رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

عودة مواطن إلي بر مصر


سارة قويسي
8/2/2018 5:05:58 PM

»هدفي الأساسي أن أعمل فيلما تتلقاه كل العيون، خصوصا عين ابن بلدي. لذلك يتهموني بأنني أصنع أفلاما (خواجاتية) وشكلية. وحقيقة الأمر، هو أن عيوننا لم تتعود بعد أن تكون الكاميرا هناك، لأنهم يريدونها في مكانه الدائم. وعندما غيرت قليلا مكان الكاميرا، قالوا: هناك نوع من الغربة بالنسبة للعين. إيماني كبير بأن عين المتفرج ستعتاد علي هذه اللغة السينمائية، وبالتالي سيصبح الأمر طبيعيا»‬.
(محمد خان، مخرج علي الطريق).

ذات مساء اقترح صديق عليّ أن أشاهد فيلم (عودة مواطن) لمحمد خان كنوع من التغيير في ما أشاهده في الفترة الأخيرة، ومحاولة لرؤية جذور واقعنا من منظور قديم نسبيا. ربما نجد سبيلًا لحل كل تلك المعضلات التي نمر بها. وقد كان الفيلم اجتماعيا واقعيا من الطراز الأول، يحكي حياة مواطن مصري عادي أجبرته الظروف علي أن يغترب عن بلده في نهاية السبعينيات، من أجل الرزق، ولقمة العيش، والزواج... وحين عاد في منتصف الثمانينيات يصدم من كل شيء، فكيف تغير المجتمع في تلك السنوات؟ وكيف تعايش شاكر –البطل- مع هذا الواقع؟!
شاكر يملك من الأخوة عددا لا بأس به بالنسبة للأسرة المتوسطة الحال، التي تعيش في منزلها الخاص، في ضاحية حلوان. له خال هزمته الحياة، وعدد من الأخوة، ورغم تخليه عن دوره في فترة سفره للخليج، يسعي بعودته أن يعوض إخوته عن السنوات الماضية، وأن يقوم بدور الأخ الأكبر الذي يلوذون إليه في محنتهم، وهنا تبدأ تفاصيل الحكاية.
يبدأ الفيلم بمشهد عودة شاكر إلي مصر وحيدا لا ينتظره أحد في المطار، ويذهب إلي إخوته ليسعدهم بحضوره.
تحتفل فوزية، الأخت الكبري، بعودته، ونفهم مبدئيا أنها قد فاتها قطار الزواج أثناء اهتمامها بإخوتها، ثم تتصاعد الأحداث ونجدها تتقبل مساعدة من مال أخيها، وكأنها تأخد (نصيبها) عوضا عن خدمتها لإخوتهم في غيابه. ورغم أن مقدمات الشخصية قد توحي بعكس ذلك، نجد فوزية تستقل وتبدأ في ممارسة حياتها بصورة مختلفة.
ونجوي، الأخت الصغري، التي تنسجم مع واقعها الاجتماعي وتتفاعل معه وتعيشه بكل تفاصيله المرهقة ببشاشة مدهشة. فهي الفتاة خريجة الجامعة التي تعمل مضيفة في أحد الفنادق، وترفض تدخل من حولها في خصوصياتها، وتحب زميلها في العمل، وتبني معه عش الزوجية وتختار الشقة دون أن تبلغ أحدا.
وإبراهيم، شقيقهم الأوسط، الذي يعيش حالة من الإحباط والاكتئاب، وعند تخرجه من الجامعة جلس في المنزل لا يفعل أي شيء سوي انتظار خطاب القوي العاملة، وتسيطر عليه المخدرات حتي يكاد أن يفقد حياته لولا تدخل خاله في الوقت المناسب، ومحاولة أخيه شاكر انتشاله من براثن الإدمان، ليعود منتظرًا أن يضع أحدهم نهاية لمعاناته.
أما مهدي، شقيقهم الأصغر، الذي يربي الحمام، ولكنه في حقيقة الأمر ينتمي لتنظيم سري، ويشبه خاله الذي أضاع شبابه علي العمل السياسي ولم يتزوج.
في هذا الفيلم يوجه الراحل محمد خان النقد الدائم لسلبية شخوص الفيلم، رغم أنه يري شخصياته من منظور آخر، فهو يقول: »‬إن شخصياتي نبيلة وتريد تحطيم القيود التي تكبلها في حياتها اليومية.. حتي الموظف الذي أصوره في أفلامي موظف ثائر علي وضعه ويسعي للخروج من حالة الركود التي يعيشها». فهل كانت الشخصيات ضحية للتغيرات التي جرت في المجتمع المصري بعد الانفتاح الاقتصادي؟ ربما!.. ولكن سنحاول أن نجيب علي هذا التساؤل الذي طرحناه.
سلبية الشخصيات تجرفهم في تيار المجتمع وتجعلهم رغمًا عن اختلافهم إلي حد كبير جزءًا منه، ففوزية تقرر أن تتحرر فجأة من كل شيء وتبدأ مشروعا لبيع الحلويات، فهل كانت راضية عن حياتها السابقة، أم أن بذور ذلك كانت موجودة لديها منذ البداية وكانت تنتظر اللحظة المناسبة؟
ونجوي المتمردة بطبعها المتأقلمة مع وضعها داخل المجتمع، والمهم أن تنجز أهدافها، وهذا عكس إبراهيم الأخ الخاضع الخانع لكل شيء يسير حيثما يدفعه التيار، تارة هو شاب مدمن لا يقوي علي فراق المخدرات، وتارة هو جالس في البلكونة يتأمل السماء في شرود، أو يلعب الشطرنج. أما مهدي الصغير فقد يكون الاستثناء فيهم، لكن ما هو مصيره؟ هل نتخيله الآن يعيش مهزوما كخاله؟
وشاكر الذي يهرب من المواجهات، فهو رغم دراسته للقانون يخاف من دخول قسم الشرطة، ويتجنب لقاء خاله المعتقل السابق، نجده بحث عن حياة جديدة بالاغتراب ولو كان ثمن تلك الغربة هو أن لا يعرف نفسه داخل أسرته ومجتمعه، وقد ظن أن المال سيحل كل المشاكل، لكن الأمور لا تسير علي هواه، وحلم العائلة يتفتت من بين يديه. هل تعلم شاكر الدرس؟...
مشهد النهاية يحمل تفسيرات عديدة! لكن محمد خان سعي لتحليل طبقات المجتمع وخاصة الطبقة المتوسطة التي تكاد أن تختفي بطريقة مختلفة، وإشراك المتفرج في ذلك، فهو يريد أن تأتي الإيجابية من المتفرج بعد لوم سلبية شخصيات الفيلم التي هي جزء من الواقع الفعلي لحياة المصريين.
ولكن تلك الإيجابية لا تنقي المعاناة، فمازالت المعاناة تعصر تلك الطبقة وتنقلها كل يوم من حال إلي حال، في ظل أوضاع اقتصادية مرعبة. ولكن رغم ذلك يقول خان: »‬عامة أنا لا أفكر في المتفرج، هل الرسام يفكر فيمن ستعجبهم لوحته؟».