رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

عاطف العراقي في ذكري وفاته السادسة: الإنسان والأفكار


د. مجدي إبراهيم
3/10/2018 10:52:13 AM

تمرُّ علينا ذكري وفاته السادسة فنذكره، مع إنّنا لم ننساه، فنذكر المُفكر الذي عاش فكره غير مفصول عن واقعات الحياة. فيلسوف ذو طراز خاص من الناس ممتاز، تتقدَّم لديه القيم الإنسانية فيوليها كل اعتبار، رعاية وعناية وموالاة، لا يعزل فكره عن إنسانيته، ولا الإنسان فيه بمعزل عن فريضة التفكير. جانبان في حياته هما أهم وأجدر بالحديث عن سواهما، وإنْ كانا هما كل حياته العامة والخاصّة : الإنسانية والتفكير. عاطف العراقي المفكر الإنسان، أستاذ الفلسفة »المولود في مركز شربين - دقهليّة في الخامس عشر من نوفمبر 1935م، والراحل عن عالمنا في يوم الأربعاء الموافق 29/2/2012م عن عمر يناهز 77 عاماً»‬، رجلٌ هذّبته المعارف فأعطي منها وأبقي، وترك للعقل العربي ذخائر
لا يجحدها إلا مكابر.

عاش أستاذنا إنسانيته وأستاذيته طوال حياته علي فضيلة البذل والعطاء ماثلاً في عقلانيته المعهودة، قائماً إلي مُرتقي المثل الأعلي بالإيمان بتلك العقلانية وبتلك الخصائص الإنسانية والفكرية التي تنجم عنها، لم يفت المرض في عضده أبداً مع أخريات حياته، ولا فتر نشاطه تقديساً للواجب ولا نضب عطائه، ولكنه احتفظ بنشاطه الغزير حتي الرمق الأخير. وكان سلطانه علي قلوب محبيه : تلاميذه، وطلابه، ومدرسته الفلسفيّة، لا يُضاهي؛ ففوق كونه ملك عزيمة ماضية ومنزلة رفيعة، ملك كذلك فكاهة مرتجلة تنبعث من قرارة وجدانه تدلُّ من الوهلة الأولي علي إنسانيته بمقدار دلالتها قطعاً علي نزاهته عن تلك القيم الساقطة المبتذلة.
إنما العراقي في فلسفته وحياته كان قيمة كبري للوعي, وقيمة كبري للعقل، وقيمة كبري للنقد وللتنوير. هذا الأستاذ الذي أخلَصَ للفكر إخلاص الصادقين، وتحمل تبْعة الرسالة في شجاعة العارفين، لا يعرف للّين ولا للهوادة طريقاً إذا أتصل الأمر بكرامة القلم والطعن في تقديس الرسالة وخيانة الواجب وزراية الأمانة الفكرية. وبما إنه كان مفكراً طُّلعَة شغوفاً بالتأليف والتدريس وتعليم الطالبين فكان في الوقت نفسه هو هو المفكر »‬الإنسان» الذي أرتضي لنفسه ولأمته العربية طريقَ النور العقلي تسير فيه : إيمانه بالعقل وقدرته علي توظيفه في خدمة قضايا وطنه موصولٌ منذ أن وعي حياةً علميةً منتجةً إلي أن توفاه الله. وفوق هذا كله، أدبٌ جَمُّ في تواضع وعزة نفس، ووفاء وإخلاص ورفق وأريحية صدق، واحترام شديد للمواعيد، والتزام بالواجبات الوظيفية الأكاديمية، وارتباط روحي بطلابه في علاقات إنسانية رفيعة المستوي، وتقدير للصغير وللكبير، وتسامح مع الآخر المختلف في العقيدة أو الدين. في أوصافه الشخصية ومناقبه الخُلقيّة وخصاله النفسية وشمائله الأدبية والفكرية ما لو جمعناه لتألفت منه مكتبة في أدب السيرة الذاتية تقابل في رياض تنوعها وغزارة مادتها وروعة أحداثها مكتبة العقد الفريد ومكتبة الأغاني في الثقافتين الأندلسية والعباسية.
أنا شخصياً تعلمتُ منه الكثير والكثير .. غمرني بحبه وعطفه وإنسانيته العليا، ووجهني التوجيه السليم من خلال صحبتي له إلي طريقة البحث العلمي الصائب والتنقيب الأمين، وأرشدني إلي أشياء فيما لو كنت بعيداً عنه لجهلتها وما عرفتها قط، ويحفظ صدري منها الكثير.
ولئن كان - طيّبَ الله ثراه - تَرَكَ لنا مدرسةً فلسفية تمتد علي مستوي الجامعات المصرية والعربية، ولئن كنّا اليوم بحاجة ماسّة، حرصاً منّا علي الجانب الوضيء في هذه المدرسة لا الجانب المظلم الذي يتصارع فيه البعض حول تفاهات ساقطة لا تحمل سوي التنابذ والتشرذم والخلاف ودحض الوفاء : القيم الساقطة التي هاجمها بعنف أستاذنا الرائد رحمه الله، فإننا اليوم، وذكراه العطرة تمُرُّ علينا، نتوقف عند أكبر تلاميذه وأقربهم إليه صلة ومودة وتأثراً، ممَّن خبروه وخبروا حياته عن قُرب، فتوافر لديه مخزون هائل من المواقف الإنسانية للعراقي شهدَها كما شهدها معه كثيرون من أصدقائه ومحبيه، وكلها شواهد صدق علي عطاء العراقي النادر، وسماحته وتواضعه وشجاعته وكرمه ورقته وعطفه 

المشمول ونبل مشاعره تجاه الآخرين، وجميعها شمائل النفوس الزكيّة التي تهفو إليها العقول والقلوب في كل مناسبة؛ هو أستاذنا الدكتور أحمد الجزار أستاذ الفلسفة والعميد الأسبق لآداب المنيا من أوائل تلاميذ العراقي في مصر بل هو أولهم تحديداً، في دراسة كتبها عنه بعنوان (عاطف العراقي .. أفكاره وجوانب من أستاذيته وإنسانيته) ضمن مطويات لم يكن قد نشرها بعدُ، جاءت إضاءة لبعض أفكاره وإشارات لجوانب أستاذيته ممّا كان لمَسَهُ فيه من قريب.
ويلفتُ نظرنا في هذه الدراسة وقوف الجزار علي أفكار العراقي العقلانيّة والتنويرية في مساحة متسعة جديرة بالنظر والاعتبار من جهات كثيرة؛ فهو »‬أولا» يُحدّد معياراً لمن يصحُّ أن يطلق عليه صفة المفكر أو الفيلسوف ممّا لا يصح، حتي إذا كانت لفظة الفيلسوف أخصَّ في الدلالة من صفة المفكر وَجَبَ أن يكون المفكرون العظام هم أولئك الذين كرسوا حياتهم رصداً وتحليلاً لواقع الحياة ومشكلاتها في مجتمعاتهم بحثاً عن حلول لها ملائمة. وهو »‬ثانياً» يَعْرِض لبعض القضايا الحيويّة التي أولاها العراقي اهتمامه الفكري وطرَقَ عليها دوماً بغير سأم من جانبه ولا فتور؛ كارتباط قضية الأصالة والمعاصرة بفكرة التقدُّم، ثم قضية التعليم التي لا تنفك عن قضية التقدُّم، ويراها الجزار إنها بمثابة الشغل والأول والأخير من أشغال العراقي الفكرية لوطنه وأمته.
وتجيءُ القضية الثالثة من الخطورة بمكان بحيث لا تقلّ في خطرها عن القضيتين السابقتين، وهي قضية التطرف الديني والإرهاب : واقع أسود من الإرهاب الدامي تعيشه بلادنا فيسبلها النهضة ويعوق تقدمها. بصدق، لو كنا سمحنا لأنفسنا بالاستماع لشيوخ المفكرين التنويريين لأصبح الحال غير الحال، لكننا اعتبرنا كلامهم مجرَّد »‬حبر علي ورق»؛ وهذا هو الواقع يشهد بصحة ما كانوا يقولون. تجيء هذه القضايا كلها مرتكزة علي دعائم منهجية : العقل والنقد والتنوير والإيمان بدور العلم في حياتنا الفكرية. وهو »‬ثالثاً» يحدثنا عن جوانب من أستاذية العراقي وإنسانته ليدعو خيرة تلاميذه من بعده أن يحملوا الشعلة المقدسة، شعلة الوعي والتنوير تماماً كما حمَلَها الأستاذ الرائد بصدق وجسارة، وأن يكونوا جميعاً قبساً من كمال إنسانيته العالية وأستاذيته الرائدة.
واقعياً؛ لن يكون المفكر مفكراً يعرف له دور ورسالة بغير أن تكون وظيفته الحقيقية تغيير واقع الأمة التي ينتسب لها، فلا يكتفي بمجرد تفسير الواقع أو تبرير ما هو حاصل فيه، ثم يسكت عن تقديم الحلول التي يتغير بها واقع مجتمعه فيما لو تم تطبيقها، لا يكفي هذا؛ لأنه إنْ فعل واكتفي بالتفسير دون التغيير عارض صفة المفكر الذي تؤرقه هموم أمته وقضاياها المصيريّة، فقيمة المفكر الحقيقي لا تتوقف عند حد الأطر النظريّة المُجَرَّدة للقضايا التي تشغله؛ لأن هذا يعدُّ ضرباً من التفسير إنْ هو أفاد من جانب ضرَّ من جوانب أخري، ولكن قيمته تتحدد بمقدار ما يُسهم به في تغيير واقع الحياة في مجتمعه واستشراف آفاق المستقبل تحقيقاً للتقدُّم, إذْ ذَاَكَ تصبح هموم أمته هي شغله الشاغل فلا يحيا إلا بها ولا يعيش إلا من خلالها.
ولا نزاع في أن أحداً لا يستطيع القيام بهذه المهمة الثقيلة غير المفكر فهو أقدر من غيره علي إنجازها, ومن هنا عظمت مسئوليته نحو مجتمعه في حركة دفعه علي مدارج التقدم والرقي والحضارة. وفي ضوء هذا المعيار تجيء قيمة المفكر بمقدار ما تكون فريضة التفكير متصلة بواقع المجتمع مرتبطة علي الدوام بمشكلاته وقضاياه. وعاطف العراقي بغير مماراة مفكر من هذا الطراز له بصماته الواضحة المعالم في حياتنا الفكرية والثقافية، وهو نموذج للمفكر الملتزم وصورة مثالية مُشرّفة للأستاذ الجامعي القدير وللإنسان بكل ما تحمله الإنسانية والأستاذية من معان نبيلة، تجلت فيه وظيفة المجدد يقيمها علي منهج عقلاني نقدي تنويري بمقدار ما تجلي عنده الإبداع في أتم صوره : نبذ التقليد وطرح الجمود وأخذ بروح النقد والاستنارة المعرفية بمثل ما وصف هو فريضة التفكير لدي المفكر الحقيقي أن تكون عقليته مفتوحة تأبي الركون إلي أحادية الثقافة الواحدة أو التخصص الضيق.
فلئن كان المنهج الذي اتخذه العراقي لنفسه وتكون عنده منذ أكثر من أربعين سنة هو المنهج العقلاني النقدي التنويري، فلأنه المنهج نفسه الذي سَبَقَهُ إليه مفكرون كبار علي مدار نصف قرن من الزمان ممَّن عبدوا الطريق قبله كأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهم ممَّن كانت دعوتهم دائمة غير منقطعة لفكرة التقدّم عملاً وعلماً، فالعالم ليس فيه مكانٌ للضعيف نظراً أو عملاً، ليس فيه إلا القوي علماً وعملاً حتي إذا ما أخذ المفكرون دورهم المنشود في مجتمعاتهم لكي يحققوا تقدماً بين الدول المتقدمة رأينا العراقي يصرخ في لوعة مخامرة : أصبحنا كعرب أضحوكة بين أمم العالم، الأمم التي أرادت لنفسها التقدُّم إلي الأمام فلم يعد فيها مكان إلا للأقوياء ممَّن ملكوا أدوات العصر وآلياته، علماً من جهة الإبداع، وتكنولوجيا من جهة التطبيق.
عمليَّاً؛ فقدان الأيديولوجية العربية كان هو الأرق الدائم لبصيرة المفكر التنويري، الأمر الذي غلب فيه علي أستاذنا الرائد نزعة التشاؤم التي سَرَتْ في كتاباته، وكان سببها غياب تلك الأيديولوجية ممّا غَاب معها تحديد مستقبل مجتمعنا العربي؛ إذْ فقدنا صياغة موحدّة لبناء ثقافي يُشَكّل في مجموعة إطاراً مرجعياً لحركة العقل العربي في كل ما يصادفه من مشكلات وما قد يقف في طريقه من عقبات أو أزمات.
أمّا عن فكرة التقدّم وارتباطها بمشكلة الأصالة والمعاصرة؛ فهي قضية مركزية تدعو إلي الأسي حقيقةً : أن يحاول البعض البحث عن حلول لمشكلاتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية في واقعنا المعاصر بالنظر في تراث الأقدمين غير مراعين فروض التطور واختلاف العصور والأزمنة، وبما إن اللحَاق بركب الحضارة يعدُّ قضية وجود بالنسبة لنا، فمفتاح التقدَّم عن العراقي لا يتحقق بالانكفاء علي كتب التراث وعبادة الماضي بدعوي الأصالة، ولمجرد أنه ماضي تراث الأجداد، وإنما يتحقق بالاعتماد علي العقل ممثلاً القوة المبدعة الخلاقة القادرة علي أحداث نقلة حضارية منشودة. عن طريق العقل يمكننا المشاركة في التقدّم، وبغيره تنغلق أمامنا كل التيارات من حيث لا يُرْجَي الإصلاح مع التقوقع والانغلاق.
وتأسيساً علي إمكانات العقل والاحتكام إلي منطقه يصبح العلم - في إشارة الجزار عن العراقي - ركيزةً لا غني عنها في إحداث التقدُّم، لأن منطق العصر وحضارته صَارَ محكوماً بالعلم بوصفه إبداعاً وبالتكنولوجيا بوصفها تطبيقاً، وإذا كان العلم فيما مضي ضرورة، فإنه في حاضر الناس أوجب ما يكون؛ لأننا في عالم جديد أصبح بفضل التطورات العلمية قرية صغيرة.
وكما كان الإيمان بالعقل والعلم قناعةً لا شك فيها عنده، بموجبها والعمل لأجلها يكون التقدُّم الذي يمثل استنارةً واعيةً برسالته التنويريّة، كذلك كانت قضية التعليم، القضية الثانية من تلك القضايا المجتمعية. وأولُ ما يلاحظه العراقي هو غياب المنهجية النقديّة من مناهجنا التعليمية وبرامجنا الدراسية. ويري الجزار أن التعليم الذي ينشده أستاذنا رحمه الله ويتلاءم مع التقدّم الذي يؤمله هو التعليم الذي يرسّخ مبدأ الإبداع ويزيده توهُّجَاً في استعداد المتعلمين.
لقد كان حُلماً موثوق السياق لديه بتقديس العقل وحرية البحث العلمي أن يكون الربط محكماً وثيقاً بين والتعليم والإبداع. أمَا وقد أخفق نظامنا التعليمي في دحر الأفكار الظلاميّة من المناهج الدراسية وتقويض مساحتها المتسعة واستبدالها بمساحة التنوير، فلا مناصَ من أن تقوم المناهج التعليمية الحالية علي الحفظ والتقليد والترديد والتلقين من جهة، ونبذ التجديد والإبداع والابتكار من جهة ثانية. علي أن غياب الروح النقديّة في مناهجنا الدراسية الحالية في مستويات التعليم بمراحله المختلفة قبل الجامعة ثم في الجامعة نفسها لهو السبب المؤكد المباشر في قتل روح الإبداع في نفوس الطلاب.
وسيادة نزعات التقليد وتدهور دور الجامعة وقلة صياغة عقول الخريجين صياغة منهجية ودعمها بالروح النقدية المنظمة المبدعة كل أولئك من العوامل التي أدَّت إلي فشل دور الجامعة التنويري في إشاعة الوعي والثقافة والتنوير وتخريج أجيال لها القدرة علي صناعة المستقبل الجديد.
بديهياً؛ إنّ النظرة التجديدية كما يَرَاها العراقي لا تقوم علي رفض التراث جملة وتفصيلاً كما لا تقوم علي الوقوف عند التراث كما هو ودون أية محاولة لتأويله أو تطويره، بل إن النظرة التجديدية تعدُّ معبرةً عن الثورة من داخل التراث نفسه : إعادة بناء التراث ليكون متفقاً مع العصر الذي نعيش فيه، والفرقُ كبيرٌ جداً بين التمسك بالبناء القديم كما هو بصورته التقليدية وبين إعادة بناء »‬کeconstruction» التراث ممّا لا يحمل مطلقاً في طياته هدماً أو رفضاً.

وبفقدان نظرة التجديد ممَّا قد يوجد في بعض كتب التراث، وممَّا من شأنه أن يقدّم منه لطلابنا في مراحل التعليم الجامعي من دراسة للآراء العلمية لدي العلماء العرب أمثال جابر بن حيان وابن سينا والحسن بن الهيثم وأبي بكر الرازي وغيرهم من علمائنا العرب، فقدنا بالتالي الأهليّة التي بها يتكوَّن العلم وتتنامي ناهضةً تلك  الروح العلمية إذْ كان هذا كله لا يساعد علي الإبداع ولا يقوّمه ولا يقوّيه؛ لأن الطابع الكمي غالب عليها بدلاً من الطابع الكيفي. وبالنظر إلي دور الجامعة الأكاديمي لم يعد ممكناً في ضوء الآلاف المؤلفة من الطلاب، وفي ضوء مأساة الكتاب الجامعي والمناهج التعليمية العقيمة، وطمع الأساتذة والمدرسين في أكل السحت والمتاجرة بالمذكرات المسروقة من وراء تعليم الطلاب إنْ في المدارس وإنْ في الجامعات، لم يعد ممكناً الحديث عن دورها الثقافي.
إنّ إطلالة عارضة علي واقع الجامعة لينذر بالخطر حقاً؛ فليس بأمين علي رسالة الوطن من يُلاحظ انهيار الجامعات المصرية سواء في مستوي التعليم الجامعي أو في مستوي الدور الثقافي ولا يرفع صوته عالياً ليحذر من كارثة مُحَققة، إننا توسعنا بغير حدود في التعليم الجامعي، ذلك مُشَاهد في كل إقليم من الأقاليم المصرية الأمر الذي نحمده للدولة، لكن هذا التوسع الذي نجده توسعاً أفقياً وليس هو بالتوسع الرأسي، صارت معه الجامعات مُجَرَّد امتداد للمدرسة الثانوية علي الرُّغْم من اختلاف أهداف التعليم الجامعي عن التعليم الثانوي، فليس يكفي لإنشاء جامعة أن تزيل لوحة مكتوب عليها مدرسة ثانوية لتضع بدلاً منها كلمة كلية أو جامعة علماً بأن هذه الجامعات وبعض الكليات يعوزها نقص الإمكانات البشرية بصورة مرعبة حتي أن بعضها لا يوجد بها إلا أستاذ واحد ! ناهيك عن المستوي العلمي المتردي لأكثر الأساتذة، وفاقد الشيء كيف يُرجي أن يعطيه ؟
فلسفياً؛ هذا تشخيص من مفكر جاهد في سبيل التعليم كتابةً وتدريساً سنوات طويلة، فهو يعي ما يقول ويُخلص فيما يقول؛ فما من هوَّة وسيعة بين فكره وعمله، ولا بين قوله وسلوكه، اتساق واضح بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعليّة.
أما القضية الثالثة، قضية التطرف الديني والإرهاب؛ فهي أخطر القضايا الوطنية علي الإطلاق، وليس من شك في صلتها الوثيقة بكل القضايا السابقة عليها؛ فتعليم فاسد، وثقافة مُتَرَديّة، وانحراف عقائدي، وتديّن شكلي، وانحلال خُلقي، عوامل هدم تشكل جرثومة التطرف والإرهاب. لم تجد أيديولوجية الإرهاب الفاسدة العناية الكافية من مثقفينا وكتابنا ومفكرينا بتسليط الضوء الساطع عليها فيما يسمح بمجابهتها بأسلحة النقد العنيف، وتحليل عناصرها المؤبوة إلي جذورها العفنة المتآكلة حتي لا يقترب من تلك المنطقة السوداء أحد، وبخاصَّة فيما تضمَّنته بعض كتب التراث أو فيما اشتملت عليه آراء فقهاء الهدم ممَّن قيّدوا عقولهم مغلولةً بقيود التقليد. كنّا نأمل أن تتكشف للأعشي قبل المُبصر جوانب التخلف والرجعية في هذا الفكر الظلامي الأسود المحظور، ولكن مع شديد الأسف وجدنا له أنصاراً وأتباعاً ناهيك عن دول كبري بمؤسساتها التقليديّة الثرية ماديّاً تدَعّم هذا الفكر وتقف من خلفه مساندة ومؤيدة، الأمر الذي أتاح الفرصة سانحة لأصحاب الثقافة المحدودة أن يخرِّجُوَنه للناس باعتباره الفكر المحافظ علي الدين، والدين منه بُرَاء، الحامل لروحانيته وسماحته وأصوله، الجاذب لعقول بعض الشباب، وهي عقول كما نعلم فارغة من الوعي والثقافة والتكوين أو تكاد، تغيب عنها الرؤية النقديّة لما يعرض عليها للوهلة الأولي من بضاعة كاسدة فتنساق طيعة مختارة انسياق السوائم مع مثل هذا التطرف الديني المَرَضي أو مقهورة تحت وطأة الظروف الاجتماعية الضاغطة كما يُتَوَهم، وإنْ كان كاتب هذه السطور يري أن هذه الظروف؛ ومنها الفقر تحديداً، لا تخرَّج إلّا الأبطال، فالقسوة تصنع الرجال ولا تصنع الضعفاء المنتقمين، والثراء الفاحش لا ينشئ عقولاً راقية؛ فيحدث من ثمَّ ما لا قِبَل لنا بمواجهته من وخيم العواقب وشديد النكبات الإرهاب والتطرف والعنف والكراهية السَّافرة المدمّرة للنفس وللغير.
يكفي مثلاً إن خطر الإرهاب يحمل أبلغ إساءة إلي الدين من ناحية، ويضرب الوحدة الوطنية من ناحية أخري، ويتسبّب في إهدار طاقة الوطن وضرب استقراره وإعاقته عن بلوغ أهدافه. يُلقي العراقي الضوء حول هذه القضية في أكثر كتاباته ما دام خطر الإرهاب يُهدّد نسيج الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد من المسلمين والمسيحيين، كما يكشف عن نزعة التسامح لدي مفكرنا وضيقه ممّن يمكرون بإخوانهم ويسيئون إلي الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فلا خيرَ في مواطن يكتفي فقط بإقامة الشعائر الدينية دون أن يجعل من سلوكه تعبيراً عن جوهر الدين. إذا كان هناك تلوث مادي يتمثل في الهواء والأغذية مثلاً، فأشدّ منه خطراً هو ذلك التلوث الخُلقي يغرس الفتنة الطائفية في نفوس أبناء الوطن الواحد.
يري العراقي إن هذا السلوك فوق كونه مشيناً فهو كذلك غريب ودخيل علي مصرنا الغالية؛ لأن مصر منذ آلاف السنين يعيش فوق أرضها أبناء الديانات كلها ولا مكان في مصر لمن يتاجر بالدين ويقوم باستغلاله لتحقيق مآربه الشخصيّة.
إذا رَدَّ أحدهم الإرهاب إلي أسباب اقتصادية، فإن العراقي يسخر من هذا التخريج البليد، فليس الفقر سبباً أساسياً في وجود الإرهاب أو التطرف، هنالك أناس يعيشون في حالة من الفقر، ومع ذلك فهم أناسٌ يؤمنون بربهم ويؤمنون بوطنهم ولا صلة لهم من قريب أو من بعيد بالفتنة الطائفية. ولا يمكن التهوين من التطرف فيما وصلت إليه أحوال المروجين لهذا الفكر المتخلف، ومن بين أسباب ظهوره التي يراها العراقي سبب واضح وشديد الوضوح هو الخلط الشنيع بين الدين والسياسة.
وبما أن الدين هو أولُ ما يمتزج بالقلوب ويرسَّخ في الأفئدة وتصطبغ النفوس بعقائده علي حد قول الإمام محمد عبده، فيكونُ له السلطان علي الأفكار وما يطاوعها من العزائم والإرادات، فوجبَ من هنا إشاعة حب احترام الإنسان ومعتقداته بغض النظر عن الخلافات بين الأديان، كذلك يجب أن نولي العناية بالغةً في مناهجنا التعليمية بتكثيف الاهتمام بالجانب العلمي والموافقة بين الجانب الروحي والجانب المادي في تصور الحضارة، وتقويض الأفكار الهدّامة البالية المستغلة من قبل المهاجمين للحضارة تحت دعوي التغريب وخرافة الغزو الثقافي؛  فإذا عرفنا هذا وتمثلناه كان من أوجب الواجبات علينا التركيز في مناهج التعليم علي الأعمال الشامخة التي قام بها المسلمون والمسيحيون سواء في الماضي أو في الحاضر، حتي إذا وجدنا فلاسفة مسلمين في الحضارة العربية، فإن الفضل يرجع بطبيعة الحال إلي وجود حركة الترجمة وازدهارها علي أيدي النصاري؛ وهو فضل ليس بالقليل. وبالمثل؛ يمكننا التركيز علي استفادة الأوربيين من العرب في العصر الوسيط.
هذا هو عاطف العراقي أستاذنا ومعلّمنا ورائدنا كما عرفناه : المفكر، المُصلح، الإنسان. قيمة كبري لنا وللأجيال القادمة، تصدر عن قيم عاشها حياة وخَبَرَ ثمارها في نفسه، ثم أرسلها عن إيمان وقناعة لأبناء وطنه. قيمة فكرية تحفظ للعقل مكانه ومكانته، تسلحه بالمعرفة، وتغرسه في الوعي، وتصقله بالدراسة والتهذيب، وتوصله بالإصلاح لجوانب الحياة مجتمعة، ومن ورائه استطاعة القصد موصولاً بالله علي قدر الطاقة. طيّبَ الله ثراه، وروّح الله روحه، وغَفَر الله له، وجعل أعماله الخيّرة في ميزان حسناته.