رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

ثلاثون عاما علي رحيله

فـتحي رضوان..الباحـث عن القدّوة


محمد رفاعي
10/13/2018 10:52:42 AM

نرصد قائمة طويلة حين نعرف »فتحي رضوان»‬، أولها: الفنان والأديب والكاتب المسرحي والمحلل التاريخي والسياسي والمحامي  وأول مؤسس لوزارة الإرشاد القومي بعد ثورة 1952، وهو المناضل  في سبيل الوطن والاستقلال والعدل حتي الرمق الأخير

في غمرت الأحداث المتلاحقة التي عصفت بمصر،  مرت مئوية المناضل الوطني »‬فتحي رضوان» دون أن يلتفت إليها أحد،  والرجل تنبأ بالثورة الشعبية قائلا : »‬ إذا كان كل شيء لا يوحي بالكرامة ولا الإحساس بالصلة بهذا التاريخ العظيم،  فليس ذلك النهاية،  إنما البعث سيأتي ولابد أن فيضانا ما ستتدفق مياهه علي هذا الوادي المجدب الذي يبدد كل شيء عظيم ونبيل »‬ تحققت نبوءته في يناير 2011، ويونيه 2013،  بينما الخوف أن ينتصر الحدب بانتصار الثورة المضادة.
  ولد »‬فتحي رضوان»في مايو 1911، ومات في أكتوبر1988، كما هو منقوش علي الشاهد الرخامي فوق ضريحه أسفل القلعة،  يشاركه في الضريح كل من أحبهم في الدنيا وسار علي نهجهم من زعماء الحزب الوطني القديم :مصطفي كامل،  محمد فريد،  عبد الرحمن الرافعي.  
  تفتح وعي »‬رضوان »‬مبكراً، بدأ نضاله  السياسي،  وهو دون العشرين  في صفوف الحزب الوطني  الذي أسسه »‬مصطفي كامل»،ثم شارك »‬أحمد حسين»تأسيس »‬حزب مصر الفتاة»عام 1933، وشاركه في »‬مشروع القرش»الذي دعا إليه »‬أحمد حسين» حين كان طالباً في كلية الحقوق،  لاقت الدعوة نجاحا وإقبالا واسعا عند كافة المصريين،  هذا المشروع عرّف »‬فتحي رضوان »‬بكافة رجال الدولة،  السياسيين والمثقفين.  
   مطلع عام 1942 رجع  »‬رضوان» إلي صفوف الحزب الوطني، في عام 1949 أسس »‬الحزب الوطني الجديد »،  بعد أن ضاق بالحزب القديم،  وخرج من المعتقل ليكون أول المدنيين من رجال الحركة الوطنية الذين تعاونوا مع ثورة 1952، شارك في أول وزارة شكلها »‬محمد نجيب »‬في سبتمبر 1952وزيرا للدولة ثم وزيرا »‬للإرشاد القومي»، هي الوزارة التي طوّرت فيما بعد لتصبح وزارتي الثقافة والإعلام وبقي في العمل الوظيفي حتي استقال في أكتوبر 1958..بقي متفرغا للمحاماة والكتابة الأدبية،  بعيدا عن العمل العام  حتي توهج مرة أخري في الثمانينيات.  
‎   يؤجز الناقد »‬فاروق عبد القادر»منهج »‬فتحي رضوان»بأنه ينتمي إلي مدرسة في النضال الوطني تتسم بالموقف الصلب ضد الاستعمار والفساد السياسي والحزبي،  ويحرص في ذات الوقت علي نقاء المسلك الأخلاقي وضرورة أن يضرب القادة والزعماء المثل والقدوة في شرف المقصد واستقامة المسعي ونزاهة العقل والضمير،  لهذا ظل »‬رضوان »‬طوال حياته منتمياً لصفوف الحزب الوطني وظلت أفكاره وممارسته هي الإطار المرجعي الثابت،  في ضوئه يحدد حكمه علي الأشخاص والمواقف،لذلك ظل معارضا،  لا  يتألق جوهره إلا بين صفوفها،  ولذلك أيضا ـ عرف السجون والمعتقلات،  دخلها أيام الاحتلال البريطاني لمصر،  أيام حكومة صدقي،وهو في شبابه ودخل السجن وهو في السبعين في سبتمبر 1981أيام حكم السادات.                         
   وجد »‬فتحي رضوان» ملاذا وطنيا ذاتيا،  فلم يقع في التناقض الحاد الذي وقع فيه الكثيرو ن،  بين الوطنية المصرية وبين عروبة مصر ودورها،  وبل وجد ملاذا إنسانيا أيضا،  أفكاره التي يؤمن بها هي قيم إنسانية مثل العدل والحرية والمساواة،  هو يصف نفسه في مفتتح أحد كتبه »‬أنا عينة للمصري العربي الفرعوني،  وللمسلم المجدد المحافظ،  للشرقي العربي،  الأسيوي الأفريقي،  للوطني المسالم المؤمن »‬بالغاندية» والمقاومة السلبية،  وللوطني الثائر المعجب بالطريقة الأيرلندية والمقاومة الايجابية ..أنا المصري الذي أعيا »‬لغزه»‬»‬الدارسين والباحثين و»‬الطلسم» الذي أعجز أهل اليسار وأهل اليمين،  أنا المسلم الذي يلبس من أوربا وكأوربا ويقرأ الأوربيين وكالأوربيين والذي أراد الزمان أن يقطع صلته الروحية بأعلام المسلمين وبتراثهم الثمين».

كان »‬فتحي رضوان» في أغلب آراءه السياسية والوطنية وانخراطه  في المجتمع المدني،  أقرب إلي الفكر الإسلامي المتفتح المجدد الذي يستوعب كل الثقافات والحضارات دون أن يتخلي عن مبادئ الإسلام الوسطي وتراثه الفكري، بل يضيف لها رؤية عصرية تقبل الواقع وتتفاعل معه وهو يملك رؤية مستقبلية مبنية علي معطيات العصر،عندما إقتحم عالم السيرة النبوية،  لا يقدمها من منظور زمانها،  إنما قدمها من منظور ورؤية العصر الذي عاشه،  و ناقش »‬رضوان»في كتاب »‬محمد الثائر الأعظم» قضايا آنية،  شارحا حاجة الناس إلي الدين، والدين باعتباره ثورة للتغيير وكفاحا للحرية.
إهتم »‬فتحي رضوان» بالعقيدة مبكرا،  من أولي مؤلفاته في هذا المجال كتابه »‬محمد الثائر الأعظم» و »‬محمد عليه السلام» و»‬ الإسلام والإنسان المعاصر» ،  و»‬ الإسلام وقضايا الفكر» و»‬القصة القرآنية» وكتابا آخري  يتناول أراءه في الدين والحياة،  ويرصد رجال الدين الذين طوّروا الفكر العربي الحديث، وهي كتب في حاجة إلي نشرها مرة أخري ليتعرف الأجيال بفكر ورؤي هذا الرجل .
   رأي »‬فتحي رضوان » في »‬الصوفية » حين تحدث عن أحد أقطابها : السيد »‬أحمدالبدوي»،أنها عودة إلي الدين في أصفي صورة،  ويراها وسيلة لتربية ولإصلاح النفس وتزكيتها وقمعها عن الشهوات والمطامع وكبح جماحها وتعويدها الجوع والصمت والبعد عن اللهو،  إنها ـ أي الصوفية ـ تقوي العزائم وتطلق العنان لتأمل شئون الناس وأصول العبادة ويشيع فلسفة الزهد والتقشف والوقوف مع الضعفاء  والفقراء.
اتخذت الصوفية ـ كما يوضح »‬رضوان » ـ موجات من التطهير ومقاومة الظلم والتدريب علي حمل السلاح لحماية الثغور،  وخرج من أتباع الصوفية فدائيون يدافعون عن الوطن  ويبذلون  الدم والروح .
   يتجلي دور »‬فتحي رضوان»المثقف،حين أصبح مسئولا عن العمل الثقافي،  كأول وزير لوزارة متخصصة في مصر والبلاد العربية .
في هذه الفترة وضعت البنية الأساسية لإرساء العمل الثقافي منها :إنشاء »‬مصلحة الفنون»ووضع منهجها الأديب »‬يحيي حقي»، ومركز »‬الفنون الشعبية»،أثني المفكر الموسوعي »‬ثروت عكاشة»في مذكراته،  مشيدا بالجهد الذي بذله سلفه.
لكن الثقافة عند »‬فتحي رضوان » هي السر الحقيقي لقوة الأمم،هو لا يعني الثقافة الأكاديمية، ولا مدي انتشار العلم بين أفراد الأمة،  إنما يعني الثقافة القومية التي هي خليط من العقيدة والتراث الفكري، حينما تكون نابضة حية، ويكون معها الشعب متماسكا قويا،  لاتفعل فيه الأحداث،  ولا تهزه المحن،  هذه الثقافة هي التي تدفعه إلي العمل وإلي الابتكار والتجديد.
كان يري ـ رحمه الله ـ إن الثقافة القومية هي خط الدفاع الأساسي الذي  يسبق  الخطوط  الاقتصادية والعسكرية، بل إن الثقافة هو الخط الذي يحمي كل تلك الخطوط،  بل إن الثقافة هي التي تخلق هذه الخطوط خلقا ويري أيضا إن الثقافة القومية هي ثقة الشعب بنفسه، وهي أمله في مستقبله، وهي فخر بماضيه،  وهي الوعاء الذي يضم أفراد الأمة بعضهم إلي بعض.
يعتقد »‬فتحي رضوان »‬إن الحماية من الاستعمار بكل أشكاله لا تأتي ألا بالثقافة،  وجعلها أساسا لحياتنا.. ويؤكد دائما علي أهمية المثقف ودوره في كافة صوره ويدرك عّظم المسئولية الملقاة علي عاتقه في بعث الثقافة القومية ويضيفه إليها ويحدثها لتلاءم روح العصر، ليعاد بناء الشخصية القادرة علي حماية وصد غارات المغيرين والطامعين.
    هذا الرأي نشره »‬فتحي رضوان »‬ منذ أكثر من نصف قرن،  وكأنه تضع حلا عمليا مقاوما لما يسمي الآن »‬بالعولمة» وهيمنة القطب الأحادي،الساعي إلي تفكيك الكيانات القومية وطمس معالم الثقافات، وقتل الشخصية القومية المؤمنة بجذورها.  
  مبكرا رفض »‬فتحي رضوان »‬ما يسمي»الشرق الأوسط»، وأعتبره مصطلحا استعماريا،  أستعمل منذ العصور الوسطي، واستعمله بريطانيا وأمريكا في العصر الحديث،وأدخلوا فيه: إيران، وتركيا وباكستان، ثم إسرائيل.  
  ومبكرا رأي في قضية الصراع الدائر في المنطقة، إنه صراع حضاري راغب في طمس هوية الحضارة القديمة الراسخة في المنطقة، وهو صراع رامي إلي القضاء علي أقوي عناصر المقاومة،  لأن المنطقة بعد إنقطاعها من ماضيها يتيسر اندماجها مع الغرب.

   يجزر »‬فتحي رضوان » مسألة الصراع إلي القرن  الحادي عشر الميلادي،منذ الحروب الصليبية التي نجحت في إقامة  مملكة »‬بيت المقدس»، في نفس الموقع التي تقيم فيه إسرائيل،  لم يستطع  الغرب في ذلك الوقت أن يحقق انتصارا حاسما،  لأن الغرب لم يكن قد استيقظ  ودخل في مرحلة النهضة،  ولم يكن اتصاله وتأثيره بالعرب والمسلمين قد بدأ،وكان العرب يسودهم ثقافة،هي الثقافة العربية الإسلامية،  كانت مناهج الحياة وقواعد المعيشة وأساليب التفكير كلها نابعة من تلك الثقافة،  ومن التراث المتراكم،  ولم يكن لأهل المنطقة تيارات فكرية متباينة،  فكان الغزاة  أمام مجتمع متماسك يستند إلي عقيدة واحدة قوية وشعور قومي يضم الصفوف ويشد العزائم وينتهي بفعل واحد0،  كان هذا هو سر دعر مملكة »‬بيت المقدس»بعد مائتي عام من الحروب،  استخدم الغرب أحدث الأسلحة والأساليب المستمرة من الدمار والمذابح.

 يؤكد فتحي رضوان أن الغرب قد استوعب ما حققته الثقافة العربية الإسلامية وما نقلته من ثقافات من حضارات أخري سابقة، وصاغ الغرب كل هذا صياغة جديدة  ..وبعد الاكتشافات البحرية، وتمكن الغرب دراسة تاريخ المنطقة العربية،  تحوّلت الموجة الاستعمارية إلي موجة عالمية،  وبدأت معها عملية »‬تغريب العرب» ،ونزعهم تدريجيا من أصولهم الثقافية وسماتهم الحضارية، وفتح أبواب الثقافة الأوربية لتلتهم كل ما هو عربي وأسلامي،  بل كل ما هو شرقي، وترسخ كل ما هو أوربي وغربي،  ووضع الغرب العقبات والحواجز في وجه أحياء الماضي أو بعثه،  أو تحديثه .
  يدلل »‬فتحي رضوان » إن الخطة الأولي»‬ لبريطانيا» منذ احتلالها مصر عام 1882،  هي تسريح الجيش ثم تأليف قوة عسكرية ضعيفة بلا سلاح،  قوامها جنود مرضي وجهلة وفقراء،  يرأسهم ضباط لا يعرفون من العلم العام إلا قشوره،من العلم العسكري إلا السير في المواكب وحمل البنادق الفارغة من الأخيرة .. وفككت بريطانيا الأسطول المصري وبيعه لشركات أجنبية وحّولته إلي شركة ملاحية تجارية  ..ثم تقدمت خطوات نحو التغريب الفكري والروحي،  أقاموا نظاما قانونيا للبلاد علي أساس القانون الأوربي،منذ عام 1883  أصبح القانون الفرنسي  مصدر التشريع المدني والجنائي وأصول المحاكمات والمرافعات،  وقطعت مصر العلاقة بين التشريع الأسلامي الذي معمول به منذ عقود كما يؤكد فتحي رضوان إن بريطانيا وضعت أسس العلمانية في مصر، هي نفس المحاولة التي قام بها »‬كمال أتاتورك في تركيا عام 1924،  فثار العالم  الإسلامي، ولا يعرفون إن ما فعله »‬أتاتورك» سبقته إليه مصر  في ظل الحكم البريطاني منذ أربعين عاما.
  يذكر »‬فتحي رضوان» مثالا آخر للتغريب، فلم تسلم الكنيسة  »‬الأرثوذكسية القبطية» من محاولات فتح أبوابها لتيارات المذاهب المسيحية الأوربية أي الكاثوليكية التي تتزعمها وترعاها فرنسا،  والبروتستانتية التي تتزعمها وترعاها بريطانيا،  وقد ألتفتت »‬الكنيسة المصرية» إلي  الأهداف السياسية .وفطن أقباط مصر،فلم يلبسوا جلدا جديدا ليكونوا أتباعا لأوربا من خلال انتمائهم إلي الكنيسة الأوربية.       
   كان »‬فتحي رضوان» يري في »‬الكرو مرية»، هي مجموعة أساليب وإجراءات وأهداف التي وضعها »‬كرومر»المندوب السامي البريطاني في مصر، بمثابة مدرسة استعمارية كاملة تري أن عليها القيام بعدد من الإصلاحات الإدارية وبعض المنشآت التعميرية في مجلات الري والأمن والتنظيم، لتطفيءعلي الحكم الانجليزي صفات الاستنارة والتجديد، وهي سمات قد توحي بالتقدم وتوفير الحرية العامة للمواطنين،  لكنها في واقع الأمر تخفي سمات المستعمر.
  لفتحي رضوان موقف مختلف حول حكم الدولة العثمانية التي احتلت البلاد العربية وحكمتهم حكما استعماريا،  وغيّبت العرب وعزلتهم عن التمدين والحضارية البشرية قرونا،  كان يري إن مؤامرات الغرب وراء هذه النظرة ومؤرخين الغرب المتعصبين قادوا حملات مكثفة لتشهير بالدولة العثمانية ودورها وصوروها كأنها عورة في تاريخ العرب والإسلام ،  وقد نجحوا في الوقيعة بين العرب وتركيا.  وهذا الرأي كان نهج رجال الحرب الوطني في ذلك الوقت، الذي أسسه »‬مصطفي كامل» وكانوا يرون أن استقلال مصر يأتي من التعاون والانتماء إلي الدولة العثمانية لاعتبارها ممثلا شرعيا للخلافة الإسلامية في ذلك الوقت.
   كان »‬فتحي رضوان »‬يري أن الدولة العثمانية 

دولة مفتري عليها،  وقد واجهت أخطارا دولية جسيمة كانت تهدد العالم العربي والإسلامي،  بأفدح الأخطار،  كان من بينها تسلل البرتغاليين إلي شرق الجزيرة العربية،  ومحاولاتهم دخول البحر الأحمر من منفذه الجنوبي وتسللهم إلي جدة لزحف إلي مكة المكرمة ،  وكان هذا أول غزو أوربي عسكري في التاريخ الحديث.
يذكر »‬فتحي رضوان» أن صحوة بعض المؤرخين العرب لإجلاء حقيقة دور هذه الدولة التي حكمت مساحة شاسعة من آسيا وأوربا وأفريقية،  وتركت عواصم زاهرة متألقة،  تزينها :مساجد وتكايا وقصور وشوارع وميادين ومكتبات،  وآثار حية بلغة الأقوام التي حكمتهم وعاشت أكثر من سبعة قرون،  اجتاحت جيوش هذه الدولة أقاليم واسعة في جنوب وشرق أوربا ووسطها، وهذه الأقاليم لم تخضع من قبل لحاكم مسلم، وأحرزت ـ هذه الدولة ـ باسم الإسلام انتصارات باهرة تساقطت إلي يدها العديد من دول أوربية ، وأمتلأت قلوب الحكومات والشعوب الأوربية فزعا وهلعا من هذه الدولة، لهذا تعرضت لحملات عنيفة ضارية استهدفت التشهير بها، اتخذ عنوانا دالا »‬إن الإمبراطورية العثمانية هي مصدر الرعب في العالم » ،وقادت هذه الحملات المكثفة قوتان هما: الإستعمار الأوربي والصهيونية،  واتخذت من البحوث التاريخية والعلمية أدوات لهذه الحملة.
   ناقش »‬فتحي رضوان » من خلال قراءة »‬الموسوعة التاريخية»التي وضعها د. عبد العزيز محمد الشناوي،  عدة  نقاط قارن فيها بين تركيا بمعايير القرن السادس عشر وما بعدها،  ومعاملتها لأقليات معاملة حسنة خاصة أهل الذمة، لم تزج الدولة العثمانية نفسها في صراع المذاهب الذي نشب بين الكاثوليك والبروتستانت، فلجأ إليها المضهطون والمعذبون في أوربا،  ووجدوا فيها الملاذ الأمن والتسامح.  
ثم إن حكم الأتراك لم يكن أسوأ من حكم الأوربيين في تلك الفترة، ثم الصورة العالقة في أذهان الغرب هي فترة أفول الحكم العثماني، وهي فترة سيئة في كل دولة مع ذلك رفض السلطان »‬عبد الحميد » ـ الذي  أسئ إليه بغفل الدعاية الصهيونية أن يأذن بوطن صهيوني علي أرض فلسطين،  وبقي مُصّرا علي الرفض حتي عّزل ومات .
   أغرم »‬فتحي رضوان » في منجزه الإبداعي بترجمة حياة الزعماء: السياسيين والمصلحين،  من أمثال: الزعيم »‬مصطفي كامل»،ورائد الاقتصاد المصري »‬طلعت حرب»، وكتب عن طفولته وصباه كتابين هما : »‬الخليج العاشق» و »‬خط العتبة»، وسجل ذكرياته عن السجون والمعتقلات التي عرفها قبل عام 1952في كتاب »‬قبيل الفجر»، وأرخ في كتاب  »‬72شهرا مع عبدالناصر» عن تجربة عمله وزيرا مع أول حكومة شكلتها ثورة 1952
  اتفق أغلب النقاد أن أهم كتب »‬رضوان» هو كتابه »‬عصر ورجال» ،وهو كذلك عند كاتبه،  الذي جعله وصفا لعصر كامل تلون فيه ملامح النهضة،  وبدا من ثورة 1919 إلي ثورة 1952،  وإن كان حياة كبار المفكرين،الذي تناولهم الكتاب، أغلبهم بدأ ميلاده الفكري منذ ذلك التاريخ،  وجميعهم يمثلون عناصر متعددة من الشعب المصري، ويشكلون جانبا من الثقافة العربية،  منهم من بدا تعليمه في الأزهر ثم أكمله في أوربا، منهم من درس في مدارس ومعاهد نظامية حديثة، ومنهم من ثقف نفسه بنفسه،  لذا كان منهم من هو مصري بحت،  يبحث عن كل ما هو مصري حتي في الثقافة الأوربية، منهم من هو ثمرة إجتهاد ذاتي،  ومنهم من أحتمي بالحكومات،  ومنهم ـ كذلك ـ من كان ناقما علي السلطات.   
  ساعده في ذلك إن عددا من أهم أدباء هذا العصر كتبوا تراجم حياتهم أمثال: محمد حسين هيكل،  احمد أمين،  سلامة موسي وعباس العقاد، وأغلب من تناولهم كتاب »‬عصر ورجال» عرفهم »‬فتحي رضوان»، وأتيح له فرصة الاختلاط بهم والوقوف علي جوانب حياتهم  الشخصية والأخلاقية،ساعده ـ أيضا أنه يتمتع بذاكرة قوية ورؤية  عميقة بالتاريخ وقدرة علي تحليل  واستخلاص العبرة والقدوة  والموقف ،  ويملك مقدرة السرد في سهولة وسلاسة، لكنه كان يكتب عن الشخصيات من خلال موقفه الفكري،  محكما في أغلب الأحيان توجيهات وأراء الحزب الوطني القديم .
كتب ـ أيضا ـ عن شخصيات أخري من تلك الفترة ضمهم  كتاب »‬مشهورون منسيون» ورآهم من المنسيين بعدما قدموا من التضحيات وماتوا في صمت، وأغلبهم من الوطنيين والزعماء أمثال : محمد فريد الذي  ورآه ليس مجرد سياسي فقط،  إنما رائد للفكر  الاجتماعي،  يذكر كذلك »‬ عبد الرحمن فهمي»  باعتباره  بطل ثورة 9 191، المجهول المؤرخ  »‬عبد الرحمن الرافعي » مؤرخ  مصر الحديثة.
كان »‬فتحي رضوان » يؤمن بأهمية التاريخ،  يملك القدرة علي تحلل أحداثه،  وربطها بالواقع السياسي والاجتماعي،  يؤمن بفكرة التواصل المعرفي بين الأجيال،  ويؤمن بتنشيط الذاكرة القومية، ماسحا الغبار عن رجال تركوا بصمة علي الواقع السياسي والثقافي والاقتصادي، ومركزا عليهم باعتبارهم القدوة والمثل.
   تاريخ »‬فتحي رضوان» يحتاج إلي باحث مدقق موهوب،  يحلل أفكار ورؤي الرجل،  يذكر الناس بتاريخه ودوره.