رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

ترنيمة مصرية ورقصة إسبانية


د. المنوفي ود. خالد سالم

د. المنوفي ود. خالد سالم

د.خالد سالم
5/5/2018 3:06:12 PM

في غمرة الحزن علي ما هو خاص وعام انفرط مجددًا عقد الترجمة والدراسات الإسبانية في أرض الكنانة لتسقط معه لؤلؤة نادرة تجسدت في رحيل الزميل والصديق الرائع علي المنوفي الذي بُذر في طمي النيل وشرب عرق الفلاحين ووجعهم الأبدي ليعود إليهم في كفر الشيخ سليم بطنطا، بعد عقود دراسة وكفاح في القاهرة ومدريد وسلمنقة. المداد الإلكتروني لا يسعفني في أن أخُط كلمات بسيطة في نعيه لخلاصه من ظلم الإنسان وأزف روحه إلي السماء حيث العدل والعدالة.
سيظل جرح رحيله غائرًا في نفسي ونفوس كثيرين من زملائه وتلامذته قبل أن نتخطي الحزن عليه، ففقده حدث جلل لم يكن أبدًا في الحسبان، إذ كان مقبلاً علي الحياة ويريد أن يمتد عمره عقدين آخرين. غيبه الموت وهو في هذه الحالة، لهذا فإن صدمةً أصابت الكثيرين حوله. كان يحلم معي بمشاريع ثقافية وأكاديمية للسنة الدراسية القادمة في آخر لقاء جمعنا قبل وفاته بثلاثة أيام.
كان أفضل من استوعب محاور ثقافية ثلاثة ممن حولي في اختصاصنا، الدراسات الإسبانية والأمريكية اللاتينية، إذ عرّج علي الحضارة المصرية القديمة ومعها التاريخ الإسلامي من خلال محطة العمل في السياحة، وفي إسبانيا تجرع الثقافة الغربية وتمثلها جيدًا. وهناك استوعب التنوير والحاجة إلي الحريات والديمقراطية، وهو ما كان له في حواراته وحياته اليومية في وسطه العائلي والجامعي.
بيد أن الفناء كان يؤرقه رغم تشبثه بالحياة، وبينما كان في جامعة الأزهر الخميس الماضي، صباح 26 من أبريل، باغته الموت وهو في حالة صحية جيدة بعد ستة أشهر من عملية جراحية ناجحة، فانفصل ما هو سماوي عن ما هو دنيوي ليبدأ رحلته الأبدية التي لن يعود منها مجددًا إلي عالم مترع بالظلم والصراعات والحقد.
رحل هذا الصديق والزميل العزيز فترك لي وجعًا لا تسعه روحي ولا صدري. غادر عالمنا بعد رحلة كفاح طويلة بدأت مع نعومة أظفاره ما أدي إلي انحناء قامته الصلبة والقوية أمام خطوب الكد والمعاناة في غابتنا اليومية التي ضاقت بنا وأخذ المتر المربع الخاص بكل واحد منا في رقعة مصر الجغرافية الواسعة الضيقة يتآكل ويمور تحت أقدامنا.
كانت قريته العزيزة عليه،  كفر الشيخ سليم حاضرةً في حياته وتصرفاته اليومية التي طغي عليها الصلابة والكرم والبساطة، وكلها خصال رضعها في أسرة ريفية فيها شمم وكرم ربت أبناءها وعلمتهم بعرق كفاح طويل، وكان الفرع خير مثال للأصل، وهو ما بثه في ولديه سمر، الكاتبة وطبية الأسنان، وكريم المدرس في الجامعة.
بيد أن هذه المعاناة والكبَد صقلا شخصية إنسانية ومهنية من طراز خاص، يعلوها التأمل في ما حوله وتحدي الواقع ليصنع منه فردوسه الذاتي في عالم من النجاحات المهنية في دنيا الترجمة والوشائج الجامعية الإنسانية والعلمية مع مريديه الذين تكاثروا حوله في السنوات الأخيرة.  
إذا كان هناك أحد، في حقل عملنا ونشاطنا الأكاديمي، يستحق تاج الغار فهو الدكتور علي إبراهيم منوفي –الشهير بعلي المنوفي- فقد حقق نجاحات كبيرة يصعب علي شخص واحد في اختصاصنا أن يستعرض ذاته وسطها علي مسرح كبير شملت ترجمة أكثر من خمسين عنوانًا ووسام الاستحقاق المدني من ملك إسبانيا وجائزة الشيخ حمد آل ثاني للترجمة، ومنذ شهرين نال شرف اختياره عضوًا مراسلاً في المجمع الملكي للتاريخ في إسبانيا.
كانت روحه قلقة، في حالة بحث عن الجديد، بعيدًا عن الترهات الشائعة. وكان دائم التفكير. لا يقبل بالكثير من المسلمات، إذ كان يغربلها ويخرج منها بما هو صالح ويصارح برفض الغث منها. خاض في غالبية حقول المعرفة لترجمتها، فلم يكتف بالأدب، بل حلق في سماء العمارة الإسلامية والفلسفة والفكر ونظرية الترجمة والبحث العلمي. وكان يحلم بترجمة كتاب عمدة »التاريخ النقدي للفكر الإسباني»‬ يتكون من سبعة أجزاء، وبعد أن حصل مجانًا علي حقوق الملكية الفكرية من المؤلف، خوسيه لويس أبييان، لم يجد ناشرًا يضطلع بهذا المشروع الكبير. كان في جعبته أيضًا مشاريع ترجمة أخري، من بينها بعض أعمال الفيلسوف خوسيه أورتيجا إي جاسيت.  
كان مشغولاً دائمًا بعناوين ينقلها إلي العربية، رغم عشرات الكتب التي نقلها بالفعل، ولهذا فهو، في رأيي، نموذج مشابه لأستاذ الأدب الإنجليزي الدكتور محمد عناني، في كثرة ترجماته وتنوعها وعمق الكتب المختارة، مع الفارق في أن اختصاصات اللغات الأجنبية التي تبدأ الدراسة فيها في الجامعة، كالإسبانية والإيطالية والصينية والألمانية، لا تصل إلي مستوي اللغات التي تُدرس في مراحل التعليم السابقة علي الجامعة، كالفرنسية والانجليزية، إذ يظل المخزون اللغوي والثقافي الخاص بالمجموعة الأولي أقل منه لدي دارسي المجموعة الثانية. لهذا فالمقارنة تفتقر إلي بعض العدل.
كان خيّرا وكريمًا مع الجميع، خاصة الشباب، إذ مد لهم يد العون والمساعدة وأخذ بيد الكثيرين في البحث والترجمة التحريرية والفورية، وفتح لبعضهم أبواب الاختصاص الأخير، وهو أمر يُحمد له، خاصة أن دخله مرتفع ومن يسيطر علي شريحة منه لا يتقاسمها مع أحد وإن كان متدربًا. لعل بادرة المؤتمر الذي عقد في سبتمبر الماضي في شرم الشيخ لا تزال ماثلة في أذهان الشباب الذين أشركهم في الترجمة رغم عدم دراية بعضهم بها، لكنه برحابة صدره اعتبر المؤتمر تدريبًا علي العمل في هذا الحقل. ومهنة الترجمة التحريرية والتتبعية شرب أصولها وحده في مدريد في أثناء عمله في مكتب تمثيل جامعة الدول العربية في إسبانيا، ثم صقلها في المركز الثقافي الإسباني في القاهرة، معهد ثيربانتس، سنوات طويلة.  
استوعب الثقافة الغربية جيدًا خلال السنوات العشر التي أمضاها فيها بين الدراسة والعمل. وهناك درس الدكتوراه في جامعة سلمنقة وأشرف عليه أحد أبرز أساتذة فقه اللغة والأدب في إسبانيا والأستاذ في جامعة سلمنقة ورئيس المجمع الملكي للغة الإسبانية ومدير معهد ثيربانتس. وهي أمور كانت تجعل الدكتور علي المنوفي يزهو بها.
  كان محاربًا من الطراز الأول لمثالب الدنيا والزملاء ما عرضه لسوء الفهم وجلب له مشكلات جمة لا تقل عن حب وعشق كثيرين له، وفي الخلف كانت نجاحاته الكثيرة والكبيرة وانتصاراته العديدة التي ازعجت الكثيرين، نجاحاته في حقل اختصاص الدراسات الإسبانية وزهرة العمل فيها، الترجمة بأنواعها البارزة والفاعلة. نجاحاته كانت نعمة ونقمة عليه، نغصت عليه محطات عدة من حياته، فانسحبت علي من حسدوه مقولة الجاحظ »‬حقد الصنف»، من منطلق أن »‬عداوة ابن الكار لا تشفع بالجار». كل هذا جاء في جو تخيم عليه روح الطوائف الأندلسية بين زملاء وأقسام هذا المجال.
كان قلمه في سرعة البرق في الترجمة، ورغم السرعة كان يخرج لغة عربية سلسلة، وهي شهادة لا ينكرها أحد. واستطاع أن يثري أرفف المكتبة العربية بعشرات الكتب. حصد ثمرة كده وعنائه في هذا المجال الحديث نسبيًا، إذ ينتمي إلي جيل مؤسسيه، فمن سبقونا فيه دخلوه من خلال الدراسات الأندلسية واللغة العربية من بينهم أساتذتنا الدكتور الطاهر أحمد مكي والدكتور محمود علي مكي والدكتور صلاح فضل، وهم الذين غرسوا بذرة الدراسات الإسبانية في تربة خصبة، راغبة في احتضان نبتاتٍ واعدة وراغبة في البزوغ سريعًا، جمع بينها طمي النيل في الدلتا والصعيد، في معظمها، فصارت أشجارًا وارفة ونبراسًا لأجيال جديدة من المشتغلين بالدراسات الإسبانية والأميركية اللاتينية.
عندما عدت من إسبانيا بحث الدكتور علي المنوفي عني ووجدني فتأصلت بيننا صداقة وعلاقة جميلة مترعة بجولات جميلة من النقاش والجدل الفكري والثقافي، وانضم إليها عمود خيمتنا الثالث الصديق الجميل علي البمبي. وكانت تربطهما علاقة منذ مرحلة الدراسة في المعهد الديني في طنطا الذي كان مثار نكات شبابية وذكريات جميلة وأنا أتأملهما وأستمع إليهما مبتسمًا أمام مشاكسات المنوفي للبمبي. بدءًا بالملبس الأزهري وقاعات الدرس والمدرسين إلي أن تخرجا فيه وحصدا المركز الأول والأول مكرر في الثانوية الأزهرية علي مستوي الجمهورية. وكان حصول المنوفي علي المركز الأول مكرر نقطة تحول مفصلية له وللأسرة في القرية.
 كانت لنا مشروعات كثيرة،  خاصة فيما يتعلق بالدراسات الفكرية في إسبانيا وأميركا اللاتينية، فقد تشبعت السوق بترجمات للأدب المكتوب بالإسبانية وانحصرت في الرواية وبعض الشعر، وكأن إسبانيا ومعها الدول الناطقة بالإسبانية لا تاريخ ولا فكر ولا ثقافة لها. وكانت الواقعية السحرية مشجب هذا القصور إذ حظيت باهتمام كبير برغبة من المثقفين الذين أرادوا أن يقرأوا نتاجها الأدبي. كان من بين مشروعاتنا المستقبلية ترجمة بعض الكتب عن لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية  لعله يفيد في تحريك المياه الآسنة في وطننا العربي علي اتساعه.
استطاع الدكتور علي المنوفي أن يغير دفة ومجري الدراسات والترجمات المتخصصة من الإسبانية إلي العربية في السنوات الأخيرة في محيطه، وعقد دورات دراسية في الترجمة المتخصصة، الأدبية والسياسية والصحفية والقانونية، في المركز القومي للترجمة وفي مراكز خاصة يشرف عليها تلامذته ومريدوه في دنيا الترجمة وتعليم اللغات. كان لا يكل من الحركة والتنقل من مكان إلي آخر وراء الثقافة والتعليم، وبدا للكثيرين نحلة شغالة لا تنفد قواها أبدًا رغم التقدم في العمر نسبيًا. وكان حراكه يزوده بملعومات كثيرة عن أبناء حقلنا، لولاه لما عرفناها. لكن قول الحق لا يروق للكثيرين، فكان يُزج به في أتون معارك لا حاجة لها، وكان يقابلها بضحكات ساخرة ويؤولها حسب السياق واللحظة. 
عمل في الإرشاد السياحي سنوات طويلة ما جعله يقرأ في تاريخ مصر القديمة والعصرين المسيحي والإسلامي ما زوده بزخم كبير ومعرفة واسعة ندرت بين المشتغلين في هذا المجال، فوسعت أفاق المعرفة لديه واحسن هضم تاريخ مصر وثقافتها الشعبية فأفرز عنده أفكارًا رائعة صقلها ذكاؤه الحاد الذي كانت تنم عنه نظراته وأفكاره. لهذا كانت ثقافته عبارة عن ترنيمة مصرية قديمة ورقصة فلامنكو إسبانية لا تقل أصالة عن الترنيمة، رقصة الفلامنكو، الفن الذي شاهدناه معًا في دار الأوبرا المصرية قبل رحيله بخمسة أيام وحينها هام في دنيا هذا الفن وأبدي اعجابًا لم أره في شخص آخر ونحن في القاعة إذ رفع يديه وشدهما علي مقربة من وجهه وأغمض عينيه تأكيدًا للاستمتاع بالعرض وصفق طويلاً عدة مرات. تصورته للحظات أن المسافة تقصر ليعتلي خشبة المسرح ويراقص الفنانة الإسبانية، خاصة أن قامته المميزة كانت تؤهله لهذه الشطحات الخيالية. هذا دون أن ينسي، بين لحظة تناغم وأخري، التغذية الراجعة لعشاقه علي صفحات التواصل الاجتماعي، وكانوا آلافًا، بفقرات فيديو من العرض، فأسعده عدد مرات مشاهدة فيديوهات الفلامنكو التي نشرها علي صفحته. تصرف يومها كالطفل السعيد بلعبة أهدتها إليه أمه توًا.
أحسن استيعاب كل ما وقعت عليه عيناه فأخرجه عسلاً شهيًا لطلابه بغية تسليحهم ضد التطرف وسوء فهم الدين من أجل الحفاظ علي الشخصية الوسطية الأصيلة للمصريين. كان يعشق الثقافة الإسبانية وروح الشعب الإسباني في اقباله علي الحياة واستمتاعه بها. كنت أكرر عليه عنوان ديوان الشاعر الشيلي بابلو نيرودا »‬أعترف أنني عشت» وهو ما اعترفت به مرارًا بعيدًا عن المحرمات والممنوعات، إذ تخطاها معي في أحاديثنا وفي حياته الأسرية فربي ولديه عليها وحصد ثمرة تربيته في شابين رائعين وناجحين، يفهمان الحياة ويعيشانها سائرين علي درب أب تحلي بالعقلانية ومنح الأبناء متسع من الحرية. وهنا يحضرني وحدته في الدنيا بعد رحيل زوجته إذ كثيرًا ما أسر إليّ بأن وفاتها كانت ضربة قاصمة له، فقد تركته في سن حرجة، فلا هو بالشاب ولا بالمسن.
استخدم الفيسبوك ساحة نزال قارع فيها الأفكار الرثة والجامدة والارتزاق والفساد الإداري والجامعي أينما حل. ويوم أن خرجنا من دار الأوبرا، بعد حفل الفلامنكو، كنت شاهدًا علي مكالمة هاتفية أجراها مع زميل له من جامعة الأزهر حول رأي زميل آخر حول قضية أكاديمية أثارها يومها علي صفحته. احتد كثيرًا، انتابني خوف عليه، وبعدها بيوم اتفقنا علي أن نلتقي مرة أخري، علي غير عادتنا، خففت عنه واتفقنا أن نسترد العمل معًا في جامعة خاصة أعمل فيها منذ بداية العام الدراسي الحالي، بغية أن نواصل تأسيس القسم الذي أنجزت فيه، مع زملاء آخرين، خطوات ناجحة. سعادته كانت كبيرة، طوال اللقاء، إذ كان يشعر بالغبن من علاقته بالبعض في مجالنا وهو ما شكا منه بمرارة. والمرارة تنسحب أيضًا علي عدم حصوله علي أي تكريم رسمي من مصر، فقد قدره أشقاء الخليج والإسبان، ولم تعره أرض الكنانة اهتمامًا بمنحه جائزة أو حتي ندوة تكريم لمسيرته الطويلة. كثيرون يسكننا الألم من هذا التهميش لعدم الانتماء إلي عالم الشللية. أتمني أن تتذكره جامعة الأزهر بندوة علمية لتأبينه ترصد فكره المستنير الذي تجلي في محاضراته ومقدمات ترجماته ومراجعاته لزملاء آخرين.
وسط مشاعر الحزن والألم علي رحيله سعدت باهتمام صفحات التواصل الاجتماعي برحيله وانجازاته في حقل الترجمة إلي جانب وسائل الإعلام الإسبانية والعربية. إلا أن مريديه اعطوه حقه في زفهم له إلي السماء. كان مشهدًا عجائبيًا، بدا وكأنه قد أخرج من إحدي روايات الواقعية السحرية التي كان يعشقها. تمنيت لو شاهد هذا التكريم والحزن علي رحيله، لكان قد شعر بسعادة غامرة لا يسعها صدره. ولكنها أضغاث أحلام تنتابني، فقد ولج في سفرة الرحيل الأبدية التي لا عودة منها.  
تميزت صفحته بسعة الأفق ورحابة الصدر، لا تصادر رأيًا وإن اختلف مع صاحبها، وشهدت مناوشات وحروبًا كثيرةً مع البعض تماشيًا مع رأي الجاحظ. إلا أن ثقافته الواسعة والمتشعبة منحته هامشًا عريضًا للتغاضي عن التفاهات وصغائر الأمور، دون أدني استعلاء علي الآخر مهما كانت حجمه وبؤس مشاركته في القضايا التي يطرحها التي كانت تشمل أفرعًا كثيرًا من المعرفة الحياة اليومية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية.   
كانوا كلما ارادوا النيل منه يتهمونه بالعلمانية! وهي في الأذهان الرثة والنفوس الخبيثة صنو للإلحاد، وهذا أمر صعب لمن رضع الحياة في ريف أرض الكنانة الذي بحث عن الخالق وفك شفرات الكون عقائديًا منذ فجر التاريخ. لقد ملأ الدنيا صخبًا وكثيرًا ما كانت ملاحظاته المثيرة للجدل تربح الرهان لأنه كان مثقفًا نوعيًا وأزهريًا مستنيرًا كان يُعمل العقل متأثرًا بما تجرعه من الثقافة الغربية في أثناء الدراسة في إسبانيا.
ظل طوال عقدين أقرب زملاء اختصاصنا والأصدقاء إليّ فكرًا وثقافة. كنا نتناقش في كل شئ دون خوف من محاكم التفتيش التي ينصبها الآخرون لمن اختلف عنهم. وكثيرًا ما شهدت مقاهي مدينة نصر حواراتنا البناءة التي كان ينضم إليها عمود خيمتنا الثالث كثيرًا إلا أنه احتجب مرات عدة عن لقاءات السمر والنقاش  مؤخرًا بعد أن غير مسكنه إلي حي شريحة الأغنياء، أحد التجمعات.  
في آخر لقاء كان هاجس الموت يتملكني وطلبت منه، إذا تجسدت هواجسي في واقع، ألا ينقطع عن الاطمئنان هاتفيًا علي نجلي ناصر، فأطلق ضحكة مجلجلة، إذ كان يري أنه سيترجل من قطار الحياة قبلي، نظرًا لفارق السن. إلا أن القدر شاء أن يسبقني في رحلته الأبدية نحو العدم. وعدته يومها بأن أكتب عنه إذا تجسد توقعه.  وكان الموت ذات مرة علي مقربة من ثلاثتنا إذ تعرضنا لحادث سير تهشمت سيارته بينما كنا في طريق العودة من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا إلي القاهرة منذ أكثر من عامين. يومها كتبت لنا حياة جديدة، لكنه لم يتأخر كثيرًا في مغادرتها نهائيًا، ليمثل رحيله خسارة فادحة لمحبيه وللثقافة العربية.  
سيظل الدكتور علي المنوفي خالدًا في نفسي ما حييت بفكره المتقد وعقليته المنفتحة وشخصيته البسيطة وكرمه وبشاشته. خصاله الطيبة يصعب حصرها في هذه العجالة، خاصة أن ألمي عليه لم يتقلص بعد، إذ يبدو لي رحيله كابوسًا لا ينتهي.  كرمه مع كل من حوله، وظل يحنو علي الأقارب في المناسبات الدينية والاجتماعية  طوال حياته في القاهرة ومدريد. ترجماته ومغامرات الفكرية والثقافية تعج بها مناقل المكتبات وهو ما سيجعله يعيش بيننا سنوات طويلة. سيظل مصباحًا مشعًا يستضيء به، عبر تراثه الثري، كثيرون في هذا المجال، فلن يغيب رغم رحيله الجسدي.
وداعًا شقيق روحي!