رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

ناقل الاختصاص من القاعات إلي الحياة


د. نهاد بيبرس
5/5/2018 2:59:49 PM

كنا بانتظاره هنا في  إسبانيا، ولكن الموت سبقنا إليه قبل أن يحقق رغبته التي  باح بها في  الأيام الأخيرة، متحدثاً عن شوقه.. بل وحاجته إلي زيارة إسبانيا، التي  عاش فيها طويلاً ولم ينقطع عن عبور المتوسط نحوها بين الحين والآخر مُشكلاً بذلك جسراً بين الثقافتين علي الصعيد الشخصي  والمعرفي، ولا غرابة أن يحظي بالاعتراف والتكريم علي أعلي المستويات من كلا الثقافتين، ومن ذلك نيله وسام الاستحقاق المدني  من ملك إسبانيا، واختياره كعضو في  الجمعية الإسبانية الملكية للتاريخ، ودرع اتحاد كتاب مصر، إضافةً إلي أعلي الجوائز في  الترجمة عربياً كجائزتي  الشيخ زايد للترجمة والشيخ حمد بن خليفة للترجمة والتفاهم الدولي.
إن أبرز ما عرفناه عن أستاذنا وزميلنا الدكتور علي  المنوفي  هو حضوره الفاعل والمتفاعل في  كل ما يتعلق بالأنشطة والحراك الأكاديمي  والثقافي  الذي  له صلة بميدان الدراسات والترجمة واللغة والثقافات الإسبانية، فعلي الرغم من أن هذا الاختصاص يعد ضيق النطاق ومحصور الأهمية بالنسبة لمجتمعاتنا بشكل عام، وعلي الرغم من أن المعروف عن الأكاديميين تركيزهم علي اختصاصاتهم في  مكانها التعليمي  وحسب، إلا أن الدكتور المنوفياستطاع أن يكون نموذجاً وقدوة متميزة في  كسر هذه الحواجز، فقد سعي منذ البدايات إلي استثمار وتوظيف معرفته التخصصية لما فيه فائدة المحيط العام، فلم يكتف بالتموضع في  خندق الاختصاص الأكاديمي  الذي  أنجز أطروحته للدكتوراه فيه وهو الشعر الإسباني  المعاصر، بل ولم يكتف بالاشتغال داخل الميدان الأدبي  بشكل عام، وإنما راح يوسع من ذلك عبر ترجماته ومحاضراته ومشاركاته في  ما يتعلق بنقل معارف أخري كالفنون المعمارية والآثار (مثل: سلسة الكتب المتعلقة بالعمارة والفن الإسلامي  بالأندلس والمساجد الأندلسية) والتاريخ والسياسة والفلسفة والدراسات الإجتماعية: (إسبانيا في  تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود) و(إسبانيا بشكل جلي: المنطق التاريخي  للبلاد الإسبانية).. وغيرها،وصولاً إلي الاهتمام بآخر وسائل التقنيات الحديثة وإمكانية توظيفها وتفعيل دورها في  خدمة الفنون، ومن ذلك دراسة (هل يمكن للحاسوب أن يكتب قصيدة غزلية؟ التقنية الرومانسية والشعر الإلكتروني).  
لقد كان أستاذنا المنوفي متابعاً وحاضراً معنا في  كل ما قمنا به ضمن إطار الدراسات الهيسبانية ومشجعاً وداعماً لكل ما يتعلق بها، بغض النظر عن فرق الأجيال والأماكن، وأذكر من ذلك حضوره معنا في  المؤتمر الأول لجمعية المشتغلين بالدراسات الإسبانية العرب الذي  عقد في  القاهرة سنة 2014 والذي  قدمتُ فيه بحثاً عن (الكاتب العربي  كفاعل مبدع باللغة الإسبانية)،والمؤتمر الإيبروإفريقي  الثاني  للمشتغلين بالدراسات الإسبانية، الذي  عقد في  القاهرة أيضاً سنة 2012 والذي  تناولت فيه شخصية جوهرية في  الثقافة المكسيكية (لامالينشه بين الواقع والخيال)، وفي  كلتا المناسبتين لم يتردد أستاذنا المنوفي  من النهوض والحديث معي  مشِيداً ومشجعاً علي الاستمرار في  التعريف وتناول مواضيع ذات طابع ثقافي  عام أكثر مما هو أدبي  متخصص. وهذا السلوك الأبوي  الحميم،عرف عن المُعلم  المنوفي  في  كل مراحل حياته وميادين تحركه، بحيث أنه لم يكن ليدخر جهداً واهتماماً.. بل وبدعم معنوي  وعاطفي  لأي  طالب مبتدئ يلمس فيه ولو رغبة بسيطة في  فعل شئ أو تطوير قابلياته المعرفية في  تخصص الدراسات الإسبانية، ومثال ذلك عدم تردده بالذهاب شخصياً إلي تجمعات ومراكز صغيرة يقيمها الطلاب بجهود ذاتية بعيداً عن التكاليف الباهظة للمراكز والمؤسسات الرسمية من أجل تطوير قابلياتهم، فكان يحرص علي مواكبتهم وتوجيههم منذ البدايات بهدف التأسيس الصحيح لآليات الترجمة والتوجيه نحو الميادين المعرفية الغنية التي  لا تزال بحاجة إلي نقلها إلي ثقافتنا وليس الاكتفاء بالترجمات السريعة للأعمال الأدبية الرائجة في  السوق التجاري  الثقافي. هكذا كان المُعلم حريصاً جداً علي توعية وصحة تأسيس الأجيال الجديدة.
وكان حتي في  ترجماته المتعلقة بالأدب متصدياً للأعمال الصعبة مثل رواية »الحجلة»‬ لكورتاثار وترجمته لكتاب كارلوس فوينتيس التحليلي  الأدبي  القيم »‬المرآة الدفينة» وغيرها، كما لم يتردد في  مد يد العون لفعاليات ثقافية أخري كمهرجان طنطا الدولي  للشعر مترجماً قصائد بعض الشعراء المشاركين إضافةً إلي ترجمته لقصائد شعراء مصريين إلي الإسبانية.
برحيل الدكتور علي المنوفي نكون قد خسرنا أستاذاً كبيراً وزميلاً وقدوة لنا، وأتمني لو يتم تكريمه بوضع اسمه علي قاعة أو قسم في  مكتبة، في  إحدي جامعاتنا أو مؤسساتنا الثقافية، ليبقي قدوة أيضاً للأجيال القادمة المتخصصة في  الترجمة والدراسات الإسبانية.