رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي (٧٠ ) وراق العرب التل

كتابة


محمود الورداني [email protected]
9/8/2018 2:29:50 PM

لم تكن سنوات عقد الستينات من القرن الماضي عاصفة وفارقة علي المستوي السياسي والثقافي فقط، بل وعلي المستوي الشخصي أيضا. حسمتُ مثلا مستقبلي الشخصي، واخترت أن أترك عملي كأخصائي اجتماعي في مدرسة أحمد ماهر الإعدادية، وانخرطتُ في صفوف المنظمة التي انتميتُ لها. أتذكر أنني لم أتردد عندما عرض عليّ الزملاء هذا الأمر، وكنت قد ربطتُ نهائيا مصيري الشخصي بأفكار اقتنعت بها ورأيت أنها الصواب الوحيد.
علي المستوي الشخصي أيضا التقيتُ بالفتاة التي ارتبط مصيري بمصيرها، ووقع كل منا في غرام الآخر. لم أكن أنا الشخص المناسب لها، فأنا بلا عمل رسمي ولا أملك مدخرات ولست علي استعداد للتخلي عن اختياري ، بينما كانت هي مهيأة لحياة أخري مستقرة، لكنها اختارتني واختارت مصيري وارتبطنا سويا حتي هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور.
شهور قليلة جدا، ربما لم تتجاوز أربعة شهور منذ التقينا، ترددت خلالها علي بيتها طالبا الزواج منها، وفي كل مرة كانت والدتها ترفضني، ومعها كل الحق طبعا، فأنا علي الأقل بلا مسكن، وأغفلتُ أنني بلا عمل،بالاتفاق مع عائشة زوجتي فيما بعد، وبعد جولات من المفاوضات الشاقة حسمتها عائشة بأنها لن ترتبط إلا بي.
  وهكذا عقدنا قراننا في فبراير 1978، ولم أشعر باستقرار وأمان في حياتي إلا في تلك الفترة، علي الرغم من أنني بلا عمل ولامسكن وليس مطروحا تغيير هذه الظروف، بل المطروح هو استمرارها مع احتمالات الاعتقال في أي وقت.
  بدا لي في تلك الفترة أن احتمالات عودتي لكتابة القصص بعيدة جدا، ولم أضبط نفسي أفكر في الكتابة، فقد استولت المنظمة وعملي في صفوفها علي كل تفكيري، وكادت قراءاتي تقتصر علي الكتب الماركسية، كما استهواني تاريخ العصور الوسطي في مصر.
  دبرت مائتي جنيه، لا أعرف كيف، واصطحبتُ صديقي عزت عامر إلي الوراق، وكان هو قد سبقني وسكن هناك، ورحنا نسير معا باحثين عن شقة لأتزوج فيها. كانت منطقة الوراق آنذاك مكانا عشوائيا بامتياز.حواري ضيقة جدا ومحلات جزارة لاتنتهي، ورائحة القمامة و الحيوانات المذبوحة فظيعة، والذباب يهاجم الواحد بضراوة في الطرقات، وبقايا الأرض الزراعية تجاهد من أجل البقاء، وانتصبت هنا وهناك هياكل لبيوت فقيرة وغير مكتملة. وبعد لأي عثرنا علي هيكل شقة كانت مجرد طوب أحمر في الدور الثاني في وراق العرب التل، هذا هو اسمها، ورفضت صاحبة البيت أولا أن أسكن فيها وطلبت 500 جنيه حدا أدني، وبعد نقاش ومفاوضات وافقت علي المبلغ الذي في حوزتي، وقالت إنها وافقت فقط لأننا » ناس متعلمين»‬!.
  كانت الشقة بلا ماء ولامجاري، كما أنها كانت بعيدة، ومجرد الوصول إليها عبر الحواري أمرا بالغ الصعوبة. لم تكن المواصلات العامة قد وصلت إليها، وكانت وسيلة المواصلات الوحيدة سيارات نصف نقل متهالكة يُحشر الناس فيها، وتسير علي أرض غير ممهدة حتي تصل إلي امبابة، ومن هناك يستقل الواحد المواصلات العامة.
  كانت تلك هي الخطوة الأولي : تدبير مسكن بأي طريقة لأتزوج فيه. ولما طال انتظارنا لتشطيبها،
ومن ثم الانتقال إليها، اضطررنا للإقامة مع حماتي عدة شهور. وكانت المشكلة الأولي هي تدبير طريقة للخروج يوميا في الصباح، حتي أحافظ علي سيناريو أقنعنا به حماتي وهو أنني أعمل في إحدي المدارس، لذلك التحقت بالمعهد العالي للمسرح وأمضيت عاما في قسم النقد بعد أن اجتزت اختبارات القبول.
  في العدد القام أستكمل إذا امتد الأجل.