رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كيف نقاوم الإرهاب بالمسرح؟


أحمد عبد الرازق أبو العلا
5/12/2018 12:20:57 PM

السؤال النقدي الذي يطرح نفسه علينا حين نتعامل مع نص يحاول فيه الكاتب تناول قضية الإرهاب باسم الدين هو هذا:                                             
- كيف يُعالج الكاتب - أي كاتب - موضوع التطرف والإرهاب باسم الدين، هل يتناول الفكر ؟أم يتناول الفعل؟                                              
- أري أن معالجة الفكر المتطرف، أجدي كثيرا من معالجة الفعل، لأن الفعل هو نتيجة طبيعية للفكر الذي أدي إليه، ولكي نستطيع منع الفعل، فلا بد أن نتعرف أولا علي الفكر، لكي نواجهه مواجهة حقيقية، ليس بالدخول في حوار مع عناصر الجماعات المتطرفة، كما حدث علي أرض الواقع بالفعل، ولكن بمواجهة الأسباب، وتعديل المناخ الذي يسمح لهؤلاء بالتواجد بين الناس، والتأثير علي بعضهم من أجل تحقيق الأهداف.

- هؤلاء الذين يوظفون الدين في السياسة، يعلمون أن الدين هو الورقة الرابحة للتأثير، بسبب تدين شعبنا - بطبعه- لكن سياسة خلط الأوراق والخداع ربما تغيب عن أذهان الناس، ولذلك ينبغي العمل علي فصل الدين عن الدولة.
وتلك الجماعات المتطرفة عندما تراك تنادي بالدولة المدنية، أو العلمانية، أو الليبرالية، تتهمك - فورا - بالكفر والخروج علي الدين، وتحل دمك!! وتمارس أساليب العنف بكل الأدوات، ليس فقط عنفا فكريا، أو لفظيا، لكنه العنف الجسدي المتمثل في التصفية، وإراقة الدماء، حتي وان كانت دماء الأبرياء.
علي الجانب الآخر أود الإشارة إلي أن الأعمال المسرحية التي تُقدم الفعل الإجرامي وتُجسد العنف فوق خشبة المسرح، ليست هي الأعمال التي يمكن أن نُدخلها في إطار مواجهة الإرهاب - فنيا - للسبب الذي ذكرته من قبل.
وفي تلك القراءة سأحاول الإجابة علي السؤال السابق، لنتبين كيف عالج الكاتب ( محمد أبو العلا السلاموني ) تلك القضية، التي تمثل مشروعا مسرحيا حقيقيا في مسيرته  الفنية.
الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر
 في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وفي الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين صباحا، ارتطمت طائرة نقل بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، وباشرت محطات التليفزيون بثها المباشر من نيويورك، وعند الساعة التاسعة والدقيقة الثالثة صباحا، اصطدمت طائرة نقل أخري بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، وحصل الاصطدام للبرج الجنوبي في وقت كانت فيه معظم المحطات تبث مشاهد للبرج الشمالي وهو يشتعل، لذلك شاهده الملايين علي الهواء مباشرة، ثم أعُلن عن هجوم آخر علي وزارة الدفاع الأمريكية، وفي الساعة العاشرة صباحا انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي مباشرة عبر شاشات التليفزيون، وبعدها بنصف ساعة  انهار البرج الشمالي، وتصاعد الدخان ولف الغبار المدينة، وأعلن عن موت عشرات الآلاف من الأشخاص،ودفعت هذه الهجمات السلطات الأمريكية إلي إخلاء جميع المباني الحكومية في واشنطن، بما في ذلك البيت الأبيض، والمباني العالية في أنحاء البلاد، كما أدي الحادث إلي قطع جميع الاتصالات والهواتف المحمولة في الساحل الشرقي، ووقف جميع الرحلات الجوية التجارية، ووقف حركة سير القطارات في شمال شرق البلاد بين واشنطن وبوسطن، كما أغلقت الحدود مع المكسيك، وأوقفت الحركة المرورية بأسرها عند الحدود ( هذا ما نُشر وقتها ).                                                       
عن تلك الوقائع تدور أحداث  مسرحية ( الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر ) والتي كتبها (أبو العلا السلاموني ) في عام 2002  أي بعد الحادث بعام واحد أو أقل من العام، بما يعني أنه تعامل معها حسب ما نُشر وقتها، وبالمعالجة التي قام بها - ولم يعتمد فيها تماما علي تفاصيل الحادثة - استطاع نصه أن يكون صادقا،  ومؤثرا تماما، برغم ظهور  تفسيرات جديدة للحادث،  بعد حدوثه  بسنوات،  تفسيرات وأسرار ووثائق، تشير إلي أن ثمة مؤامرة تمت اسُتخدم فيها الإرهابيون الذين  وظفتهم أمريكا من قبل، وساعدتهم للقيام بأعمال لصالحها ـ وأن كل ذلك تم بهدف إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين، حين أرادت أمريكا التخلص من عملائها، هذه التفسيرات لم تقلل من قيمة النص - كما أشرت - لماذا؟ لأن الكاتب أولي اهتمامه  بطبيعة العلاقة التي ربطت بين جماعات الإرهاب-  باسم الدين-  وأمريكا، بالإضافة لإشارته  إلي التداعيات التي خلفتها تلك الحادثة، ودفع ثمنها المسلمون داخل أمريكا وخارجها         
 في معالجته اعتمد الكاتب علي المادة التسجيلية المُتعلقة بالحدث، وأعلن عن موقفه الفكري تجاهه، وتجاه السياق المتعلق به، بما جاء علي لسان الدكتور (أبو الفرج الشرقاوي) - بطل المسرحية - الأستاذ بجامعة نيويورك، والمتزوج بالأمريكية ( ليزا) التي أنجبت له ولدا وبنتا، صارا في مرحلة الشباب، ذلك الرجل  وجد نفسه فجأة مطرودا من عمله، ويتم التحقيق معه بمعرفة المباحث الفيدرالية، فضلا عن إحراق فيلته، والاعتداء علي أولاده في الجامعة، ومطالبة حماه الأمريكي ( جونسون ) وإصراره علي تطليق  زوجته . بزعم حماية ابنته  منه، وحين يرفض طلب التطليق، مع تمسك الزوجة به، يهدده بالتحقيق معه، وعليه أن يتحمل التبعات، وذلك لأن شقيقيه  ينضمان لجماعة إرهابية ، وقد يكونا لهما صلة بالحادث..  تحت هذا التهديد، وجد حياته تتحطم أمامه تماما، برغم أنه يجمع بين الجنسيتين الأمريكية والمصرية، ويعلم  الجميع - بما في ذلك المباحث نفسها - أن سيرته لا تشوبها شائبة، وسمعته طيبة، ومع ذلك لم يشفع له كل هذا، عند حماه الأمريكي المتطرف، الذي أراد استغلال الحادثة، في حملته الانتخابية ـ لعضوية الكونجرس، ليعلن أنه يقاوم الإرهاب، وأنه طلق ابنته من زوجها لأنه إرهابي، أراد استخدام ذلك ليُقنع المجتمع الأمريكي، بأنه فعل الصواب، في الوقت الذي يُغامر - فيه - بحياة تلك الأسرة، وبحياة ابنته ذاتها، من أجل تحقيق مآربه الخاصة، و(جونسون)  هذا يقدمه الكاتب مُمثلا للسياسة الأمريكية، التي تتبني فكر (الإسلاموفوبيا ) وصدام الحضارات، هذا الفكر الذي كرس لثقافة الكراهية، وحكم علي الإسلام بأنه يحتضن الإرهاب.                                                           
 ومصطلح ( الإسلاموفوبيا) الذي يعني كراهية المسلمين احتضنه الغرب منذ عام   1996  وأصبح في أمريكا هو الفكرة التي علي أساسها يتم التعامل مع العرب المسلمين بعد حادثة سبتمبر.                                          
 ونتيجة لذلك تعرضت الجالية العربية والإسلامية لسلسلة من الاعتداءات من قبل بعض الأمريكيين، كما تعرضت إلي الاعتقالات والتفتيش والمراقبة، والمحاكمات من قبل الحكومة الأمريكية بموجب القوانين الجديدة التي صدرت بعد 11 سبتمبر، فضلا عن فصل الكثير من العرب والمسلمين من متخلف المعامل والمصانع، ثم إبعادهم من حقلي الطيران وقيادة المحروقات، واستمرت هذه الموجة من الاعتداءات - ووفقا لإحصائية أعدها مكتب التحقيقات الفيدرالي - لتصل نسبة جرائم التمييز والكراهية ضد الجالية العربية والإسلامية لــ1600% في العام الذي تلا الهجمات، بالإضافة إلي الدور الكبير الذي مارسه الإعلام الأمريكي في عملية التشويه وتنظيم حملات الهجوم، وبث الكراهية.                                      
 ما فيما يتعلق بمصطلح (صدام الحضارات) فإن الكاتب يشير إلي كتاب ( صامويل هنتنجتون) علي لسان (جونسون) الذي أراد استثمار الحادثة لصالحه - كما أشرنا من قبل - والكتاب هو  (صدام الحضارات - إعادة صنع النظام العالمي ) والذي قال فيه (إن الخطر الذي يُهدد أمريكا هو خطر المسلمين)
(جونسون: اللي حصل دلوقت أفظع من الهزيمة، ومن أي كارثة حصـــلت في التاريخ.  مســـتقبل الحضارة والمدنية مهـدد يا دكتور من قبل عدو إرهابي شرير)                                     
أبو الفرج : ما هو ده الكلام اللي بيقوله الكتاب المشبوه بتاع صدام الحضارات ياحمايا العزيز.. أمريكا عاوزة مبرر، عاوزة عدو بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي عشان تستعمل معاه الترسانة العسكرية، ولا أنت عاوز أسلحتها تتحول لخردة وتقفل مصانع السلاح اللي بتكسب مليارات ؟
جونسون: ما تحاولش تهون من اللي حصل في سبتمبر يادكتور.  أنا متأكد أن اللي حصل وراه مخطط إرهابي بتموله دول زي دول الخليج!
أبوالفرج:آدي أنت جيبت الغايبة ياحمايا، موش غريبة أن دول الخليج اللي فيها الثروة البترولية الهائلة هي اللي تتهمها أمريكا بتمويل الإرهاب، ومكدسة جيوشها وأساطيلها في الخليج بحجة ضرب العراق محور الشر، أكيد أنت عارف ياحمايا العزيز إن أمريكا هيه اللي سلحت العراق لضرب إيران، وهي اللي شجعت العراق علي احتلال الكويت، عشان يبقي  فيه مبرر تحط رجلها في الخليج وتفضل تستنزف الثروة البترولية لحد ما تجف، بعده أمريكا تمشي وتقول ما عدش فيه إرهاب، قصدي ما عدش فيه بترول )
(جونسون) هنا يتحدث عن تهديد الحضارة والمدنية علي أيدي الإرهابيين، وكأنه يريد أن يقول إن المسلمين بلا حضارة، لأنه يعتبر الإرهابيين يمثلون العالم الإسلامي، ولا يريد الاعتراف بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، وتلك هي المُعضلة، والأكذوبة الكبري التي يحاول الأعداء تصديرها للعالم كله لكي يُصدقه، وهذا المعني يؤكده ( هنتنجتون) في كتابه المُشار إليه حين ذكر أن ( المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية، بل الإسلام فهو حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بتفوق ثقافته، وهاجسه ضآلة قوته، المشكلة المهمة بالنسبة للإسلام ليست المخابرات المركزية الأمريكية، ولا وزارة الدفاع، المشكلة هي الغرب : حضارة مختلفة شعبها مقتنع بعلمية ثقافته ويعتقد أن قوته المتفوقة إذا كانت متدهورة، فإنها تفرض عليه التزاما بنشر هذه الثقافة في العالم، هذه  هي المكونات الأساسية التي تغذي الصراع بين الإسلام والغرب )
(إن الخطر الذي يهدد أمريكا هو خطر المسلمين)
    تأمل معي عبارة(إن الخطر الذي يهدد أمريكا هو خطر المسلمين)  قال المسلمين، ولم يقل المتطرفين.. وذلك مقصود بالفعل، لممارسة عملية تهديد العالم الإسلامي، بينما العقل يقول إن الأقلية المتطرفة لا تمثل الأغلبية المتسامحة.                                              
   (أبو الفرج : يابنتي اعقلي، بتصدقي الكلام ده.. مسلمين مين اللي بيهددوا أمريكا؟!
مروان : وهو إحنا شوية يادادي ؟ ده إحنا يجي مليار ونص من سكان العالم.
أبو الفرج : ياابني الحكاية موش حكاية عدد، العدد في الليمون، اليهود يادوبك ما يزيدوش عن كام مليون، ومع ذلك مسيطرين علي أمريكا والعالم.
مروة: أمال بيعتبرونا خطر ليه يادادي؟
أبو الفرج : بينفخوا فينا يابنتي عشان يستفزونا ويضربونا، ويستنزفونا وياكلونا لحم ويرمونا عضم).
 من  خلال أزمة الدكتور المصري الأمريكي المُسلم، نتعرف علي أطرافها، الطرف الأول : المتمثل في أمريكا ذاتها، تلك الدولة التي ساعدت الإرهابيين، ليكونوا أداتها ومخلبها لتنفيذ عمليات لصالحها ولحماية مصالحها، حين استخدمتهم للقضاء علي الاتحاد السوفيتي وتمزيقه، بزعم أنه مجتمع شيوعي مُلحد، ليكون الاتهام حافزا للمجاهدين، الذي انطلقوا من أفغانستان وغيرها، ونجحت مهمتهم بالفعل.                                   
 الطرف الثاني: المتمثل في الإرهابيين أنفسهم، هؤلاء الذي حصلوا علي الدعم الكامل (ماديا ) وعسكريا، لتنفيذ عملياتهم، وحين تحقق لأمريكا حلمها بأن يدها أصبحت الطولي في العالم، انقلبت عليهم، وحاولت أن تتبرأ منهم، وهنا أدرك الإرهابيون اللعبة، فانقلبوا علي شيطانهم، انتقاما.
والطرف الثالث : هم الضحايا الأبرياء، الذي يمثلهم هنا، الدكتور الجامعي الذي، طُرد إلي مصر، وفي مصر، ذهب إلي طبيب نفسي، ليعالجه، حين ظن أنه أصبح ( أسامة بن لادن ) من وقع الاتهامات التي تطارده، وهناك داخل العيادة، يسترجع  الأحداث كلها. فنتبين - بالإضافة إلي ما حدث له في أمريكا -  أنه تعرض لأحداث أكثر إرهابا في بلده، من قبل زوجتي شقيقيه، حين تدخلتا في حياته وحياة أسرته، فتحول الابن إلي ملتحي وتزوج من فتاة كانت زوجة للأمير التي تنازل عنها ليتزوجها، وما حدث مع الابن حدث مع الابنة أيضا، وحين حاولت امرأة أخيه، السيطرة علي زوجته الأمريكية، لم يستسلم، ولم تستسلم - كذلك- زوجته، وكان فعل المُقاومة، هو الفعل الوحيد الذي قام به كل من الزوجين، أمام تطرف وإرهاب المرأتين، ورفقائهما من النساء.
 يُحاكم الكاتب - في مسرحيته- الفكر المتطرف، والسلوك الذي قوامه العنف، والمفتقد لثقافة التسامح، مبينا - في بعض أجزاء من المسرحية - أن الإرهاب صناعة أمريكية. وأن ما حدث هو نتيجة طبيعية لتلك الصناعة، وأن لعبة تبادل الأدوار، ومحاولة إبراز القوة بين طرفين، هي لعبة شيطانية، يلعبها شياطين، ويدفع ثمنها الإنسان.
(أبو الفرج يسأل شقيقه المتطرف عن أسباب الإقدام علي تلك الحادثة قائلا:                   
أمريكا نفسها عاوزة تفهم منكوا أنتوا ليه عملتوا فيها كده ؟                                     
أبو الفتوح: وصدقتها يادكتور؟                           
أبو الفرج: ما صدقهاش ليه، دول أفرجوا عني مخصوص ورجعولي أولادي عشان أسألكوا السؤال ده، وتجاوبوني عليه بصراحة، ليه بعد ما لجأتوا لأمريكا ووفرت لكم الحرية والأمان، انتقلبتوا عليها، وكرهتوها لحد ما ضربتوها ضربة سبتمبر الفظيعة.
أبو الحسن: معقول يادكتور يا أستاذ في أعظم جامعة أمريكية ما تعرفش إجابة سؤال زي ده؟
أبو الفرج : أنا عارف الإجابة، لكن عاوز اجابتكوا انتوا بالذات، اللي اعرفه إنكم اختلفتوا مع حكومة الثورة، وهربتوا علي أمريكا وعيشتوا فيها وأدت لكم فرصة تجمعوا نفسكم وتكونوا التنظيم الدولي للإخوان المسلمين علي مستوي العالم كله، وعملتوا جماعات تحت اسم الإسلام السياسي، وزودتكوا بالأسلحة والأموال، ومراكز التدريب ووسائل الإعلام، يعني كنتوا متجوزين أمريكا وعايشين معاها في التبات والنبات، وخلفتوا منها تنظيمات متطرفة.
ويواصل أبو الفتوح حواره مع شقيقه قائلا:                                           
أبو الفتوح : عليك نور.. أمريكا لما أديتنا فرصة نعمل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين واللي خلانا أنشأنا الجماعات الإسلامية والتنظيمات السرية اللي بتقولوا عليها جماعات أصولية متطرفة، عارف كان هدف أمريكا إيه، إننا نساعدها علي القضاء علي الشيوعية والنظم الوطنية اللي بترفع شعار الاشتراكية وبتعادي المصالح الأمريكية، والامبريالية، وكان  المقابل، إن أمريكا تساعدنا للاستيلاء علي السلطة، والحكم في الدول العربية والإسلامية، ونرجع نظام الخلافة تحت راية التنظيم بتاعنا ).
 لعبة الشيطان تلك التي يكشفها الكاتب علي لسان أحد شخوص المسرحية، هي اللعبة التي تتم علي أرض الواقع بالفعل، والكاتب التزم بالوثائق، والأوراق، والبيانات، المتعلقة بأمر الإرهابيين وعلاقتهم بأمريكا، ولم يأت بشيء من عنده يتعارض مع الواقع، والنص يُعد نصا تسجيليا، تمت فيه عملية توظيف المادة الجافة دراميا، فاكتسبت سمة الدراما التسجيلية، وتقنية الاسترجاع أو العودة إلي الماضي، التي هي من تقنيات الرواية السردية، أكثر من كونها من تقنيات المسرح، وظفها الكاتب هنا توظيفا جيدا، لأن زمن المسرحية الفني لم يتعد سوي الوقت الذي قضاه (د. أبو الفضل) في عيادة الطبيب النفسي، واسترجع معه الأحداث التي حدثت من قبل.. في الرواية تتم عملية الاسترجاع بلغة السرد، وبواسطة الراوي، وهنا - في المسرحية - تعتمد علي عناصر مغايرة تماما، حين يوظفها المخرج، مستعينا  - بعيدا عن الإرشادات المسرحية التي أشار إليها الكاتب -  بأدوات مثل : شاشة العرض السينمائي، مضافا إليها عنصري الإضاءة والموسيقي.
 سؤال النص هو :
- من يستطيع محاسبة أمريكا، تلك الدولة التي احتضنت الإرهاب، وساعدته، وقوته، لتحقق به أغراضها، في الهيمنة علي العالم ؟
تأكيدا لفكرة فرض الهيمنة علي العالم باسم محاربة الإرهاب، استحضر هنا، وقبل أن أعرض عليكم إجابة السؤال الذي طرحه النص، جزءا من خطاب الرئيس الأمريكي (   بوش)  الذي ألقاه أمام الكونغرس بتاريخ 20سبتمبر 2001 أي بعد الحادثة بتسعة أيام حين قال ( إن الحرب ضد الإرهاب تبدأ بتنظيم القاعدة، لكنها لا تنتهي هناك، إن الحرب ضد الإرهاب لن تنتهي حتي يتم العثور علي كل مجموعة إرهابية في العالم، وحصارها، وهزيمتها، وعلي كل أمه، وكل منطقة أن تتخذ قرارها الآن، إما أن تكون مع الولايات المتحدة، أو مع الإرهابيين، وأنه من اليوم وصاعدا كل أمة تواصل إيواء الإرهاب ستعتبر من قبل الإدارة الأمريكية نظاما معاديا.
هذا الذي قاله ( بوش) ممثلا للإدارة الأمريكية، يوضح كيف أن دولته استطاعت توظيف الحدث، لفرض الهيمنة علي العالم، واعتبار من ليس معها فهو ضدها، وما أشار إليه منذ ذلك التاريخ، لم يتحقق علي أرض الواقع، حيث إن الإرهاب المُدعم، اتسعت رقعته، ولم يضعف، وبدلا من ( تنظيم القاعدة)  ظهر (تنظيم داعش) وبدلا من (بن لادن) ظهر(أبو مصعب الزرقاوي ) والدائرة الجهنمية تدور، طالما لعبة الشيطان مستمرة، ولتكن الحُجة الظاهرة هي مواجهة الإرهاب، أما الباطن المستغلق فهو مساندته في الخفاء، لاستخدامه في الوقت  المناسب.                                         
والآن كيف أجاب النص علي السؤال الذي طرحه والمتعلق بمن يستطيع محاسبة أمريكا؟
يجيب أبوالفضل:
أبوالفرج: الرأي العام العالمي هو اللي يقدر يحاسب أمريكا، الجمعية العامة للأمم المتحدة، محكمة العدل الدولية، منظمات السلام وحقوق الإنسان، محاكم جرائم الحرب، الأحزاب والجمعيات الأهلية، والمدنية، والنقابات والاتحادات، والروابط والنوادي، كل دول ببساطة يقدروا يرفعوا دعاوي قضائية ضد المسئولين الأمريكان في السي آي ايه والبنتاجون، يطلبوا تقديمهم للمحاكمة بتهمة تشجيع جماعات الإرهاب، وتربية كوادر تنظيم القاعدة وتمويل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في أمريكا وأوربا، وإنشاء مراكز تدريب عناصر التطرف، وتشجيع الأصوليات الدينية في العالم، هما دول محور الشر الحقيقي والمسئولين عن اللي حصل لنا واللي حصل في سبتمبر والي لسه حايحصل.
المعلوماتية في هذه المسرحية، تم معالجتها دراميا، وكان من الضروري الاستناد إليها، حين عالج الكاتب موضوعا شائكا مثل هذا الموضوع، لأن طبيعته السياسية تتطلب قدرا كبيرا من الوعي بتفصيلاته - تفصيلات القضية - وليس الحادث نفسه، لأن الحادث كان مفجرا لتلك المعالجة الفنية، التي أضافت إلي خبرتنا - كمتلقين-  خبرة جديدة، وهذه الخبرة من الأهمية بمكان، أن تصل إلينا لنستطيع مقاومة الإرهاب، لأنه بدون معرفة الأسباب ، ودراسة الأفكار، والوقوف علي الدوافع، لن نستطيع المقاومة، والتفكير - هنا - يصبح أداة من أدواتها، لأننا نعيش في عالم  تحكمه الأكاذيب الكبري.