رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (65 ) في مصر القديمة


محمود الورداني [email protected]
8/2/2018 4:54:13 PM

  أواصل هنا محاولتي لرسم بورتريه للشاعر عزت عامر، الذي كان قد شارك، وهو ضابط احتياط في الندوات الشعرية الغاضبة التي كانت تعقد في سائر الجامعات في أعقاب هزيمة 1967، وعندما شارك مع الشاعر الراحل أحمد عبيدة في لقاء شعري عُقد في قرية جنزور بالمنوفية، أُلقي القبض عليهما معا، وأودعا سجن شبين الكوم لعدة شهور، وتم خلالها إبلاغه بإنهاء خدمته، إلا أنه استدعي بعد ذلك بعد اندلاع حرب أكتوبر، ثم أمضي فترة قصيرة قبل إنهاء خدمته للمرة الثانية.
  أريد هنا أن أشير إلي أنني عمدت إلي كتابة الوقائع عارية دون تحليل أو تفاصيل، لأنها دالة في حد ذاتها علي الرحلة الطويلة الشاقة من الغرام بالكتاب المقدس، أي الارتباط بالشعر الذي كان بالنسبة له تجربة شخصية تماما، بل واكتشافا خالصا، بدأه بالمدخل إلي الحدائق الطاغورية، تحرر فيها تماما من الوزن معتدا علي موسيقي داخلية كان يتلمسها، وحلّق في سماوات مختلفة متأثرا إلي هذا الحد أو ذاك بتجربته المبكرة في قراءة الكتاب المقدس.
  علي أي حال كانت السنوات الثلاث بين 1973 و 1976، مرحلة جديدة في شعره من ناحية، وارتباطه بالأجيال الغاضبة من الكتاب والفنانين الذين كانوا يخوضون معاركهم الطاحنة من أجل انتزاع استقلالهم من ناحية أخري. أما في عام 1976 فقد شهد دخوله مستقلا معركة انتخابات مجلس الشعب في حي مصر القديمة. غني عن البيان أن عزت عامر وعددا آخر ممن نزلوا الانتخابات كديمقراطيين مستقلين، لم يداخلهم الوهم بالنجاح ودخول البرلمان، بل كان هدفهم الوحيد نشر مطالبهم وبرنامجهم وتوصيله للناس. وفي هذا السياق قدّم تجربة نموذجية دون أن يكون في حوزته أية تمويلات من أي نوع، وتحولت مقاهي مصر القديمة إلي ساحات للخطابة والنقاش ،كما احتشدت الحواري والشوارع الرئيسية بالمظاهرات والمسيرات التي رفعت الشعارات الجذرية ضد أية حلول منفردة مع العدو، إلي جانب المطالب الديمقراطية والاقتصادية الأخري التي التف حولها الآلاف من أبناء الحي.
  ولذلك السبب تحديدا، أي بسبب معركة انتخابات مجلس الشعب، وفور اندلاع مظاهرات 18 و19 يناير 1977، سارعت أجهزة الأمن بتقديمه كمتهم أول في القضية 100 حصر أمن دولة، لكنه هرب، والتقينا لنخوض تجربة الهرب معا، وكان عليّ أولا أن أتخلص – كما سبقت الإشارة من شقة دير الملاك التي كنت قد استأجرتها ببطاقتي الشخصية، وقمت بتأمينها شهرين أو ثلاثة قبل تلك الأحداث، لنستخدمها في اجتماعاتنا والاحتفاظ بالأوراق البالغة السرية، لذلك كانت المهمة الأولي قبل التخلص من الشقة هي أن يتم التصرف في الأوراق أولا. كان من المحتمل جدا أن يصدر قرار اتهام سريع من النيابة يتضمن إسمي وربما صورتي وينشر في الصحف، ومن المحتمل أيضا أن تقع الصحيفة في يد مالك البيت الذي استأجرت منه الشقة، لذلك تمكنت بمساعدة عزت وعدد من الزملاء من إخلاء الشقة قبل أول فبراير، بل واستعدت قيمة التأمين من المالك..
  وهكذا أمضينا أسابيع أنا وعزت نتنقل في أماكن مؤقتة. كانت أسابيع مشحونة بطبيعة الحال، للإفلات من أي مراقبة محتملة، ولعدم توريط من يستضيفنا، لذلك كنا دائمي التنقل، وبقينا فترة نعتمد علي مساعدات الأصدقاء العاجلة، ونحاول تأمين اتصالات منتظمة، ونبحث عن حل للهاث المتواصل بحثا عن مكان.
  وبعد أن أوشكنا علي اليأس، جاءنا الحل من صديقنا الفنان التشكيلي حسن عبد الغني، وهو ما سوف أعود إليه في الأسبوع المقبل إذا امتد الأجل..