رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

»ليالي أوجيني«.. ونوستالجيا من نوع خاص


إيمان الزيات
7/7/2018 1:51:14 PM

انت الوجع اللي انا مستحلياه
انت اللي مش ممكن أعيش لو مش معاه
انا مدمناك..
مع إني عارفة انك طريق اخره سراب
لا انا قادرة من حبك أخف ولا قد أعراض لانسحاب
كانت هذه هي الكلمات التي كتبها »أمير طعيمة« لتكون  فيما بعد «تتر» مسلسل «ليالي أوجيني»، الذي تعود علي سماعه متابعو هذا العمل الدرامي في رمضان، كلمات بدت بصوت «نسمة محجوب» كأنين خافت، وبوح وشكوي لنفس شرخها العذاب، صوت لم تتعمد صاحبته أن يطرب السامع بقدر ما كان يجب عليه أن يبعث في النفس الشجن والحزن.
عبرت الأغنية ليس فقط عن علاقة البطلين الرئيسين «فريد»، و «كريمان» ببعضهما، بل عن جميع العلاقات الثنائية داخل العمل؛ فجميعها كانت تسعي خلف «السراب»، وتنتظر ما لا يحدث انتظاراً سيزيفياً عقيماً مولداً نوعاً من أنواع الألم الذي ألفته الشخوص من فرط استمراره ودوامه؛ «صوفيا» تنتظر عودة ابنها دون جدوي، «وعايدة» تنتظر أن يحبها «فريد» كما تحبه، «كريمان» تنتظر أن تصل لابنتها، «جليلة» تنتظر الشهرة التي تحفظ ماء وجهها أمام عائلتها، «عزيز» يتمني الزواج «بصوفيا» مجموعة لا نهائية من الحلقات المفرغة التي يدور فيها أبطال مسلسل «ليالي أوجيني».
منذ بداية عرضه وهو يثير عاصفة من الشغف والانجذاب في التعليقات التي تابعتها علي المواقع الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي لم أكن أقل شغفاً وانجذاباً ممن كتبوها نساء ورجالاً علي اختلاف أعمارهم؛ فمسلسل «ليالي أوجيني» دراما نوعية تعكس صنفاً خاصاً من صنوف «النوستالجيا» العامة أو الحنين، ليس إلي «الزمان»، وثيمة «المكان» فحسب بل إلي «موتيفات شخوصية»، «ومشاعر» بعينها.
مشاعر يصعب التعبير عن عمقها وقوتها بالكلمات، ولكن يكتفي الأبطال بالنظر إلي نوافذ الروح – الأعين - لفهمها، واستنطاقها، بعيدين بذلك كل البعد عن تكنيك «اللازمة»، و«الإفيه» الركيك الذي صار جزءاً لا يتجزأ من تركيب الشخصية الدرامية المعاصرة، حيث هزلت المشاعر وحلت محلها العبارات الحنجورية الجوفاء، والأداء المبالغ فيه.
موتيفات ضمرت مجتمعياً كموتيفة (فريد): التي جسدها ببراعة النجم «ظافر العابدين» تلك الموتيفة النبيلة التي تخلت عن أحلامها وطموحاتها الشخصية إزاء واجباتها العائلية والاجتماعية، وظلت تخفي عن الجميع ما يعتمل بها من معاناة وألم، فهو طبيب يعمل باحدي مستشفيات بورسعيد، يمر ببعض الظروف النفسية الصعبة منذ وفاة شقيقه، ويحاول الهرب من ذلك بالقراءة والكتابة أحيانًا، دائم التردد علي تياترو أوجيني، علاقته بزوجته، ليست مستقرة خاصة أنها كانت زوجة شقيقه، وتزوجها بعد وفاته للحفاظ علي وجود ابنة أخيه «نادية» في الأسرة.
و (كريمان) التي أدت دورها النجمة «أمينة خليل» بروعة وعذوبة، تلك المرأة التي ناوشتها الحياة بعنف ولكنها علي الرغم من ذلك لم تتوحش، بل عادت لطبيعتها الأولي الرقيقة الخجولة والمهذبة بعدما مرت الظروف السيئة التي أظهرت خلال مرورها أسوأ ما يمكن أن يكون فيها.
إن هذا الشغف الملحوظ بعمل درامي كليالي أوجيني إنما ينم من دون شك عن حاجة المتلقي الماسة إلي سماع  لغة بسيطة غير معقدة، وحوار سلس يبعد عن الفجاجة والتجرؤ كالذي صاغته «إنجي القاسم» وإلي موضوع انفلت من قبضة الصراع المكرور حول «المال» ، و «السلطة» كالذي كتبته مؤلفة العمل « سماء أحمد عبدالخالق» متكئة علي ما يسمي  «بالفورمات الأسباني» وهو أحد فورمات المسلسلات الأجنبية الرائج استخدامها مؤخراً في مجال الدراما خصوصاً بعد نجاحها في الغرب ومتابعة الشعوب العربية لها مثل فورمات مسلسل «جراند أوتيل».
هذا التكنيك الذي ساعد المخرج «هاني خليفة» علي أن يظهر للنور عمله الدرامي اللامع ليالي أوجيني، منغمساً في الكلاسيكية بداية من «الأفيش» ومروراً «بالتتر»، و«الإضاءة» التي اتسعت بواسطتها مساحات الظلال اتساعاً فاحشاً لتصبح علامة سيميائية دالة علي أن ما خفي في الأماكن وفي دواخل الشخوص أكبر بكثير من الظاهر الجلي، «الديكور» بقطعه الثقيلة الكبيرة والثمينة، ودهانات الحوائط رصينة الألوان، «الملابس» الأنيقة و«تصفيفات الشعر» المميزة، الأحذية، والشابوهات، ساعات اليد، والمجوهرات، التي خلت من الهنات المعتادة، عادات الأبطال، ونوعيات الأطعمة «كشك، مارون جلاسيه»، والتسالي «أبو فروة، وبطاطا»، المكان «بورسعيد» كمدينة ساحلية وثيمة البحر بما يمثله من حيرة، ورحلة محفوفة بالمخاطر، وغرق ونجاة للأمل والحلم.
وعلي ذكر الأغنيات فلا يمكن أن نغفل بأي حال من الأحوال ذلك الاختيار المميز لمنولوجات الرائعة «ثريا حلمي» خاصة مونولوج «أما انت جرئ» الذي أدته «جليلة» برشاقة فجاء اختياره مع المنولوجات الأخري اختياراً لافتاً وممتعاً ومتماهياً مع روح العصر ونمط فنونه.
كان للمرأة حضور متنوع  في (ليالي أوجيني)، أمينة خليل (كاريمان/كريمة): متزوجة من «إسماعيل» الذي يجسده ضيف الحلقات خالد كمال، ولديها ابنة منه تُدعي «ليلي»، كانت تُعاني التعنيف من قبل زوجها، وفي آخر شجار بينهما تطور الأمر إلي أن ضربته بآلة حادة علي رأسه، عندما أخبرها بأن ابنتهما في طريقها إلي باريس بعدما استقلت باخرة مع عمتها «إيمان»، وتركته غارقًا في دمائه وهربت إلي بورسعيد، وهناك أخفت حقيقتها عن من حولها وأطلقت علي نفسها «كريمة»، ثم بدأت العمل في تياترو أوجيني.
إنجي المقدم (صوفيا): إيطالية مصرية، تمتلك محلًا للحلويات الإيطالية، وصديقة «عايدة» زوجة «فريد»، أسماء أبو اليزيد (جليلة): مغنية في تياترو أوجيني، تعيش قصة حب مع «أمين» مصطفي عبد السلام الذي يعمل جرسون في التياترو، ساعدت «كاريمان» عندما وصلت إلي بورسعيد، وجعلتها تسكن معها في بيتها، ووفرت لها فرصة عمل داخل تياترو أوجيني. 
(عايدة) التي تجسدها اللبنانية كارمن بصيبص، زوجة »‬فريد» وعلاقتها به ليست مستقرة خاصة أنها كانت زوجة شقيقه، وتزوجها بعد وفاته للحفاظ علي وجود ابنة أخيه »‬نادية» في الأسرة.
مريم الخشت (نبيلة): ابنة صاحب الأوتيل، بالإضافة إلي أنها صديقة »‬عايدة» زوجة »‬فريد».
و »‬انتصار» (نعمات): احدي الخادمات في أوتيل أوجيني، يقع في حبها صاحب الفندق ويتزوجها رغم رفض ابنته »‬نبيلة».
 نادين (لولا): تقدم عروضا استعراضية في تياترو أوجيني، وكانت علي علاقة سابقة بـ »‬فريد».
عدة أوجه للمرأة عكست أدوارها في المجتمع، وظهرت من خلالها فضيلة المدينة المصرية الكوزموبوليتانية المنفتحة ذات الشرائح المختلفة والنسيج المتوائم الذي يمكن أن يجمع في أحد المشاهد وعلي طاولة واحدة بين »‬كريمة» المربية المصرية، و »‬صوفيا» الإيطالية، و»‬عايدة» اللبنانية حيث يعيش الجميع تحت مظلة بميزة التعايش والتقبل والتكامل.
استعرض العمل أيضاً أنماطاً متنوعة للأمومة من خلال عذابات »‬كريمان» في سبيل وصولها لابنتها »‬ليلي» التي انتزعت من أحضانها ، صورة أخري من المعاناة السيزيفية جسدتها »‬صوفيا» التي تنتظر ابنها الذي تم تجنيده في حرب عالمية لا ناقة له فيها ولا جمل وهو لما يزل في السابعة عشر من عمره، استعرضت الكاتبة من خلالها جيلا كاملاً من الشباب قضي نحبه من دون أن يعرف أهله بموته حتي، وصورة للأم المستأسدة المتسلطة التي ضيعت أجمل سنوات ابنها وحبه الوحيد، تلك الموتيفة التي جسدتها ببراعة النجمة »‬ليلي عز العرب» من خلال شخصية »‬ماجدة» والدة »‬عزيز» واستطاعت أن تحفز مشاعر المشاهد ضدها ليشعر نحوها بالاستفزاز المستمر من خلال لغة جسدها البارعة، وملامحها وطبقة صوتها، فوالدة »‬عزيز»، تتمتع بشخصية قوية ومتسلطة علي ابنها، بالإضافة إلي تدخلها في شئون من حولها، وعلي خلاف دائم مع غريمتها في حب ابنها »‬صوفيا».
فعّل العمل الدرامي المائز »‬ليالي أوجيني» بداخله مجموعة من العقد النفسية الشهيرة، كعقدة »‬إليكترا» التي جسدتها مريم الخشت (نبيلة): ابنة صاحب الأوتيل من خلال علاقتها بوالدها »‬صدقي»، ومعاملاتها الجائرة والمتعالية مع زوجته »‬نعمات»، وعقدة أخري انبنت عليها شخصية »‬عزيز» هي عقدة »‬أوديب» التي جعلته مستسلماً لسطوة وسيطرة والدته »‬ماجدة»، وأخضعته لترك »‬صوفيا» حب حياته والعزوف عن الزواج لسن متأخرة.
كما ظهرت ملامح الأسطورة من خلال  نادين (لولا): المرأة المتمردة التي تتصف (بالجمال، الذكاء، القوة) تلك الشخصية القوية والشبقية والمتمردة التي تقدم عروضاً استعراضية في تياترو أوجيني، وكانت علي علاقة سابقة بـ»‬فريد» ظلت تطارده بسببها لتستحوذ عليه.
أكد العمل الدرامي من خلال وضع أبطاله في دوامة الصراعات والمنغصات والكبوات علي فكرة أن لا زمن يخلو من المتاعب والحزن، وأن الزمن محمل بشقي »‬الخير»، و »‬الشر» منذ بدء الخليقة ومهما اختلفت الوجوه والغايات، وأن »‬الغيرة» هي أصل الشرور والسيطرة آفة النزعات البشرية.
ربما كانت الكاتبة تحاول أن تثير استفهاماً معيناً بعودة »‬إسماعيل» زوج »‬كاريمان» للظهور فاقداً لذاكرته بعد اقتناع المشاهد بأنها قتلته، استفهاماً تدور الإجابة عليه حول فكرة »‬الفرصة الثانية» ، و»‬الميلاد الجديد» وهل إذا منح الإنسان مثل تلك الفرصة فسيصبح شخصاً مختلفاً عما كان عليه من قبل أم أنه ظهور يخفي وراءه قناعاً جديداً من أقنعة الشر؟! هذا ما ستكشف عنه الأحداث وتجيب عليه.
ربما يدعي البعض أن هذا العمل موسوم بالقدم وأن كل مافيه سالف، ولكننا سنكون مجحفين لو اتفقنا علي هذا الرأي لأن العمل في باطنه يعبر عن حالة من الخرس الإجباري المفروض علي الإنسان في أي زمان ومكان حيث لا يستطيع المرء فيه أن يعبر عن رغباته ومراده تحت وطأة العرف، والتقاليد، والظلم الاجتماعي المشروع.
إن الألم المكبوت، والخرس المفروض هو ما جمع البطلين »‬فريد»، و»‬كريمان» في علاقة واحدة، بكيفية أكبر من الحب وأشد عمقاً من الرغبة، فجعل منهما وجهان للمعاناة البشرية بشقيها الأنثوي والذكوري، ذلك الألم الذي تجسد في صورة جمود سكن بملامح وجهيهما التي قلما تنبسط، وهذا الخرس الذي لا تنكسر قيوده إلا أثناء طقس البوح الانفرادي المعتاد حين يكتب كل منهما »‬بدفتر يومياته» الذي كان بمثابة »‬الصندوق الأسود» للشخصيتين، وكان البحر أيضاً نقطة التقاء مشتركة بينهما يستودعانه أسرارهما من حين لآخر.
وخلاصة القول أن دراما »‬ليالي أوجيني» أظهرت أجمل ما في الجميع، نجوماً ومشاهدين، وعكست بروعتها الاحتياجات الحقيقية للمشاهد المصري الذي ينتصر دوما لكل جميل.