رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

أسطورة عم أحمد

«إنهم يقولون.. ماذا يقولون؟! دعهم يقولون»


سارة قويسي
7/7/2018 1:54:35 PM

تلك اللحظة التي تمسك فيها بكتاب لكاتب تعشق كتاباته و-إن كانت رديئة من وجهة نظر بعضهم ولكنها تتملكك-، لن تغنيك عن تواصلك مع من تحب ليس الهدف هنا هو متعة الكتابة ولكنها حالة انتماء لذكريات الطفولة واللحظات الأولي التي بنيت عليها اختياراتك في الحياة .. تعود للثانية عشرة من عمرك، وأنت تقف مشدوها وفاهك مفتوحا تبحث عن شئ جديد تقرأه وتتعب عم عبده -رحمه الله- وأنت تختار حتي يطلب منك دفع ثمن عدد واحد وأخذ الباقي هدية؛ خاصة مع ترددك وحسرتك وأنت تنظر للقروش القليلة التي أدخرتها من مصروفك كي تبهج أجازتك.. ترفض في حزم عرضه، وتقتني أكبرهم حجما لعلها تطفئ ظمأك.. لحظة لا تتعدي جزءا من الثانية لكنها كانت كفيلة بأن تقف مشدوها أمام الأوراق التي تلامس أصابعك ملامحها، ولكي تعود إلي نهم الطفل القابع في داخلك، وأنت تمسك أوراقا لا تعرف فحواها، والجميع يحكي عنها من رؤيته هو وينساك.. لحظة تأخذك بعيدا عن صخب الأصدقاء والحياة تجد نفسك مقيدا داخل الأحداث لا تدري ما بك ولا تعرف ماذا يجب أن تفعل؟! أنت هنا .. تلك هي الحقيقة المجردة الوحيدة التي تشعر بها.. تحاول أن تدقق النظر وتحث العين علي التهام مزيد من  الكلمات دون أن تبدو أبلها لا تقدر علي الفهم.

تنصت بنصف سمع، وتري بنصف عين .. لكنها الحالة قد أصابتك .. فجلست صامتا تنظر لمن حولك والفضول يكاد يقتلك من كثرة الشعور بالحنين.
أسطورتنا: “عظمة علي عظمة يا عم  أحمد”
هكذا تردد صدي هذه الكلمة في قاعة المسرح الصغير داخل مكتبة الإسكندرية، في آخر لقاء عام لدكتور أحمد خالد توفيق في مدينة الرب المقدسة، حين اهتزت القاعة بالترحيب به وأنا كنت هناك بالصدفة البحتة أجلس في أول صف ولا أصدق هذا الحلم.
سعيد كخنزير بري في مستنقع
آلاف من الوجوه المألوفة تواجدت داخل المكان، وفي ساحة المكتبة؛ تلك اللحظة المنتظرة منذ آمد بعيد، عاشق الإسكندرية الأول، صديق رفعت إسماعيل أستاذ أمراض الدم، صديق الطفولة الذي لم يتخلي عنَّا لحظة واحدة وعلمنا كيف نتقبل الهزائم بصدر رحب، ونتوقع الأسوأ والأشد سوءا في تلك الحياة.. إنه الراحل د. أحمد خالد توفيق.
كالحنكليس الذي لا أعرف ما هو!!
الرحلة:
فتاة صغيرة تقف علي عتبة مكتبة عم عبده في أول تقاطع خارج شارع بيتها، تنظر إلي القائمة الخاصة بالكتب بشغف، سرعان ما تراجع ضوء عينياها حين عرفت أن جميع الأعداد المعروضة قد قرأتها بالفعل.
تدخل إلي عم عبده وهي تحمل خيبة أمل كبيرة وتسأل ربما تجد عددًا جديدًا لم تقرأه من قبل، فتزداد خيبة أملها حين يخبرها أن هذه الأعداد هي كل ما لديه.
ولكنه سرعان ما يطلب منها أن تقرأ هذه القصة التي يقف علي غلافها ألبومة مفقوءة العينين، تتردد، تنظر إلي سقف المكتبة، تفكر قليلا وهي تنظر إلي الجنيه في يديها، وتحسم أمرها، ليس بعد خيبة أمل اليوم شئ، فلنقرأ تلك البومة العمياء التي تحمل اسم أسطورة حسناء المقبرة.
كان يتمتع بكل تلك الصفات الجميلة التي يمكن أن تصف بها مخبولًا
أسمع هذه الكلمات دائما علي لسان رامي حين يقرأ عددا جديدا لدكتور أحمد، ويخبرني عنه بأنه قد خرج إلي النور.
حين مرض دكتور أحمد في أزمته الصحية الأولي، حزنت كثيرًا عليه، وفكرت في أن فقدًا آخر في الطريق إليّ. حينها كنت قد قررت أن لا ألتقي أو أتواصل مع أي أحد من الكتاب. يكفي قراءة أعلمهم... ولكن خبر مرضه لم يمر عليَّ مرور الكرام، بحثت كثيرًا حتي استطعت أن أصل إلي بريده كي أتواصل معه، وجدتني أكتب له دون أن أشعر
 كنت أعد نفسي هذا العام كي أكتب في يوم مولدك رسالة لا تنتهي أحكي بها الكثير من التفاصيل غير المترابطة كما هي عادتي.. ولكني وكالعادة في الفترة الأخيرة تذكرت اليوم متأخرة .. لن اطول كن بخير...
سأرسال الرسالة التي تمنيت أن أرسها من ثلاث سنوات عزيزي أحمد وجودك في البعد هو سند هائل لمن يشبهونني، وجلّ ما أخشاه أن أستيقظ ذات صباح فأعلم بإنك توقفت عن الكتابة أو أوقفت صديقي المفضل رفعت -الذي لا يمكنه أن يقاطعني وأنا أتحدث- عن ممارسة هوايته المحببة في التفنن في إرعابنا ونحن صغار، أو إثارة سخطنا، وتدريبنا علي السخرية من أجمل الأشياء التي نحب، والبحث عن الجمال في الأشياء التي نكره.. صحيح كل عام وأنت بخير».
الرسالة: »‬تذكر يا رفعت أنا احب الأشخاص الذين لا يعدون بشئ»‬..
لا أعرف ما الذي حلّ بالرسائل الأخيرة التي أرسلتها.. لا بأس بأي أمر وأي شئ.. سأحاول مرة أخري.
مرحبا د. أحمد خال توفيق :
»‬أنا سارة قويسي.. أبلغ من العمر 28 عامًا.. أقرأ كتاباتك منذ نعومة أظافري.. من أشد المعجبين بك.. لا أعرف سبيلا لنطق اسمك إلا ثلاثيا وإن تدولنا اسمك بين الأصدقاء بلقب “حمادة” وهذا ليس سبة بل تعبيرا عن قربك منا.
منذ الصغر أصابني شغف قراءة أعمالك.. يقول بعضهم واصفا تلك الحالة رغم طول المدة التي تابعنا فيها كتاباتك أنها عادة لا نعرف سبيلا للتوقف عنها.. حديثي هنا عن الأعمال التي نشرت منذ عشرين عاما وما زالنا نقرأها حتي يومينا هذا بشغف الصغير الذي حصل علي كنز، ولا يريد أن يشارك فيه أحد.. يصفها بعضهم أنها حالة من النستولوجيا والعودة إلي الماضي القريب  ومحاولات البحث  عن الهُوية والذات التي تتشتت يوما بعد يوم وتنفصل عنا حتي أننا لا نكاد نعرف أنفسنا إذا نظرنا في المرآة .. نصدم!
الآن أعاود الكتابة إليك.. ربما يبدو كلامي غريبا.. ولكنه صادق.. أتذكر ذات مرة انني قابلتك في ندوة بالإسكندرية منذ عدة سنوات كانت في جمعية مصر للثقافة والحوار.. كنت انظر بعين الأسطورة إلي من استطاعوا الوصول إليك ومن بقي قلبه داخل جوفه وهو يحدثك .. بهرني طولك المديد وأنا القصيرة التي تعلوا بقدميها كي تراك وعندما حان موعد اقترابك من مكاني هربت بأقصي سرعة من المكان، وأخذت أمد خطواتي كالمحمومة.. خفت كثيرا أن أتلعثم بالكلام وأنا يحمر وجهي وأخرس ولا أتحدث، خفت أن أفقد شغفي بك، وأفقد بريق هذه العلاقة، أو أن تراني صغيرة فتتجاهلها هكذا ببساطة.. كنت قد فقدت أمي قبلها بعدة سنوات وأصبح أخاف الاقتراب من الجميع وكلما تعمقت علاقتي بأحد بقوة تجبرني علي البقاء أهرب منها.. أنا لا أقو علي البقاء علي هذا الروابط التي تعلقني بكل هذا التفاصيل وأنا أكاد أن أنسي.
اليوم الذي حصلت فيه علي بريدك الإلكتروني من فاطمة كان يوم سعدي.. لم أعرف ماذا أكتب ولا كيف أبدأ الحديث.. فقررت أن أترك المجال هنا لقلبي كي يعمل في صمت ويرسل المحبة الخالصة إليك.. أعلم أنك تتلقي آلاف الرسائل التي تحمل تفاصيل وحكايات كثيرة.. أعرف أنك مفعم بالحكاية وتهرب من كل هذا... أنت لست مجبرا علي البقاء عليها.. ولكني أنظر إلي الرسائل القليلة التي أرسلتها لك وأنا ممتنة وعاجزة.. لا أفهم لماذا توقفنا علي الحديث والحوار.. هل تصل رسائلي؟ هل أسأت في شئ ما؟ هل تجاوزت في العبارة؟ هل حملت كلماتي شيئا شلا أعرفه؟
كل هذا وأكثر يدور في عقلي وقلبي يتمهل في الحكم علي أي شئ.. أعتقد في بعض الأحيان أنني لا أعرف طريقا للتعامل مع مواليد برج الجوزاء.. أو لا أعرف كيف أتفهم المحيطين.. وأتهم نفسي دائما بالتقصير والإساءة .. ربما شيئا ما حدث وأنا عاجزة عن فهمه!
منذ 11 يوما كانت ذكري حصولي علي درجة الماجستير.. عام ملئ بالصراع والاجهاد وذكري سيئة يتخللها بعض الأمل.. قبل مناقشتي بعدة أشهر كنت أحلم أنني أجلس في قاعة المناقشة وأنا أتوج بحصول علي الدرجة تأتي ثلاث رصاصات وتستقر داخل قلبي.. كنت أصحو مفزوعة من الحلم وبالكاد أتنفس من شدة الألم وكأنها داخلي... تكرر الحلم كثيرًا حتي أعتدته..
يوم المناقشة كان يوما عاديا لم يحضر فيه إلا قلة قليلة من أصدقائي حتي أقرب الأقربين لم يحضروا.. ناقشت رسالتي وأنا في طريقي للخارج في محاولة لتخطي حالة الإحباط العامة التي أصبت بها والاكتئاب الذي لا ينقطع عني.. فتحت هاتفي أتابع الأخبار كما هي العادة، وجدت خبر انتحار زينب.. لا بد أنك سمعت عنه.. صرخت بأعلي صوتي وأخذت أردد الشهادة بلا انقطاع وأنا ارتجف.. قبلها بشهر واحد يكلمني بعضهم عنها وأنا اخشي مقابلتها .. شعرت بأني مسؤولة عن ما حدث لها بشكل ما.. فوجئت أنني محاطة بكل أصدقائها الذين دفعوها دفعا للانتحار، منهم من دفعها بأفعاله، ومنهم من دفعها بدعوته لها علي إنهاء حياتها كي تتخلص من العالم الذي تعيشه فيه والمستنقع كما اسميه.. لم تكتمل فرحتي.. كان الجميع قبل أن يبارك لي يخبرني بأن موعد مناقشتي جاء في وقت غير مناسب .. .
كنت أهاتف الجميع وأعزيهم بدلا من أتلقي منهم المباركة علي هذا اليوم الذي انتظرته منذ زمن بعيد واستهلكني العمل عليه واستهلك كل أصدقائي من حولي.. تحدثت مع الجميع حتي من انقطعت معاملاتي معهم.. كنت أهرب من التفاصيل والذكري أحاول الفرح والابتسام.. جاءت مكالمتك وسط كل هذا كي تنتشلني.. جاءت الصور والكوميكس كعربون محبة وبهجة كلما حزنت من شئ أو حدث معي أمرا ما أبحث عن الصور وأنظر لها وأتذكر أن علي هذه الأرض ما يستحق الحياة.. لم تدم لحظات البهجة طويلا وأنا أبحث عن عمل أو أتلقي مكامات اللوم من البعض أو الشماتة... يوم وفاة رضوي عاشور جاءت رسالتك كالعادة طوقا للنجاة هناك من تذكرني معها من تذكر علاقة تربطني بها والأدهي أن هذا الشهر نوفمبر هو شهر وفاة أمي.. لك أن تتخيل أنني فقدت اثنتين في شهر واحد يفرق بينهما رقم 0 واحدة يوم 3 والآخر يوم 30
كان موت زينب رصاصة وموت رضوي رصاصة وفقدي لمن أحب هو الرصاصة الثالثة..  أنا أفتقد الحديث معك أستاذي.. وأتمني ذات يوم أنا أقوم بجمع الرسائل التي تصلك من المحبين وأعيد ترتيبها وأنشرها وأنا علي ثقة أنها ستصدر مثل أيقونة أدبية رائعة لم يتيسر لكثير من المبدعين أن يصل إليهم مثلها..
أكتب هذا الآن وأنا أعرف أنني أفقدت جزءا من الأشياء التي أحبها وتربطني بهذا العالم .. وأحاول أن أحافظ عليها.. أرجو أن تكون بخير يا أستاذي وأن تقرأ ما أكتب وأنا أدعي الكتابة وأن تسمح لي بكتابة بحث عن أعمالك في تقنيات الإبداع لديك.. وأنا أسأل عنك كل فترة .. لن أسبب لك الإزعاج بطول رسائلي .. ولكن هذا ما أجيده وأحبه .. وأعرف أنني سأكتب عنك وأنا لا أستحق هذا الأمرولكنه ما أعرفه وأدعي أنني أجيده.
هذه رسالة خالصة الود والشكر ربما تأخرت عاما كاملا.. عامين.. عدة سنوات..  ولكنني ممتنة لتلك الدقائق القليلة التي ستقرأ فيها هذا الكلمات.
الرسالة الأولي: باختصار أنت تعرف من...
أحمد خالد توفيق .. اسم ظل يلازمني فترة من الزمن لا بأس بها أشاهده علي أرفف البائع ولا أتوقف عنده أو اشتريه .. وسبب قراءتي لأعمالك قصة سوف أخبرك يوما ما ربما تستحق أن أحكيها لك .. أنا سارة فتاة من الإسكندرية طالما حلمت بأن تكون قريبة من كتابها المفضلين حتي أن شاهدت أحدهم مرة ومنذ ذلك الحين قررت أن تكون علاقتها بهم عبر الورق أنا أقرأهم وهم لا يقرأوني وهذا أفضل .. أن يكون هناك جانب مظلم في شخصية أحد الطرفين تجعل رحلة التجول داخل أفكار الكتاب رحلة ممتعة أنت تقرأ ما يودون إخبار البعض عنه وربما يكتبون ما يخافون أن يحدثوا به أحدهم ولا يثقون به .. أنت تتخفي وراء شخصية تكون ظلك تبوح من خلالها بما تخاف أن تتحدث عنه .. وهكذا دواليك .. لا أعرف بالتحديد متي أصبحت كاتبي المفضل! ولا متي توقف عن الإعجاب برجل المستحيل وتوقفت عن رؤيته في معجبيني وقت الصبا .. أنا الآن أبلغ ال27 من عمري .. هرمت .. كبرت .. شاخت روحي وأشياء أخري .. الثورة تفعل بمتابعيها  ما لا تفعله السنون .. توقفت حياتي .. ولكن ما زال هناك بعض الشغف  والحنين لتلك الطفلة التي تقف عند البائع حائرة تعد القروش القليلة المتبقية من مصروف الأسبوع.. تحتار في اختيار أي الأعمال لقرائتها حتي وقعت إحدي أعدادك بين يديها وأصبحت عادتها التي لا تتوقف عنها ولا تنفصل وكلما حارت في الحياة وأخذت منها الدنيا عادت للأوراق الصفراء الصغيرة تأملتها واحتضنتها وبكت ..
تذكرت كلماتك أتركوا لي ما تبقي مني .. لحديثنا بقية .. لا أعرف إن كانت رسالتي ستصل ربما تكون مثل باقي رسائل الهاتف التي لا أتوقف عن إرسالها لك وربما لا .. أنا فقط أحاول ولا أفقد الأمل .. كن بخير أيها المبدع فالحياة قاسية أكثر مما يجب وقاتلة أكثر مما نتوقع .. وأنت ممن يخففون عنا رحلتنا.
الكينونة
كلمات رقيقة جميلة كالدانتيلا تستحق أن أفتخر بها دومًا ...  بالنسبة لي يصعب أن أصدق أن ابنة 27 عاما لم تكن تلعب بدمية باربي منذ عام واحد !!
ما هي دراستك أو أين تعملين ؟  أتمني معرفة قصة البدء في قراءة أعمالي .
 أنتظر منك خطابات اكثر .... أنا منصت ... اكتبي رقم هاتفك لأرد عليه، فأنا لا أرد علي أي رقم لا أعرفه.
أحمد خالد
 الرسالة التالية: »‬وأنا أحب الأشخاص الذين لا ينتظرون وعدًا»...
علي أنغام أم كلثوم أقرأ رسالتك وأكتب عذرا أولاد أختي الصغار لا يتركون أي نافذة أو علامة علي الكمبيوتر ولا يعبثون بها .. (اللوتر في لغتهم المكسرة) .. تخرجت من قسم اللغة العربية عام 2008 وحاليًا أعكف علي إنهاء بحثي الذي لا ينتهي في الخطاب السردي المعاصر للرواية النسائية .. لا أعمل إلا إن كان مساعدة صحفي في كتابة مقالاته عملا، إذن أنا أعمل ..
منذ تخرجي تنقلت بين عدد من الوظائف .. مدرسة خصوصية خشيت العمل الحكومي في المدارس الذي سيمحو كل صورة جميلة لدي عن أمي رحمها الله التي كانت تعمل في التدريس .. ومرة صحفية في جريدة اقتصاد ولا تسأل كيف !! كتبت عدة مقالات عن الاقتصاد والذهب ولم يوقفني شئ غير أنني مللت من العمل وحدث ما لا يحمد عقباه ولهذا حديث آخر سيأتي تباعًا في كلماتي .. وتارة أخري عملت في العمل التطوعي لأكثر من 6 أعوام لا أمل ولا أكل منه رغم أنه بلا راتب .. و3 سنوات في تعليم العربية للأجانب كونت خلاله صداقات بعدد من الطلبة الأمريكان وغيرهم من الجنسيات المختلفة .. كانت أجمل لحظات الدراسة هو أن تجد من تشركه في تفاصيلك البسيطة من الأجانب كي تنقل مفرداتك وخلفيتك عن الحياة .. كنت أنقل خبراتي والمفردات الجديدة للطلبة المغتربين عن طريق اختيار البيئة الجديدة من خلال متحف، محل، حارة؛ أيا كان ومفرداته المتتابعة  الظاهرة من الاختلاط بالمحيطين ..
كان هناك رجل مسن يقابلني أنا وصديقتي فرجينيا عند القائد إبراهيم عام 2012 .. عملت فترة في التصحيح اللغوي الذي سيجعلك تتساءل عن كم الأخطاء اللغوية التي تظهر في كتابتي – في بعض الأحيان- ولكنه الزهايمر كما تعلم، وترك الاحتكاك بالتخصص والانكسارات المتتالية، وفقد الحلم يفعل أكثر من ذلك أنت تعلم أكثر مني ..
أعترف أنني لم أكن لأتوقع هذا الرد بتلك السرعة .. لدرجة أني خشيت أن يكون أحد آخر يرد .. فلتفترض حسن الظن هنا .. رغم أن بعض سوء الظن من محاسن الفطن .. ولكنه حلم الطفولة المؤجل الذي رفضت أن أحتك به وأبحث عنه وأنا في نهاية 27 وعلي أعتاب ال28 أقف دون أي شئ ودون تحقيق الأحلام حتي حلم الفارس الذي يفطمون عليه الصغار تلاشي وتبخر وأصبح مكانه حلم السفر بعيدًا من أجل بداية جديدة والابتعاد عن كل التفاصيل المرهقة الملازمة للحياة هنا .
حياتنا أصبحت جرداء صامتة لا تحمل أي فرح .. نحن جيل يشتكي من الأمراض أكثر من عدد الوجبات التي تناولها في حياته .. أعرف أني أكثرت في الحديث ولكني أتعجب من أين تأتي بكل هذا الوقت لقراءة رسائل المعجبين وكيف تقرأ أفكارنا؟!
لدي صديق صغير نسبيًا لفكرة كاتب يحمل هم التراث علي أعتاقه كتب رواية بعنوان الرئيس .. أجمل ما يخطه علي الورق هي تلك الذكريات التي يحملها معه عنا .. أتوقف عند هذه الأسئلة كما أتوقف عن لحظة أعجابي بفتي ما وأنا استتر خلف تلك النظرة الصارمة وقلة الحديث خوفًا من الانجراف في تجربة لا أعرف نتيجتها وأخشاها .. لا أعرف سوي يقيني بأن دعوتي أن تكون بخير وتظل دائما في الجوار وأن تحملك نفس الأرض التي تحملنا وأن يكتب لي يومًا لقاك الذي انتظره بشغف يحمل بين طياته عودة لتلك الطفولة التي تستتر خلف جدار الصمت والحنين!