رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (٦٩ ) إسكندرية في رقبتك ياحاج!


محمود الورداني [email protected]
9/1/2018 1:33:33 PM

 ربما يلحظ القارئ أن هذه السلسلة التي امتدت لثمانية وستين عمودا، واتسع صدر أخبار الأدب لنشرها، لم تتجاوز حتي الآن ، بل لم تصل إلي نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، والذي اعتبره عقدا فارقا في الثقافة المصرية، مثلما هو عقد فارق في السياسة، فقد شهد كل الانقلابات الدراماتيكية التي أعقبت حرب أكتوبر.
  وقبل أن نصل إلي نهاية العقد، اندلعت انتفاضة 18 و19 يناير 1977 ، واختار السادات بسببها أن يمضي في طريق الضياع إلي نهايته، ولنتذكر أنه  قبل نهاية العام أعلن في مبادرة عجيبة عن استعداده لزيارة إسرائيل دون مقابل. وعلي المستوي الثقافي ، امتدت كل الخيوط وسارت إلي نهايتها. فمثلا إذا كان هناك منذ منتصف السبعينيات من الكتاب والفنانين والصحفيين من اختار الهجرة الإجبارية والعمل في العراق ولبنان والكويت وبعض العواصم الأوروبية ، فيما أطلق عليه آنذاك ظاهرة الطيور المهاجرة، فإن التطورات اللاحقة أجبرت من كان قد تبقي منهم علي الرحيل. وشهد الإنتاج الفني انفلاتا مذهلا بل ومخيفا، ليس فقط فيما يتعلق بأفلام المقاولات، بل إن المسرح أيضا ، وأعني هنا ماكان يٌطلق عليه مسرح الدولة، كان قد بدأ  يلفظ أنفاسه.
وربما كانت الواقعة التالية التي أسوقها هنا ذات دلالة تتجاوز الواقعة ذاتها، وتنسحب علي الثقافة والإنتاج الثقافي ممثلا في المسرح والسينما والمجلات، وقاعات العروض التشكيلية التي كان قد بدأ بيعها لتستخدم كبنوك ومطاعم، ولم يعد هناك من يقاتل في الميدان إلا مجلات الماستر وبعض التجمعات والجمعيات الأدبية القليلة المحدودة الانتشار مثل جمعية كتاب الغد.
  أما الواقعة ذات الدلالة التي أسوقها فهي لقاء السادات بمقاول الإسكندرية الشهير رشاد عثمان، وفي اللقاء قال السادات لرشاد عثمان في حضور صهره وصديقه الأثير المقاول والمليونير الحاج عثمان أحمد عثمان: إسكندرية في رقبتك ياحاج رشاد، وقد أكد الحاج الواقعة لي بنفسه بعد عدة سنوات ، عندما التقينا في سجن طرة عام 1982 ، فمبارك كان قد بدأ حكمه بإلقاء القبض علي عدد من ضباع الفساد المنتشرين مثل: عصمت السادات ورشاد عثمان وغيرهما.
  أي أن الأمور كانت قد تجاوزت كل حد معقول أو غير معقول. والشبهات المحيطة برشاد عثمان لم تكن خافية( ومن تلك الأحداث المحيطة بما كان يجري في ميناء الإسكندرية، ساحة المعارك الأساسية لرشاد وغيره، استمد المخرج الكبير داود عبد السيد سيناريو فيلمه المهم الصعاليك) وعندما يجد السادات الجرأة ليقول له علنا إسكندرية في رقبتك يا حاج رشاد فمعني هذا أن البلد كانت في طريقها إلي النهاية.
  ويستطيع القارئ دون أي مبالغة أن يتخيل أن كل ما كان يجري في الواقع الثقافي ، تكرر ويتكرر علي ذلك النحو: إسكندرية في رقبتك ياحاج، وتفاقمت الأمور وبدأت نُذر ما أطلق عليه الانفتاح الاقتصادي، وراحت الانفجارات المكتومة تتوالي مع خروج الملايين من الفقراء للعمل في الخليج، وعودتهم محملين بالمراوح الكهربائية وأجهزة التسجيل ذات السماعات الضخمة والمحمولة علي الأكتاف.
في خضم تلك الظروف واحتدام المناخ الخانق بل والمهين لبلادنا، كنت أبتعد رويدا عن الكتابة، وتوقفت لفترة طالت لسنوات، ورأيتُ آنذاك أن انخراطي في العمل السري هو الأجدي. لذلك عندما اندلعت الانتفاضة، وتقرر هروبي، وبالتالي تعرضي للفصل من عملي كأخصائي اجتماعي بمدرسة أحمد ماهر الإعدادية بالمنيل، كنت انتقل بسهولة ويسر من عمل علني يضمن لي مرتبا منتظما وبعض الامتيازات القليلة، إلي حياة غير مستقرة ومهددة دوما بالسجن والتشريد.
 في الأسبوع المقبل أواصل إذا امتد الأجل..