رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

أبو صبحي التيناوي وبرهان كركوتلي نموذجان: الفنان الشعبي طائر يغرد خارج السرب


أديب مخزوم
5/19/2018 2:47:08 PM

 ثمة مقاربة يمكن التماسها فى خطوات الحديث عن رسام المنمنمات العربى الشهير يحيى الواسطي، الذى عاش فى القرن الثالث عشر الميلادي، وعن الرسام الشعبى الدمشقى أبو صبحى التيناوى 1888-1973 وذلك لأن أعمال الأول، محفوظة فى مكتبة باريس الوطنية، وأعمال الثانى دخلت العديد من الصالات الباريسية، وأخذت شرعية حضورها على صفحات »الأوريان»‬ من خلال كتابات الناقد اللبنانى صلاح ستيتية، الذى لعب دوراً بارزاً منذ منتصف الخمسينات، فى إعادة الاعتبار الى الفنون الشعبية العربية، فى مراحل بحثه ، عبر مقالاته التى كان يكتبها بالفرنسية ،عن النقاء التعبيري، الذى ظل خارج التصنيفات المدرسية، القادمة من تأملات التيارات التشكيلية الحديثة والمعاصرة - لما بعد الانطباعية والنيو انطباعية فى مدرسة باريس.
وأهمية أعمال أبو صبحى التيناوى الرسام الشعبى الفطرى الشهير، لا تكمن فقط باسترجاع الحكايات الشعبية، و إنما فى استعادتها لقيم تشكيلية وتقنية فطرية، حققت استمرارية، وسط التراكمات الثقافية، التى عرفتها فنون القرن العشرين.
ويمكن القول: إن تقنيات رسم المنمنمات، وأيضاً طريقة الرسم الفطرى الشعبى ، تأسست على اساليب ووسائل سبقت مجيء كبار الفنانين المحدثين فى اوروبا بقرون, وبالتالى فأبو صبحى التيناوى كان يقدم فى لوحاته, خلاصة بحوث خبرته التقنية وعلى الطريقة التقليدية, مبتعداً كل البعد, عن التأثيرات الفنية الاوروبية الحديثة ، التى تركت تأثيراتها المباشرة والواضحة على أعمال مجمل أبناء جيله من الفنانين السوريين والعرب المحدثين.
هكذا تبرز الأسباب الموضوعية لاهتمام الاجانب بهذه الفنون العربية المتوارثة منذ قرون، وعلى سبيل المثال نستطيع أن نرى فى الفن الفطرى العربي، الاحصنة والجمال مرسومة بألوان رمزية كالأحمر والأصفر والازرق، وهذه التقاليد التصويرية استمرت فى نتاج أبو صبحى التيناوى ، ويمكننا القول: إن الانقلابات الفنية الحديثة، التى شهدتها باريس فى نهاية القرن التاسع عشر (ولاسيما المدرسة الوحشية) استفادت الى حدّ بعيد من رمزية الألوان الفطرية العفوية، المجسده فى الرسوم الشعبية العربية .
الفنان الشعبى برهان كركوتلى ( 1932-2003 )
الفنان الراحل برهان كركوتلى من مواليد دمشق العام 1932، استقر فى ألمانيا منذ العام 1970 وتفاعل مع المحترفات الفنية الأوروبية بعد أن درس الفن فى أكاديمية سان فيرناندو فى مدريد وفى المعهد العالى للفنون فى برلين، وبدأ اسمه الفنى يؤكد وجوده فى المساحة الفنية من خلال عمله بالرسم التوضيحى فى بعض الصحف العربية الصادرة فى لبنان والمغرب، وعمله كفنان مستقل فى ألمانيا إضافة إلى مشاركاته فى العديد فى المعارض من البلاد الأوروبية والعربية والأميركية.
وتبدو رسوماته خارج التصنيفات المدرسية الحديثة فهو يستلهم ما ساد فى الكتب الأدبية الشعبية من رسومات تعالج موضوع الحكاية وذلك للوصول إلى حالة توفيقية بين نبض التراث الشعبى ونبض الثورة ويمكن اعتباره من أوائل الفنانين الذين ارتبطت تجربتهم منذ بداياتها بالقضية الفلسطينية (لوحات الشهيد عز الدين قسام، القدس، لن ننساك يا شهيد، المرأة والطفل..) فالتكوين المرسوم فى لوحاته تسكنه روح الحكاية الشعبية وروح الثورة.
وقد سعى فى العديد من رسوماته لإظهار الدمج الحيوى ما بين التشكيل الفنى المأساوى الرمزى وبين المظهر الرومانسى المقروء فى الجمل التى كان يؤطر بها رسوماته ولوحاته »‬إلى حبيبتى ريتى التى أرتنى أجمل ما فى الحياة، أقدم لك فى يوم عيد ميلادك وهو يوم ولادة حبنا، حبى الدائم وعواطفى ومشاعرى. على نسيم الربيع، قص الشجر غيرأن يقلد وقصك...» فاللوحة عنده على الرغم من أنها ارتبطت بشكوى الأرض والأرض فى لحظات الاقتلاع والأبعاد، إلا أنها عكست خفة وشاعرية العبارة التى تعرف كيف تعزف على أوتار الجراح. كأن الحلم الرومانسى المتداخل مع الرموز الراصدة لمعاناة الاقتلاع والتهجير هو الفسحة الوحيدة الباقية للانفلات من نسيج الأحزان فى أزمنة الحروب والمجازر المتواصلة دون توقف أو انقطاع.
هكذا جمع فى رسوماته بين معطيات الفن الشعبى والمنمنمات وخفة العبارة والسخرية، كل ذلك بخطوط سوداء رفيعة، اهتمت بالتفاصيل الدقيقة وبالنمنمة الزخرفية، وبطريقة مغايرة لأجواء الصياغة التشكيلية الموجودة فى أعمال الفنانين المحدثين. لذا فهو من القلائل الذين عارضوا التقنيات التصويرية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط ومنذ البداية بفن عقلانى موزون ومدروس ومنفذ بدقة وصبر وتأنى وجلد طويل.
وفى رسومات عديدة له تظهر إشارات التعاطف مع الثورات النضالية العالمية. فقد برز فى جميع مراحله كرسام سياسى شعبى يزاوج بين المنمنمات والرموز عبر استعادته لتداعيات الحكايا الشعبية. وهو يعترف فى أحد حواراته أن أبو صبحى التيناوى هو أستاذه الكبير، وبأنه كان فى طفولته يتأمل ولساعات طويلة رسوماته التى كانت تباع فى أسواق دمشق بأسعار متهاودة، ولقد حاول تطوير تجربة التيناوي، ضمن تقنية مغايرة ومرتبطة بالواقع الثوري، الذى كان صاعداً بقوة فى الستينات.
وحين زار المكسيك واطلع على كنوزها الحضارية تعمقت تجربته على صعيد الفن الشعبى السياسي.
والمعروف أنه تنقل فى عدة بلدان فى جولات دراسية واطلاعية. فمن القاهرة إلى مدريد فى إسبانيا. ولقد كثف دراسته الأكاديمية فى برلين، وعمل فى الرسم الصحفى والكاريكاتورى فى الدار البيضاء، قبل وبعد مرحلة برلين. وما بين عامى 1964 و1967 درس وعمل كفنان فى مدينة مانهايم فى ألمانيا الغربية، ثم عاد إلى دمشق وعمل فى التدريس الفنى فى كلية الفنون قبل أن يقوم برحلة اطلاعية إلى المكسيك وفنزويلا. حلم السفر لم يكن يفارق مخيلته، كان ينطلق من ألمانيا ثم يعود إليها فى جولات مكوكية، وكانت بون هى محطته الأخيرة، حيث توفى فيها فى نهاية العام 2003.