدين‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬المفتوح‭ ‬في‭ ‬الأرض‭..‬ثمّة‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬النكت‭ ‬البذيئة‭ ‬التي‭ ‬يُطلقها‭ ‬الحاضر‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬ماض‭ ‬عنيد،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬الشتائم،‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬الانتقام،‭ ‬حيث‭ ‬يسكن‭ ‬الفقراء‭ ‬في‭ ‬الأمكنة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬بني‭ ‬فيها‭ ‬الملوك‭ ‬والآلهة‭ ‬مجدهم،‭ ‬مجبِرين‭ ‬من‭ ‬ينحني‭ ‬لدخول‭ ‬قبر‭ ‬الملك‭ ‬أن‭ ‬ينحني‭ ‬أيضا‭ ‬لبؤس‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬علي‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬
بدأ‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬علي‭ ‬حدة‭ ‬بدندنة‭ ‬لحن‭ ‬يخصه،‭ ‬ثم‭ ‬اتفقنا‭ ‬علي‭ ‬الاستماع‭ ‬إلي‭ ‬أغنية‭ ‬لأم‭ ‬كلثوم‭. ‬اقترح‭ ‬أحدهم‭ ‬‮»‬‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮«،‭ ‬لكننا‭ ‬خشينا‭ ‬متاهة‭ ‬المقدّمة‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬بليغ‭ ‬حمدي،‭ ‬كنّا‭ ‬نريد‭ ‬لحنا‭ ‬يقذف‭ ‬بنا‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬النيل‭ ‬فاقترحت‭ ‬‮»‬‬كلّموني‭ ‬تاني‭ ‬عنك‮«‭ ‬لمحمد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭.‬
في‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬المطار‭ ‬إلي‭ ‬الفندق،‭ ‬إعلانات‭ ‬لمبات‭ ‬‮»‬‬الليد‮«‭ ‬تملأ‭ ‬الشوارع؛‭ ‬ستكتشف‭ ‬بعد‭ ‬مدّة‭ ‬أنّ‭ ‬الإضاءة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬خافتة‭ ‬من‭ ‬علوّ‭ ‬الطائرة،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬إضاءة‭ ‬قويّة‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬وتمشي‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬تمنح‭ ‬نورا‭ ‬ساطعا‭ ‬بأقلّ‭ ‬طاقة‭ ‬ممكنة،‭ ‬نور‭ ‬ابتسامات‭ ‬صافية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لم‭ ‬يُلوَّث‭ ‬بعد‭..‬مصر‭ ‬منوَّرة‭ ‬بأهلها‭.‬