رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

أمل دنقل.. العاشق الشرير


ممدوح فرّاج النّابي
4/14/2018 3:05:46 PM

ملأ الشاعر أمل دنقل (1940 - 1983)  الذي مرت الذكري الرابعة والثلاثون علي رحيله بشعره الدُّنيا وشغل النُّقاد قبل شهور قليلة، ولفت الانتباه إليه منذ بداياته الأولي فالشّاعر قاسم حداد يشير إلي شاعرية أمل في مقاله بعنوان »سيف في الصدر .. جدار في الظهر»‬ في مجلة »‬الدوحة» أغسطس 1983: يقول »‬دون ضجيج جاء إلي الشعر العربي من صعيد مصر، وكتب قصيدته المختلفة، وكسر جدران قلعة القصيد كما لم يعهد الشعر العربي القصائد ولم يعهد الكسور». نعم كسر أمل جدران القصيد، وهو يدخل المدينة الفضيّة  طارقًا بابها ولا يحمل ــ كما يقول ــ في يده  إلا قلمًا . دخل المدينة ولم ينشغل إلا بالشعر، فهو كما يُعرِّف نفسه »‬أمل دنقل، المهنة شاعر» وقد كان الشّعر عنده نوعًا من الكلام، مع الفارق بين الكلام العادي وما كان يُعبِّرُ به أمل عن مواقفه وأحاسيسه. تأدلج أمل في قالب ثوري وفقًا للصفة الثورية والتحريضية البازغة في شعره كما في قصيدة »‬أغنية الكعكة الحجرية» فصار الشّاعر الثائر دومًا، وهو ما يتوافق مع القصائد التي كتبها خاصة أيقونة الثورات المتجدِّدة التي كان يصدح فيها مُندِّدًا ومُحذِّرًا كأنّه زرقاء اليمامة قائلا: »‬لا تصالح!» وغيرها من القصائد التي كانت تُعلي مبدأ الخروج علي النسق، حتي عُدَّ أمير »‬شعراء الرفض» كما وسمه نسيم مجلّي، أو واحدًا من »‬الشعراء الخوارج» حسب تسمية زوجته عبلة الرويني. فهو حسب تعريفها للشعراء الخوارج »‬خوارجي بامتياز حيث نقل محور القداسة من القصيدة من »‬الإلهي» إلي »‬البشري» مشغولاً بالإنسان البسيط »‬المُعلَّق علي مشانق الصّباح» نزيل الفنادق الفقيرة، والغرفة الباردة الجندي المُساق إلي حروب لا ناقة له فيها »‬يُدعي إلي الموت ولا يُدعي إلي المجالسة»
سيف الشعر
طغي الجانب السياسي علي معظم قصائده بدءًا من قصيدة »‬كلمات سبارتاكوس الأخيرة» حتي وسم بالمتمرد والثائر وغيرها من الألقاب التي وجدت لها ما يُعضدها في شعر أمل الذي كان بارزًا فيه هذا الجانب، وإن كانت المضامين السياسية  كما يقول الناقد إبراهيم فتحي في قراءته لهذه الأشعار  »‬لم تكن نابعة من انتماء إلي حزب سياسي، فهو وإن لم يكن معاديًا للسياسة الناصرية، لم يكن ناصريًا حزبيًا وعلي الرغم من اتجاهه القومي البارز لم يكن منتميًا إلي الحزب الناصري الواحد، ولا إلي حركة البعث العربي.» ومع أن كثيراً من قصائد ديوانه الأول مقتل القمر، تنبئ عن رومانسية متوارية  عن عمد - خلف صرامة هذا الصعيدي الذي كان يفتخر به دومًا، وهو ما أكّده في قصيدة »‬الفارس» بقوله: »‬لا تنتظري أن يبتسم العابس / فالفارس ليس الفارس/ مدي بإنائكِ / عبر السّلك الشائكِ / مُدي طرف ردائكِ / حتي يصنع منه للقلب ضمادًا / ويسدّ شقوق البرد القارس». ثمّ رويدًا رويدًا تخلّي عنها مُقابل الجانب الثوري، إلا أنّ ثمَّة جانبًا رومانسيًّا في شخصيته علي المستوي الإنساني  بعيدًا عن الحدِّة التي ظهرت  أو صدّرها هو بنفسه - في علاقاته بأصدقائه والمحيطين به. ربما مبعث هذه القسوة مردُّها التنشئة الصعيدية التي نشأ عليها، والتي فرضت قيودًا أثقلت الخطو كما ذكر في قصيدة »‬قالت»: قالت تعالي إليّ واصعد / ذلك الدرج الصغير / قلتُ القيود تشدني / والخطو مضني لا يسير». قد كان لموت أبيه (اليتم) السبب الأكبر في تكوين شخصية أمل بهذه الصورة الجادَّة والصّارمة، فقد خَلق اليتم منه رجلاً وهو طفل صغير لم يتجاوز العاشرة؛ حتي إنه كان يرفض دخول السينما لأنه لا يليق بشاب جادّ (وللصدفة أوّل فيلم دخله كان مصطفي كامل بما يحمله من معانٍ الرجولة والتضحية) كما ظلّ لأعوام يرفض أكل الحلوي لأنّها لا ترتبط بالرجولة. حتي الشعر الذي كان يشكل هويته أمام الناس، في لحظة يخجل من الانتساب إليه، علي حدّ قوله في رسالة لعبلة الرويني : »‬وقد لا تعرفين أنني ظللت إلي
عهد قريب أخجل من كوني شاعرًا، لأن الشاعر يقترن في أذهان الناس بالرقة والنعومة وفجأة تطلُبين مني دفعة واحدة، أن أصير رقيقًا وهادئًا وناعمًا يعرف كيف ينمق الكلمات؟»
صورة أمل الآخر
تتكشف جوانب الرومانسية في شخصية أمل في علاقته بأصدقائه الحميمين كما هي واضحة في علاقته بسليمان فياض، الذي قال عنه »‬حين أكتب عنك فأنا أكتب عن نفسي» وكان جمعهما أوّل لقاء في الإسكندرية عام 1962. وبالمثل في علاقته النادرة بالناقد سيد خميس. وتتضح أكثر في رسائله لعبلة الرويني زوجته؛ حيث يُعرِّي أمل ذاته، وينسلخ عن هذه الصورة التي كأنها علي عكس إراداته، أي الجانب الذي »‬قتله في داخله» علي حد تعبيره: »‬ لقد قتلت عبر سنوات العذاب كل أمل ينمو بداخلي قتلت حتي الرغبات الصغيرة، والضحك الطيب، لأنني كُنت أُدرك دائمًا أنّه غير مسموح لي بأن أعيش طفولتي، كما أنّه من غير المسموح أن أعيش شبابي. كنت أريد دائمًا أن يكون عقلي هو السيد الوحيد، لا الحُب ولا الجنس، ولا الأماني الصغيرة، لقد ظللت لا أقبل كلمة رقيقة من امرأة لأنني أضطر عندئد إلي الترقّق معها، وهذا يعني بلغة إحساسي التودُد لها، وهو يمثل الضعف الذي لا يغتفر».
لكن يبدو أن الآخرين نظروا إلي أمل بمنظار أحادي / ثابت، فهو دومًا أمامهم شاعر جيد، وثائر، وإن تحدثوا عن داخله وصفوه بأنه »‬عاشق شرير»، كما جاء في تعبير عبلة نفسها له في رسالة قصيرة حيث قالت: »‬كلما قرأتُ أشعارك أحسّ أن مكانك الطبيعي في صفوف الانقلابيين، ولهذا فأنت شاعرٌ جيد وعاشق شرير». مع الأسف كان أمل يبحث عن واحة الأمان التي افتقدها وهو طفل يتحمّل المسئولية المُلقاة عليه، والتي حالت دون »‬أن يصعد الدرج» فثمة إحساس لازمه بأنه »‬مهما بلغت فلست أبلغ ما بلغت وقد أخور». لكن ما أن وجد الحبّ في عبلة صرَّح لها قائلا: »‬لو لم أكن أُحبك كثيرًا لما تحمّلتُ حساسيتك لحظة واحدة ... تقولين دائما عني ما أُدْهَشُ كثيرًا عند سماعه، أحيانا أنا ماكر، وأحيانا ذكي، رغم أنني لا أحتاج إلي المكر أو الذكاء في التعامل معك؛ لأن الحبّ وسادة في غرفة مقفلة أستريح فيها علي سجيتي، ربما كنت محتاجًا إلي استخدام المهارات الصغيرة معك في بداية العلاقة؛ لأنني كنتُ أريد أن أفهمك بحيث لا أفقدك، أما الآن فإنني أحب الاطمئنان الذي يملأ روحي عندما أحسّ بأن الحوار بيننا ينبسط ويمتدّ ويتشعب كاللبلاب الأخضر علي سقيفة من الهدوء».
يواصل أمل في رسالته اعترافه الذي يكشف فيه عن ذات نقيضة لتلك التي تجسّدت عبر قصائده ومواقفه فيقول في لحظة صدق وتعرية كاملة لهذه الذات »‬إنني أحتاجُ الكثيرَ من الحُب، والكثير من الوفاء، والكثير من التفاني إذا صح هذا التعبير، ولكنك لا تعطيني أي شيء، لدرجة أني أحسست أني محتاج إلي كلمة حُب رفضتِ أن تنطقيها، وإذا طلبت منك طلبًا صغيرًا فأقرب شيء إلي لسانك هو كلمة الرفض ... إن قلبك قِفر جدًا لا يستطيع أن يكون وسادة لمُتعب أو رشفة لظمآن».
هذا الإلحاح من جانب أمل يكشف عن مراوغته لشخصيته الثانية شخصية العاشق، التي مع الأسف وَأَدتها الظروف والامتثال لأنساق القبيلة، حيث كان العشق أحد دوافع كتابته للشعر في بداياته، ففي قصيدة غير منشورة بعنوان »‬العيون الخضر» يُقدِّم أمل تجربة رومانسية سار علي خطاها في ديوانه الأول يقول فيها: »‬العينان الخضراوان /  مروّحتان / في أروقة الصيف الحرّان / أغنيتان مسافرتان /  أبحرتا من نايات الرعيان / بعبير حنان». القصيدة تصف حالة حب مبكرة كان يعيشها أمل دنقل في فترة سابقة لانتقاله إلي القاهرة. فحسب ما يشير شقيقه أنس دنقل  بأن »‬الحب في حياة أمل دنقل كان قويا جارفا، لكن أهم قصة في حياته هي قصة حب ذات العيون الخضر، بدأت في نهاية الخمسينات من القرن الماضي (...)  وذات العيون التي أحبها أمل كانت جارتنا، ووالدها كان مدرس موسيقي، أيامها كانت صبية ملائكية ملامحها طفولية شبهها أمل بالسيدة مريم، ووصفها في قصيدته (العينان الخضراوان) بالعذراء المسبلة الأجفان. فقد كانت شديدة الرقة والجمال، وكانت شقتهم مجاورة لشقتنا، وبحكم أن والدها مدرس موسيقي ولديهم كل أدوات العزف من عود وكمنجات وخلافه كانت تعزف الموسيقي، وكنا جميعا نغني معًا أغاني عبد الحليم حافظ الوطنية، وكان أمل يسمعنا بصوته أغنية عبدالحليم »‬فوق الشوك مشاني زماني».
الجدير بالذكر أن الكاتب الصحفي محمد شعير تناول علاقة أمل بعبلة عبر الرسائل التي اطلعته عليها عبلة، ولم تنشر، وفي الرسائل علي حد قول شعير: »‬ تُقدِّمُ رسائل أمل إلي عبلة وجهًا من الوجوه التي تكاد تكون مجهولة لكثيرين: وجه العاشق. وهو وجه ظل حريصًا علي إخفائه دائما ... خاصة أنه صنع أسطورته الشعرية بوصفه واحدًا من الذين اختاروا الوقوف علي هامش المؤسسة الاجتماعية والثقافية والسياسية بانتمائه إلي فضاء الشارع».
رَحَلَ أمل بعد صراع مع المرض في 21 من مايو عام 1983، وَدُفن في قريته تاركًا وصية من سطرين فقط لا غير قال فيهما: »‬لا حزن ولا بكاء فقد حزنت وبكيت في حياتي ما يكفي .. أوصيكم بأن تكتبوا علي قبري هذا قبر فلان ابن فلانة بن فلان وكل من عليها فان». كانت الوصية استشعار لوطأة ما حاق به من هزائم علي مستوي واقعه السياسي، وعلي المستوي الشخصي بالمرض، وكان نتيجة هذا أن »‬سقط المُهرُ من الإعياء / وانحلَت سيورُ العَرَبة» بعد أن »‬ضاقت الدائرةُ السوداءُ حول الرقبة» حتي غدا في نبرة يأس مقيت »‬صدرنا يلمسهُ السيفُ / وفي الظَّهرِ: الجدار!» ومن ثم كان الاستسلام »‬أيُّها السَّادة لم يبقَ انتظار».