رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 56) عودة الجندي


محمود الورداني [email protected]
5/12/2018 12:22:49 PM

في الوقت الذي اعتقلت فيه أجهزة الأمن ما يزيد قليلا علي ثلاثين كاتبا وألقت بهم في سجن طرة بضعة شهور، نجح عدد آخر من الكتاب والفنانين في الهروب من أمر الاعتقال. ولأنني أكتب من الذاكرة فلا أتذكر إلا أسماء الشعراء فؤاد قاعود، ومحمد سيف ، وربما عزت عامر، وكاتب المسرح محمد الفيل وهناك آخرون بالقطع غابت أسماؤهم عن الذاكرة.
في تلك الفترة كانت ظاهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في أوج ازدهارها، وكان بيتهما في حارة حوش قدم بالغورية لايتوقف عن استقبال العشرات كل يوم من الطلاب اليساريين، وتوالي اصطحابهما إلي كليات جامعتي القاهرة وعين شمس حيث يقومان بالغناء ويلقي نجم قصائده التحريضية التي يهجو فيها رئيس النظام وأذنابه .
وإذا كانت ظاهرة الشيخ إمام ونجم قد كُتب عنها كثيرا، إلا أن هناك ظواهر أخري ربما لم تتحقق لها نفس الشهرة والذيوع، مثل الفنان عدلي فخري والشاعر سمير عبد الباقي اللذين كانا يتنقلان بين التجمعات المختلفة، حيث يغني عدلي فخري علي جيتاره أشعار سمير عبد الباقي. كذلك انتشرت ظاهرة ذهاب الشعراء المعارضين اليساريين إلي كليات الجامعات المختلفة وإلقاء قصائدهم المناوئة للنظام مثل فؤاد قاعود وعزت عامر ومحمد سيف وأحمد عبيدة.
وكان الأمر بسيطا من ناحية الإجراءات، لأن هناك أسرا تأسست داخل الكليات المختلفة انتزعت حق استضافة هؤلاء الفنانين والشعراء مثل أسرة مصر، ولا أتذكر هل كانت في كلية الآداب أم الهندسة في جامعة القاهرة، فضلا عن أسر أخري في جامعات عين شمس والإسكندرية والمنصورة.
وهكذا فإن عضوية جمعية كتاب الغد وإلقاء الأشعار في الجامعات والنضال من أجل تأسيس اتحاد كتاب وطني ديمقراطي .. كانت أسبابا كافية لاعتقال من ألقي بهم في سجن طرة، بينما نجح آخرون في الهروب، ساعدتُ مع أصدقاء ورفاق، لم تسع أجهزة الأمن لاعتقالهم، في تأمين هروبهم. وبالمصادفة كانت الشقة التي هرب إليها مثلا محمد سيف والفيل في الهرم علي مبعدة عدة شوارع من بيتي. أحتفظ بذكريات عزيزة وشجون ليس من السهل التعبير عنها عن تلك الفترة، ليس فقط بسبب سني آنذاك، بل أيضا لأنني كنت ما أزال مجندا مما ضاعف من إحساسي بالخطر.
علي أي حال ، فبعد شهور قليلة أفرجت المحكمة عن المعتقلين ولم تجد النيابة مسوغات قانونية تتيح لها أن تدبج قضية متماسكة، فخرج الجميع دون توجيه اتهام لهم. وفي الوقت نفسه تقريبا، أنهيت خدمتي العسكرية في يوليو من العام نفسه- 1975 – واستلمت عملي كإخصائي اجتماعي في مدرسة في بني سويف، وهي المدرسة التي تم استبقائي علي ذمتها بعد أن مرّ العام الأول من تجنيدي.
في تلك الفترة أيضا كان يتم الاستجابة فورا لكل طلبات النقل التي يقدمها من أنهوا خدمتهم العسكرية، فنحن من كان يطلق عليه المقاتلون وأبطال حرب أكتوبر وأسودها البواسل وما إلي ذلك. ونُقلت علي الفور إلي القاهرة، وكانت أقرب مدرسة يمكن النقل إليها هي مدرسة أحمد ماهر الإعدادية في المنيل.
آنذاك كان حي المنيل واحدا من أحب الأحياء إلي نفسي وأكثرها أناقة وشياكة، ويتميز بالفتيات الجميلات، بل والجميلات جدا اللائي كن يتفنن في أناقتهن ودلالهن وهن يخطرن في الشوارع الواسعة المشجرة القريبة من النيل. ولحُسن الحظ أيضا كان يسكن فيه كثيرون من أصدقائي، وهو ما قد أتناوله في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل.