رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 62 ) شقة دير الملاك


محمود الورداني [email protected]
7/7/2018 1:48:17 PM

كنتُ قد ذكرت من قبل أن الصديق حسن عبد الموجود, كتب بوست منذ وقت قريب علي الفيسبوك، مضمونه أن عادل السيوي أخبره أنه مازال مندهشا بشدة لأنه رآني في ساعة مبكرة من صباح 19 يناير1977وقد تسللتُ إلي شوارع المنيل, وقد رآني هو فيما كان متجها إلي كلية الطب لأداء الامتحان.
  الحقيقة أنني لا أتذكر تفاصيل ذلك اليوم وسبب تواجدي في مثل ذلك الوقت المبكر، وما أتذكره جيدا أنني أمضيت يوم 18 يناير بكامله دون أن أعلم بما جري، وفي المساء أذاع التليفزيون مسرحية مدرسة المشاغبين إمعانا في التضليل ومحاولة لإلهاء الناس. ولم أشارك إلا في اليوم الثاني والأخير، وقد أمضيته بكامله، وحتي وقت حظر التجول، في شوارع وسط البلد والسيدة زينب، أسير في المظاهرات وأهتف مع الهاتفين وأنا في غاية السعادة.
وعندما عدتُ إلي البيت وعلمت أنني ا مطلوب»‬، كان عليّ أن أفكر بسرعة في مكان أمضي فيه ليلتي، خصوصا وأن موعد حظر التجول كان قد اقترب. بالطبع كنت خائفا ومضطربا في تجربتي الأولي الحقيقية، والحبسة السابقة التي كانت في 24 يناير 1972 بعد فض اعتصام طلاب جامعة القاهرة، كانت ظروفها مختلفة، حسبما ذكرتُ  بالتفصيل من قبل.
قبل تلك الأحداث بشهرين أو ثلاثة كنتُ مسئولا عن تأمين شقة لعقد اجتماعات إحدي لجان المنظمة التي انتميتُ لها آنذاك, واستخدامها لحفظ الأوراق وما إلي ذلك. كانت الشقة في دير الملاك وذات موقع أكثر من مناسب، في بيت مكشوف من كل الاتجاهات  يطل علي شارع الملك الرئيس وخلفه كنيسة الملاك وسوق السمك القريب من الأميرية، والأهم أن طابقها الثاني يشغله مكتب تدريب علي الآلة الكاتبة لمدارس التجارة الثانوية، وهو ماكان يعني صعود وهبوط العشرات كل يوم.
  في تلك الظروف، لم يكن أمامي إلا المخاطرة باللجوء إلي شقة دير الملاك، علي الرغم من أنني لم أكن متأكدا من نجاتها من مداهمة البوليس، في ظل الهجمة المعتادة، والتي تحدث عقب كل حدث سياسي من ذلك النوع، وسبق لها أن جرت كل شتاء تقريبا  قبل وبعد حرب أكتوبر. لاأضمن الآن بيوت أصدقائي، ولم أكن قد علمت بعد حدود الهجمة الحالية، وإن كانت الأحداث التي شاركت فيها تشير إلي اتساع متوقع للضربة الأمنية. غير أن الوقت كان يمضي، وموعد سريان حظر التجول يقترب، لم يكن أمامي في نهاية الأمر إلا اللجوء لشقة دير الملاك.
  لا أتذكر كيف وصلت، لكن ما أتذكره جيدا أنني كنت أعاني بشدة من إحساسي بالذنب, بسبب عدم التزامي بقواعد الأمان التي اشتهرت بالالتزام الصارم بها، وضرورة التخلص من أي مراقبة محتملة، إلا أن اقتراب موعد سريان حظر التجول حسم التردد. وفي غمرة اضطرابي وارتباكي، نسيت أن أشتري عشاءً كما نسيت السجائر، وصعدت إلي الدور الثالث بصعوبة شديدة.
  أمضيت ليلة بالغة التعاسة جائعا بعد أن أوشكت سجائري علي النفاذ، ولم تكن الشقة معدة للاستخدام من قبل إلا وفق سيناريو مختلف لتأمين الاجتماعات، لذلك لم يكن هناك طعام، وعثرت علي كمية قليلة جدا من الشاي والسكر تكفي لعمل كوبين. أمضيت ليلتي تلك خائفا من الاعتقال وجائعا ومقيما في شقة سرية استأجرتها باسمي العلني، والشقة مليئة بالأوراق السرية..لكنني في نهاية الأمر استسلمت للنوم بعد أول كوب شاي.
  في الأسبوع القادم أستكمل إذا امتد  الأجل..