رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

حنا مينه


شعبان يوسف
9/1/2018 1:28:24 PM

هناك عادة سيئة، سادت مؤخرا منذ عدة عقود، وهي عند وصول كاتب معين إلي السبعين أو الثمانين من عمره، تبدأ شائعات الموت تلاحقه من هنا أو هناك، ونجد أن صحفا مرموقة تنشر الخبر دون أن تعتذر بعد اكتشاف عكسه، وكأن الميت الذي استبيحت حياته بهذا الشكل ليس له أدني حرمات، حدث هذا مع الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، ونشرت الخبر صحف ومجلات عديد عام 1999، ومن بين هذه الصحف جريدة الحياة..

 ولأن جريدة الحـياة تحـترم نفســها، كتب الكاتب الصحفي الكبير جهاد الخازن اعتذارا عاطفيا محترما صاحب هذا الاعتذار الرقيق بانوراما سريعة علي طريقة جهاد العذبة والرقيقة، وأعلن أن الاعتذار نوع من الواجب، والصحفي الذي لا يعرف الواجب لا يعوّل عليه، وللأسف لا يدرك كثير من الصحفيين قيمة الواجب وثقافة الاعتذار، كما لو كان الخـبر أو المقـال لن يتركا أثرا ســلبيا عـند نازك الملائكة التي كانت تعيش في حالة نفسية متردية في ضاحية حدائق القبة بالقاهرة.
هذا غيض من فيض، فكما حدث هذا مع نازك الملائكة، حدث مع الدكتور حامد عمار رحمه الله، ويحدث حاليا مع د. نوال السعداوي أطال الله في عمرها، وللأسف تكرر الأمر مع كاتبنا السوري الراحل الكبير حنا مينه، وللأسف كلما زادت المواقع والصحف الإخبارية، ازدادت معها عدم المهنية، ويظل جهاد الخازن نموذجا للصحفي المهني بامتياز، وللأسف هناك محررون متعجلون، ويعتبرون أي خبر من هذا النوع، وكأنه سبق يستحقون عليه المكافأة، ولا راد لقضاء الله في مثل هذه الكوارث التي تترك _بالتأكيد_ آثارا سلبية علي الشخص الذي تقوم حوله الإشاعة، التي تستدعي أشخاصا من عائلته للتكذيب المستمر.
وحياة حنا مينه التي بدأت واستوت علي الأرض منذ سنوات بعيدة، كانت مليئة بالتجارب المؤلمة والتفاصيل الحادة والمنعرجات الخطيرة، للدرجة التي أصبح الكاتب العربي الذي خاض كل المهن الدنيا، تلك المهن التي تدعو لليأس، ولكن روح حنا مينه الوثابة، كانت تقفز بخفة عصفور علي تلك الحواجز، ومن الجميل أنه حكي عن تلك الحيوات والتجارب القاسية بيسر شديد، وكذلك وضع موازيا إبداعيا لتلك الحياة وهذه التجارب في ثلاثية روائية، بدأها بروايته السيرية »بقايا صور»‬، وقدمتها الكاتبة الدكتورة نجاح العطار، صديقته ورفيقة دربه، وهو الكاتب الذي كاد أن يكون أميّا، وهي الكاتبة والدكتورة، وقد وصل بها الأمر لكي تشغل منصب وزيرة الثقافة لزمن طويل.
ويعدّ حنا مينه من أكثر الكتاب السوريين من جيل الرواد، قيمة وغزارة ودأبا واستيعابا لتفاصيل الحياة، حتي إن رفيقه سعيد حورانيه ، كان قد أهداه كتابه »‬شتاء قاس آخر»، وقال له فيه : »‬إليك يا حنا مينه، يا من فهمت ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية، أقدّم هذه القصص» ، ومنذ الوهلة الأولي يشعر المرء بأن هذا الإهداء يأتي كمبالغة في مديح الكاتب وتقريظه، فكيف يجتمع الضعف البشري والقوة الإنسانية في إدراك ووعي شخص أو كاتب واحد، فالطبيعي أن الإنسان الذي عاش قدرا عميقا من البؤس، هو الذي يدرك تفاصيله، ولا مجال هناك لإدراك أي تفاصيل أخري، ولكن الأقوياء نفسا ووعيا وروحا يقدرون علي إدراك تلك التناقضات، وكذلك هؤلاء الذين خاضوا التجارب الإنسانية الوعرة، واستطاعوا أن يستوعبوها، ثم يتجاوزا العوائق والفخاخ التي نصبت لهم.
وفي مقدمته التي كتبها الشاعر والقاص والناقد شوقي بغدادي _مدّ الله في عمره_ لرواية حنا مينه الأولي، وهي »‬المصابيح الزرق»، والتي صدرت عام 1954، أشاد إشادة بالغة بصديقه الكاتب الجديد، ورحب بروايته الأولي أيما ترحيب، ومن الطبيعي أن يمارس كاتب المقدمة نوعا من »‬الأستذة» علي المبدع، حتي لو كان ذلك المبدع متفوقا عن كاتب المقدمة، والذي يشبه في كثير من الأحيان، »‬الوصيّ» علي المبدع وإبداعه، لكننا لم نفقد ذلك التعاطف الذي أبداه بغدادي مع صديقه حنا، حيث إن بغدادي سرد لنا في مقدمته العاطفية، كيف أنشأ حنا روايته، وكيف كان يأتي لهم كل فترة ليحكي لهم ماحدث، وما أنجزه، وهكذا كانت تدور حوارات بين حنا ورفاقه، وتبعا لذلك كان حنا يعود إلي منزله، ويعمل علي خطط الحذف والإضافــة بعــد حــواراته الثرية، ولكنه كان يعمل ذلك بروح المنشئ الوحيد، والذي يعرف أسرار أبطاله فارس والمندليف ومكسور المبيض وكل أبطـال الـرواية أكـثر من غـيره، فهـم رفاقـه
وأصحابه وربما بعض أبناء عائلته، وبالتأكيد فحنا نفسه متمثل في تلك الرواية بأكثر من شكل.
فالرواية تدور في اللاذقية ، مسقط رأس حنا مينه، وكذلك كانت اللاذقية هي ملاعب صباه وشبابه الأول، ومحطة بؤسه الذي عاشه بكل جوارحه، وأيضا كانت محلّا لنزواته العاطفية الساخنة، والتي نهضت بقوة في روايات أخري، مثل الشراع والعاصفة، وبقايا صور، والياطر، ولكن »‬المصابيح الزرق»، وهي كما أسلفنا روايته الأولي، تلك الرواية التي تدور في أجواء الحرب، في اللاذقية، رغم أن وطيس الحرب العالمية الثانية، وهي الحدث الذي تجري فيه أحداث الرواية، لم تكن اللاذقية مسرحا أساسيا لها، مثلما كانت دمشق، ولكننا نعلم بأن الحرب كانت تتسلل إلي كل أطراف البلاد، ولكن بنسب ومستويات مختلفة.
فارس ليس البطل الأول كما يبدو من الرواية، وكما يقرر كاتب المقدمة، وكذلك يكتب محمود أمين العالم في مقال نقدي له عن الرواية، نشره آنذاك في مجلة »‬الرسالة الجديدة»، والذي يقرأ الرواية، سيدرك علي الفور أن حنا مينه يكتب عالما عاشه هو بجدارة، وإن كان عالم الرواية عالم فني بجدارة، ويعمل فيه الخيال بقوة، ولذلك لم يدرك ناقدنا القدير شوقي بغدادي قوة الخيال علي الواقع، فنجده _أي بغدادي_ ينتقد الكاتب لأنه لم يكتب حياة أبطاله كما يريدها هو، أو كما يطلبها القارئ حسب أمنيات شوقي بغدادي، ولكن تيمة الوصيّ دائما هي التي تضفي قدرا كبيرا من المؤاخذات، ورغم أن حنا مينه تقلّب في العمل السياسي الشيوعي بجدارة، إلا أنه لم يترك نفسه لماكينات الرؤية الواقعية الانعكاسية التي كانت تعمل بقوة في كتل اليسار الذي كان فتيا علي المستوي السياسي، ولكنه كان “جدانوفيا” علي المستوي السياسي، نسبة إلي جدانوف الروسي الذي كان يتخيل الأدب متمما أو منفذا للعمل السياسي، وكذلك قدّم محمود أمين العالم مقالا كان النقد فيه قليلا، والوصف فيه كثيرا، وهذا النوع من الكتابة كان مطلوبا آنذاك بقوة، ذلك النوع الذي يشرح ويلخّص العمل الفني، ولكن ناقدنا الراحل الكبير، قدم لنا في نهاية المقال مجموعة مؤاخذات أخري علي النص الروائي، مؤاخذات أو ملامح أو ملاحظات كانت جديرة بالاحترام والاعتبار في الوقت ذاته، ولكن المبدع دوما يعمل وفقا لقناعاته هو، بعيدا عن آلات الناقد الحادة.
ورغم أن الحياة الثقافية العامة تعرفت علي حنا مينه بشكل واسع من هذه الرواية »‬المصابيح الزرق»، إلا أنه كان قد طرق الحياة الأدبية منذ عشر سنوات خلت قبل هذا التاريخ، إذ أنه بحكم ارتباطه باليسار واليساريين، نشرت له مجلة الطريق عام 1945، قصة قصيرة، وكان عنوان القصة »‬طفلة للبيع»، وكانت القصة ساذجة  وصارخة وواعدة في آن واحد _حسب وصف وتعبير محمد دكروب_، وشغلت القصة مساحة أقل من صفحة واحدة من المجلة، وهذه القصة يلخصها دكروب ببساطة شديدة:(مشهد من الشارع، في يوم ماطر، لرجل فقير ينادي ليبيع ابنته ، ابنة الثالثة عشرة، لأن في بيعها إلي عائلة موسرة ضمانا لها :أن لا تموت جوعا..)!
هكذا نلاحظ ان حنا مينه الذي تجاوز العشرين بعام واحد، وكان غارقا في العمل السياسي، وبالتالي كان متأثرا بوجهات نظر الرفاق، الذين يتعاملون مع الفن وفقا لقيم اجتماعية، تخلو تقريبا من شروط الفن إلي حد كبير، ولكن هذا الشاب المكافح، والذي عمل في مهن كثيرة متدنية، وخبر المجتمع في مستويات عديدة، استطاع أن يتجاوز تلك المنعطفات الأدبية، والمحكوم عليها بالرداءة، ولدينا حفنة ضخمة من هذا الأدب الردئ الذي كان يخضع لتلك المواصفات النقدية الهاتفة والهادفة، والتي أفسدت الفن والفنانين والمتلقين معا، ولأن كاتبا كبيرا مثل نجيب محفوظ خرج عن هذه الوصايات وتلك التحفظات التي أبداها بعض الممتعضين تجاهه، ولم ينصت إلا لروحه المبدعة، صار نجيب محفوظ الذي نعرفه.
كذلك حنا مينه الذي كتب قصته الأولي »‬طفلة للبيع» وفقا للمواصفات التي كانت مطلوبة آنذاك، ولم يلتزم بها في تطوره فيما بعد، وكتب روايته الأولي بعد تطورات عنيفة في عملية الخلق الفني لديه، لم تحظ الرواية بذلك الرضا اليساري في ذلك الوقت، وكذلك جاءت روايات حنا مينه فيما بعد، خارج دستور الوصايا، ولوائح النقد الأدبي التي كانت مقررة علي المبدعين في ذلك الوقت.
والمدهش أن حنا مينه ذاته، كان ملتزما سياسيا علي المستوي النثري، ولكنه كان عندما يبدع يلقي بكافة أفكاره خارج ذاته، ويطلق أجنحة الإبداع علي آخرها.
قبل أن يقفز إلي عمر الثمانين بشهور قليلة، ذهب حنا إلي صديقه محمد دكروب، وقال له وهو يحمل هموما شتي : (يامحمد! تعبت ! ، اكتفيت ! أتوب عن الكتابة.. الكتابة عذاب يومي .. صار يحق لي أن ارتاح!)!..
طبعا هي حياة طويلة ومريرة وقاسية، عندما نشر حنا قصته الأولي ، كان يعمل في دكان حلاق في مدينة اللاذقية، ترك المدرسة، وكان مضطرا، وتشرّد مع والديه وأخواته الفقراء جدا، ثم هاجرت أسرته من اللاذقية إلي لواء الأسكندرونة، ومن الأسكندرونة بعد أن سرقه الأتراك، وفصلوه عن سوريا، بالتعاون مع الفرنسيين، تشرّد بجدارة مع عائلته في كافة أنحاء سوريا، ليجد نفسه بعمل عدة أعمال بائسة، ثم يعود إلي موطنه الأصلي اللاذقية ليعود إلي مهنة الحلاقة مرة أخري، وكان يمارس القراءة والكتابة في ذلك الوقت، تحت وطأة تلك الظروف التي كتب فيها قصته “طفلة للبيع”.
يقول محمد دكروب : (وبدأ المشوار، هو كان يقرأ كثيرا كل ما يصل إلي يده من كتب ومجلات، وينجذب إلي كتابات اليساريين ومنشوراتهم..)
وهل كان يعلم محرر مجلة الطريق أن حنا مينه سينحرف لكي يكتب قصصا خارجة عن الإطار المرسوم لليساريين آنذاك، وسوف يكرر كتابة إبداعه علي منوال طفلة للبيع، الإجابة أن حنا استمر في تطوره، وتجويد ما يكتب بشكل فني عميق، وكانت لديه قناعة بأن قصته هذه الأولي سوف تنتج إبداعا ذا شأن مرموق.
فأصدر روايته الأولي »‬المصابيح الزرق» 1954، والتي كما أسلفنا تحكي قصة أهله أثناء الحرب في اللاذقية، وتحت وطأة الجوع والفقر وكافة مآسي الحرب المعروفة، ولكنهم رغم كل ذلك كانوا يناضلون من أجل التحرر بجميع صوره، التحرر من الاستعمار ومن الاستتبداد المحلي ومن الجوع والفقر، والإصرار علي التعلم، وتجاوز كل أنواع الجهل.
ثم جاءت روايته الثانية »‬الشراع والعاصفة»، وهي تحكي هموم ناس البحر، وتعد هذه الرواية إحدي الروايات المؤسسة لأدب البحر، وهي تسرد ملحمة نضال وكدح إنساني عارم في مواجهة عواصف البحر العالية، أما روايته الثالثة »‬الثلج يأتي من النافذة»، تصور كفاح وقتال مناضلين سوريين منفيين في لبنان، وفي ظروف العمل السري، وتتعدد فضاءات رواياته وأماكنها،كما يخبرنا محمد دكروب، وفي روايته »‬بقايا صور»، يترك لنا حنا مينه نفسه وأجنحته لكي يحلق بنا في فضاء حياته هو ، حياته عندما كان طفلا وصبيا وشابا، وتكتب عنه د. نجاح العطار دراسة طويلة، لترصد فيها تفاصيل حياته، وأشكال تطوره الفني.
لم تكن مساهمات حنا مينه في الإبداع الروائي والقصصي فقط، بل كتب كتبا كثيرة في النقد الأدبي، وله كتاب عن ناظم حكمت، استطاع فيه أن يرصد بضع ملامح وقسمات لهذا المناضل التركي العظيم، وبالتأكيد كانت حيوات هؤلاء المناضلين تستهويه، ويعمل علي تحليل نصوصهم الفارقة، ويجد فيها عزاء له، إذ إنه لم يترك موقعه السياسي كيساري عتيق وقديم ومثابر، رغم أنه لم يلتزم ذلك الالتزام الحديدي الذي يفرض نوعا من الحرفية في الكتابة، لذلك لا يصلح أن نضع حنا مينه في خانات نقدية صارمة، لا يستطيع الباحث الجاد أو الناقد الحصيف، أن يقول إن كتابة حنا مينه تنتمي إلي تيار الواقعية، أو الواقعية السحرية، فإبداعه يخرج عن كافة تلك الأنماط، إنه إبداع وفقط.
وكذلك له كتاب مشترك مع د. نجاح العطار عن أدب الحرب، كتباه في أعقاب انتصار أكتوبر عام 1973، واستطاعا أن يكشفا عن مفاهيم جديدة وأخري لأدب الحرب، فليس كل ما كتب تحت رصاص الأعداء نعتبره أدب حرب، وليس كل ما كتب عن الحرب بشكل مباشر، نعتبره أدب حرب، كذلك ليس كل ما يكتب بعيدا عن الحرب بشكل مباشر، هو خارج أدب الحرب، أدب الحرب لا يتعلق بحدث، ولكنه يتعلق بنوع كتابة ما، ويخترق حدودا ليست مرئية، ولكن القارئ والباحث يستطيع أن يلمس تلك الحرب في أي كتابة، حتي لو كانت عن الحب.
حنا مينه حالة كتابية متوهجة، عاش طويلا من عمره، وسوف نعيش معه نتلمس خبرته العظيمة في تجاوزه لكل المحبطات وأشكال اليأس التي تنهض في حياتنا.