رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي (49) فرصة السباعي

كتابة


محمود الورداني [email protected]
3/10/2018 10:58:16 AM

  أود أن أفتح قوسا هنا لأكتب عن بعض ماكان يدور من معارك واضطرابات في أروقة الثقافة والكتابة والفنون في تلك الفترة التي سبقت انتهائي من خدمتي العسكرية وبعدها مباشرة، أي بين أواخر عام 1974 وحتي عام 1976. وربما كانت الإشارة بقدر من التفصيل لمعركتين من بين تلك المعارك أن توضح إلي أي مدي بلغت العلاقة بين المثقفين والدولة.
  والحقيقة أن تلك العلاقة كانت قد تعقدت بعد أن سعي حكام يوليو لتأميم الصحافة والثقافة أيضا، بل إن عضوية الاتحاد الاشتراكي، وهو التنظيم السياسي الوحيد، كانت الشرط الأساسي لتولي أي منصب طوال الفترة الناصرية، وعندما جاء السادات لم يتغير جوهر الأمر، وهو سيطرة الدولة علي الثقافة والمثقفين، ولم تكن الصحافة اليومية والأسبوعية والشهرية قد تم تأميمها فقط، بل إن كل المؤسسات والأجهزة الثقافية كانت تحت السيطرة المباشرة، فضلا عن أن المجلات المتخصصة في الفكر والثقافة مثل المجلة والفكر المعاصر والكاتب والثقافة والجديد والمسرح مثلا هي بنت نظام يوليو وجري السيطرة عليها منذ اللحظة الأولي.
  علي أي حال، سوف أتوقف عند معركتين لتوضيح الأمر. المعركة الأولي هي المواجهة بين مجلة» الكاتب»‬ التي كانت أحد المنابر الجادة والتقدمية ذات طابع يساري وقومي، ولعبت دورا بين الكتاب العرب علي مدي عدة عقود حتي عيّن السادات الجنرال يوسف السباعي وزيرا للثقافة ليقوم باستعادة هيبة الدولة من أولئك المثقفين الذين سبق لهم أن تجرأوا عدة مرات، مثل إصدارهم لمجلة مجنونة ضد كل شئ !مثل »‬جاليري 68» ، والانفلات الذي أحدثته حركة الماستر في النشر بتغلبها علي التدخل الرقابي، ثم توقيعهم علي بيان عام 1973 ضد حالة اللاحرب واللاسلم، ومن بينهم أسماء مرموقة مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وحجازي وأمل دنقل وغيرهم وأظن أنني أشرت إلي ذلك  وغيره من مظاهر التحرر من قبضة الدولة في سلسلة زمن القليوبي من قبل، التي بدا أن انتصار أكتوبر 1973 قد استعادها علي هذا النحو أو ذاك.
  في هذا السياق تم تعيين الجنرال يوسف السباعي وزيرا للثقافة. وكان الرجل مفتونا بنفسه ويعتبر نفسه روائيا مظلوما تجاهله نقاد اليسار، ولذلك كانت كراهيته لليسار ليست جزءا من توجه عام وراسخ في الدولة فقط، بل هناك جانب شخصي أيضا. ولذلك بادر علي الفور بإصدار مجلتين رديئتين هما الثقافة التي ترأس تحريرها، الثانية هي الجديد التي ترأس تحريرها رشاد رشدي المعروف بعدائه أيضا للتقدم بشكل عام.
  وبقيت مجلة الكاتب شوكة في حلقه لم يعرف كيف يتخلص منها، فعلي رأسها كاتب مرموق ومعروف عربيا هو أحمد عباس صالح، ويكتب فيها كبار الكتاب العرب، ولها سُمعة محترمة، وسبق ليوسف إدريس مثلا أن قدّم من خلالها الكثير من كتاب جيل الستينات مثل صنع الله ابراهيم ويحيي الطاهر عبد الله وغيرهما. تحرش السباعي بالمجلة في البداية عن طريق تعطيلها بحجة وجود أزمة ورق، أو عن طريق عرقلة طباعتها، والأكثر استفزازا هو إخضاعها وحدها للرقابة، علي الرغم من أن السادات كان قد ألغي الرقابة الرسمية علي المطبوعات المصرية، كجزء من تمثيلياته الرديئة حول تحقيقه للديمقراطية.
  وجاءته الفرصة عندما نشر صلاح عيسي مقالا أشار فيه إلي أنه كان هناك طوال الوقت وجهتان نظر لحل القضية الوطنية والاحتلال الإسرائيلي، الأول هو الحل الذي يأتي في إطار الحل الإمبريالي، وهنا أمسك السباعي بفرصته وسارع بتقديم بلاغ  للنيابة في صلاح عيسي ورئيس ومجلس تحرير الكاتب..
 سأواصل في العدد القادم
إذا امتد الأجل..